محمد عبد الوهاب... عصور من الموسيقى

محمد عبد الوهاب... عصور من الموسيقى

كان الطفل ذو الصوت الجميل يحب أن يتميز عن أقرانه في حلقة ترتيل القرآن في كتّاب باب الشعرية في القاهرة، فيرسل صوته الرنان مستعرضاً جماله وهو يقرأ الآيات.

استرعى هذا انتباه شيخه فأبلغ أباه المؤذن والقارئ في مسجد سيدي الشعراني، وتوسم الأب في ابنه مستقبلاً كقارئ للقرآن.


لكن قدر هذا الطفل الموهوب كان أن يفيض غناء وموسيقى ويظلل القرن العشرين بموهبة فذة أسهمت في تشكيل تاريخ الموسيقى العربية في تلك الفترة.

ولد محمد عبد الوهاب الشعراني عام 1902 في باب الشعرية لعائلة تنتسب إلى الشيخ عبد الوهاب الشعراني. كان عبد الوهاب منذ طفولته مشدوداً إلى الموسيقى والغناء إلى درجة أنه كان يخرج متخفياً من منزله وهو لا يتجاوز العاشرة من عمره ليغني بين الفصول في فرقة فوزي الجزايرلي.

منعته العائلة وتشددت في ذلك فما كان منه إلا أن هرب مرة أخرى ليغني في سيرك في دمنهور بالقرب من الاسكندرية. وهناك جمعه القدر لأول مرة بالشيخ سيد درويش الذي حمله وقبله بعد الغناء وأثنى على أدائه.

أذعنت العائلة لهذه الموهبة الطاغية عند ابنهم الصغير وارتأوا أن يسمحوا له بالغناء تحت رقابة العائلة لرعايته وهو في هذا السن المبكر من أية مفاسد.

تنقل محمد عبد الوهاب بين عدة فرق كمطرب ومن ضمنها فرقة سيد درويش الذي كان مثلاً أعلى له في ذلك الوقت. ثم دخل معهد الموسيقى العربية عام 1920 ليتتلمذ على يد الأستاذ محمد القصبجي الذي علمه عزف العود.

كانت نقطة التحول في حياة محمد عبد الوهاب حين استمع إليه أمير الشعراء أحمد شوقي وقرر تبني موهبته عام 1924. فتح له شوقي ابواب المجتمع الراقي وقدمه للصفوة من الفنانين وهو ما عجل بانتشار موهبة عبد الوهاب الغنائية والموسيقية.

في عام 1925، أسندت له سلطانة الطرب آنذاك منيرة المهدية مهمة إكمال تلحين مسرحية كليوباترا التي كان سيد درويش قد ابتدأ تلحينها قبل وفاته، كما طلبت منه مشاركتها الغناء على المسرح.

كانت هذه المهمة انطلاقة جديدة أكسبت عبد الوهاب شهرة وثقة المجتمع الفني كله. فلم يكن من السهل أن يخلف أحد فناناً بحجم سيد درويش، وأن يشارك مطربة بحجم منيرة المهدية في الغناء.

وكان من الواضح في تلك الفترة وما تلاها لبضع سنوات أن الفنان الشاب لا يزال يبحث عن شخصيته الخاصة. ففي الأدوار التي لحنها في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات مثل "القلب ياما انتظر" و"أحب أشوفك كل يوم" التزم عبد الوهاب بالقوالب الموسيقية التطريبية المتعارف عليها آنذاك.

ولكنه فيما بعد بدأ بختط لنفسه طريق الجمل الموسيقية الموجزة المعبرة التي لا تثقلها الزخارف اللحنية التي كانت توضع لابراز صوت المطرب. فقد بدأ عبد الوهاب يجعل للموسيقى شخصية مستقلة تعبر عن المعاني وتقاد بها، بدلاً من أن توضع بشكل أساسي ليتنقل المطرب بصوته بشكل لا يخلو من الاطناب والتكرار.

أقوال جاهزة

شارك غردكان عبد الوهاب يخرج متخفياً من منزله وهو لا يتجاوز العاشرة من عمره ليغني بين الفصول في فرقة فوزي الجزايرلي...

شارك غردإن المستمع للحفلة الأولى لإنت عمري يرى كم كانت هذه الأغنية حدثاً ضخماً... لقاء عبد الوهاب بأم كلثوم الذي تأخر كثيراً

شهدت الثلاثينات دخول عبد الوهاب إلى الوسط السينمائي، وكان لهذا أثره أيضاً في الأغاني التي اجتهد حينها أن تكون ملائمة لروح التغيير التي بدأ يتبناها هو، في مقابل المدرسة الشرقية الكلاسيكية التي كانت تمثلها أم كلثوم مع ملحنيها من أمثال زكريا أحمد والسنباطي.

ومن أمثلة ما فعله عبد الوهاب من تجديد أغنية "جفنه علم الغزل" التي غناها في فيلمه الأول "الوردة البيضاء" عام 1933 وهي على ايقاع الرومبا.

وأيضاً أغنية "سهرت منه الليالي" في فيلمه الثاني "دموع الحب" عام 1935 وهي على ايقاع التانجو. وإذا قارنا هذه الأغاني مثلاً بأغان لأم كلثوم في أفلامها مثل "على بلد المحبوب" و"غني لي شوي شوي" لوضح لنا الفارق بين المدرستين الموسيقيتين لكل منهما. ولعل هذا كان سبباً في تأخر لقائهما لعدة عقود من الزمن.

اتجه عبد الوهاب في الأربعينات وبعد أن توقف عن التمثيل إلى أداء الأغاني الطويلة نسبياً مثل "الكرنك" و"الجندول" و"كليوباترا" وهي علائم هامة في مسيرته الموسيقية أكدت توجهه نحو الموسيقى التعبيرية الرشيقة وتمكنه من ترجمة المعاني بجمل نضرة وأنيقة عن طريق تلحين الأبيات كوحدة شعرية وموسيقية عوضاً عن تلحين الكلمات.

وبعد أن بدأت طبقات صوت عبد الوهاب في الانحسار وبدأ هذا الصوت الذهبي الرنان يبهت بعض الشيء حاول عبد الوهاب أن يجاري التغيرات في صوته بأغان خفيفة كانت مقدمة لاحتضانه الموجة الجديدة التي أطلقها شباب الملحنين في الخمسينيات مثل الطويل والموجي ومعهم مطرب المدرسة الجديدة عبد الحليم حافظ.

انتظر عبد الوهاب أن ينجح عبد الحليم مع غيره قبل أن يتقدم هو للتلحين له. وحين اقتنع عبد الوهاب بأن عبد الحليم قد أسس لنفسه موقعاً هاماً في نفوس الجمهور أنتج له فيلم "بنات اليوم" عام 1956 ولحن كل أغاني الفيلم له ومن أشهرها أيقونة أغاني عبد الحليم "أهواك".

لقاء السحاب

أما لقاء عبد الوهاب بأم كلثوم فقد تأخر كثيراً لعدة أسباب لعل من أهمها تخوف الطرفين من المدرسة المغايرة للطرف الآخر.

لم يكن عبد الوهاب و أم كلثوم مستعدين للمغامرة باسميهما في عمل قد لا يستسيغه الجمهور. يتناقل البعض أن عبد الناصر ضغط بل أمر الطرفين بالتعاون، وهو ما نفاه عبد الوهاب في مذكراته المتلفزة في الثمانينيات.

كان عبد الناصر دائم السؤال بصيغة التعجب عن عدم عملهما سوية في كل عيد للثورة يجتمعون فيه. واستمرت تلك الحالة حتى عام 1964 حين اجتمع عبد الوهاب مع أم كلثوم بأغنية "انت عمري" والتي كان يلحنها لنفسه.

ها هي نجاة الصغيرة تستلم من نزار قباني قصيدة "أيظن" وتنطلق بها إلى الموجي والطويل اللذين يشعران بأنها لا تحتمل التحول إلى أغنية... وحده عبد الوهاب لحنها ببراعة جعلتها من أبرز القصائد المغناة في القرن العشرين

إن المستمع للحفلة الأولى لإنت عمري يرى كم كانت هذه الأغنية حدثاً ضخماً آنذاك. فاللحن الذي أدته أم كلثوم على مدى ساعتين وثلث تقريباً استعاد الجمهور مقاطعه أكثر من مرة وهو ما أكد لكل من عبد الوهاب وأم كلثوم أن الجمهور كان متعطشاً لأن يرى صوت أم كلثوم يرتدي حلة جديدة تناسب العصر وتضفي على الوقار الكلثومي لمحة شبابية متمردة.

وحين تسللت كاميرا الصحافة إلى كواليس تلك الحفلة وجدت عبد الوهاب يقف قلقاً مرتعشاً والدموع تفيض من عينيه وهو يستمع إلى استقبال الجمهور لأول لحن له لسيدة الغناء.

بعد النجاح الضخم الذي حصدته "انت عمري" لحن عبد الوهاب لأم كلثوم عشرة ألحان في غضون تسع سنوات فقط. وكان آخر لحن جديد تشدو به أم كلثوم على المسرح هو "ليلة حب" من ألحان عبد الوهاب.

كان الحصول على لحن من عبد الوهاب لأي مطرب أو مطربة يعني شهادة جودة موقعة من موسيقار الأجيال، ولهذا تسابق كبار المطربين على غناء ألحانه لأن اسم الموسيقار على اللحن يضمن استماعاً من جمهور عريض من متذوقي الموسيقى.

كما أن عبد الوهاب كان بحق من أكثر الموسيقيين الذين حرصوا على تطوير أنفسهم باستمرار لا بمجهود مصطنع أو كاستجابة لموجات التغيير فقط، بل لأن بذرة التجدد موجودة في فلسفته الفنية.

فها هي نجاة الصغيرة تستلم من نزار قباني قصيدة "أيظن" وتنطلق بها إلى الموجي والطويل اللذين يشعران بأنها لا تحتمل التلحين والتحول إلى أغنية. وحده عبد الوهاب الذي انفعل بالكلمات التي تعكس روحاً جديدة ولحنها ببراعة جعلتها من عيون القصائد الحديثة المغناة في القرن العشرين.

في الوقت الذي كان عبد الوهاب يعمل على أن يكون جسراً فنيا بين الشرق والغرب، ظهرت عدة أصوات تنتقد نقله المباشر من أعمال فنية غربية، بل وحتى عربية، وتضمينها في ألحانه دون ذكر المصدر.

فعلى سبيل المثال، أخذ عبد الوهاب مقدمة السيمفونية الخامسة لبيتهوفن ووضعها كمقدمة لأغنية "أحب عيشة الحرية". وكذلك فعل في أعمال لاحقة مثل "الجندول" التي استعار في مقدمتها موسيقى من سيمفونية " شهرزاد لرمسكي كورساكوف وأعمال أخرى عديدة مثل دويتو "يادي النعيم" مع ليلى مراد والذي أخذ فيه قطعة كاملة من موسيقى "العربحية" لسيد درويش.

في رأي البعض من النقاد فإن هذه "الاقتباسات" تعد علامة ضعف ومأخذاً خطيراً على موسيقار ومطرب بحجم عبد الوهاب. فيما يقول البعض الآخر إن كل هذه الأعمال لو حذفت من تاريخه الفني فسيتبقى نتاج ضخم في العدد وأصيل في التأثير وهو ما يضعه على القمة بلا شك.

ختم عبد الوهاب حياته الغنائية بأداء "من غير ليه" عام 1989 والتي كان قد لحنها لعبد الحليم حافظ قبل وفاته، وختم حياته الموسيقية بلحن "أسالك الرحيل" لنزار قباني وبصوت نجاة الصغيرة. توفي عام 1991 بعد أن ملأ الدنيا غناء وشغل الناس بموهبة ثرية ذكية عرفت كيف تتجدد وتعيد ابتكار شخصيتها في كل العصور التي عاشتها.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي