"لا تنسي أن الرجل يولد من رحمك فلا تخافي منه ولا لحظة"... حوار مع ميسلون نصار

"لا تنسي أن الرجل يولد من رحمك فلا تخافي منه ولا لحظة"... حوار مع ميسلون نصار

على مدار سنوات أبحرت ميسلون نصار في فلك الممنوع لتصبح هي الحدث على شاشة "فرانس24"، مسلطةً مجهرها في حلقات كثيرة على هموم المرأة، آمالها، إنجازاتها، ومتسلحة بالجرأة والجدية، يقيناً منها بمدى تأثير الإعلامي على الآخرين.

فكانت النتيجة على قدر التعب، يكفيها، كما تقول، أنْ يكتب لها مشاهد مغربي من أمازيغ جبال الأطلس أنه ومن فترة إلى أخرى يترجم البرنامج من العربية إلى الأمازيغية، لجدته التي تحب متابعة "هي الحدث".


وعبر برنامجَيها "في فلك الممنوع" و"هي الحدث" تقف ميسلون نصار في منطقة الألغام المجتمعية لتناولِها قضايا ومفاهيم على درجة من الحساسية خاصة في مجتمعاتنا العربية:

الاغتصاب، الختان، التحرش، الأم العازبة، وغيرها من المواضيع التي كان هدفها النقاش ونقل المرأة إلى عتبة أكثر حرية.

عن تجربتها كإعلامية عربية نجحت في كسر بعض التابوهات، تحدثنا ميسلون نصار، في تركيزٍ على برنامج "هي الحدث"، تحدياتها وطموحاته.

"هي الحدث" لأجل المساواة والمواطنة

التحدي هو المحرك الأساسي للاستمرار في إعداد وتقديم البرنامجَين، خاصة أن المواضيع التي تطرحها تُصَنف بـ"الحساسة" رغم اختلاف النظرة إليها من ثقافة إلى أخرى.

تؤكد نصار مضيفةً لرصيف22 أنه تحدٍ لا يمكن تجاوزه لأن البرنامجين رغم صداهما الواسع إلا أنهما لا يشكلان سوى منبر للنقاش "إحداث التغيير في العقليات هو التحدي الأكبر وهو أمر لن أتمكن من تجاوزه تماماً بالطبع، لكنني لن أتوقف عن سعيي نحو ذلك".

خلال 5 سنوات شكّل برنامج "هي الحدث" وبناءً على ردود الفعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي الصحافة، وأيضا استطلاعات رأي مشاهدي "فرانس24" شكَّل هوية مختلفة.

واستطاع أن يكون منبرا حرا لتجارب نسوية ونسائية مختلفة ومتنوعة، طرح مواضيع تتعلق بكفاح النساء أينما كنَّ لأجل المساواة والمواطنة، كما استقبل ضيوفاً رجالاً مؤمنين بضرورة دعم النساء في كفاحهن.

تعتبر ميسلون أن هذا البرنامج ضروريٌ لطالما "أن المرأة ماضية في طريقها نحو نيل كامل حقوقها، خاصة أننا نتفادى في "هي الحدث" تقديم المرأة في صورتيها الأكثر رواجا في الإعلام، للأسف: السلعة أو الضحية".

عزمٌ واستمرار قد يكون طبيعيا لِمَا تحملُه ميسلون من حب للبرنامج الذي تعتبر كلَّ حلقة منه اختبارا تتجاوزه بالكثير من الرضا، خاصة عندما ترى في عيون ضيفاتها أو أصواتهن شيئاً من الحرية والرغبة في التعبير لأجل التغيير.

تتابع " يكفيني، عندما يكتب لي أحد المشاهدين وهو شاب مغربي من أمازيغ جبال الأطلس أنه ومن فترة إلى أخرى يترجم البرنامج من العربية إلى الأمازيغية، لجدته التي تحب متابعة "هي الحدث".

في الحروب والصراعات، المرأة العربية هي الضحية الأكبر

تشير ميسلون إلى أن المرأة العربية باتت خلال السنوات الأخيرة أكثر جرأة في الحديث عن مشاكلها، ورغبة في تغيير واقعها، وعزما على السعي نحو الاستقلال عن العقلية الذكورية التي تحكم الدول والمجتمعات.

غير أن ما سُميَّ بالربيع العربي ومطالب التغيير التي أدت إلى أزمات هنا وحروب هناك، وضعت المرأة بين مأزقين، أولهما أن موجات التغيير استثنتها لاحقا في التمثيل السياسي واستثنت حقوقها في الشق المطلبي -عدا تونس.

المأزق الآخر هو "أن الحروب والصراعات المسلحة جعلت منها الضحية الأكبر التي تعاني من أجل إعالة أيتامها، وتغتصب ويُتحَرش بها في الشوارع ووسائل النقل العامة، وتُسبى على أيدي المتطرفين دينياً، وتُباع في أسواق للعبيد.

هي التي تموت يومياً بسبب عنف أسري ويُهدر دمها بسبب زواج مختلط وتُقتل تحت ذريعة "الشرف"... هي التي لا تكون في السلطة إلا إذا سمح لها الرجل".

رغم كل ذلك ميسلون مؤمنة بنساء مجتمعاتنا وبأنهن لن يستسلمن، تتابع "برأيي، تتساوى المرأة العربية مع الرجل العربي في أمر واحد فقط:

كلاهما لم يتمكن حتى اللحظة من تحقيق مواطنة كاملة، كلاهما لم يحصل اليوم وفي غالبية الدول العربية على الحد الأدنى من الحقوق المدنية التي يتمتع بها المواطن في الدول المصنفة "متقدمة".

كلاهما ضحية لواقع صعب وغير مستقر لكنّ المرأة العربية، في معظم الأحوال، تكون ضحية مرتين".

أقوال جاهزة

شارك غردمشروع ميسلون نصار الإعلامي: "أن نسمي الأشياء بأسمائها وأن نطرح الأسئلة التي تخطر على بال أي شخص عادي"

شارك غرد""كوني أنتِ ولا تتماهي مع المعايير التي يضعونها لك، أحبي نفسك كما خُلقتِ وأحبي جسدك فهو جميل ولا تخجلي منه أبدا" ميسلون نصّار لنساء المستقبل

ضغوط قانونية ومجتمعية، ولكن الهمّة قوية

بحسب تقرير للأمم المتحدة فإن 37% من النساء العربيات يتعرضن للعنف، في حين 92% من نساء مصر تعرضن للتحرش، أرقام تؤكد ما ترزح تحته المرأة العربية من ضغوطٍ ناتجة عن أسباب عدة، كما تقول نصار، لافتة بداية إلى القوانين التي تعاملها كمواطن من الدرجة الثانية، لأنها بنيت على تشريعات دينية أو داساتير قديمة أكل عليها الدهر وشرب.

"طالما أننا لا نعيش في ظل دساتير علمانية تفصل السلطات الدينية والقبلية عن الدولة فإن الأمور لن تتحسن".

تتابع "أما العادات والتي أسميها أكثر "العقليات" فإنها أيضا غير مُنصفةٍ لها لأنها غالبا ما تربط المرأة بالشرف والعرض وغيرها من المفاهيم التي قد أدرسها أو أقبلها، ربما في إطارها التاريخي، لكنني أرفضها اليوم رفضاً قاطعاً، لأن دور المرأة ومكانتها وتأثيرها قد تغيّر بشكل كبير جداً ومَن يرفض أن يرى ذلك فهو أعمى بالتأكيد".

تؤكد أن المرأة ليست مستسلمة، بل وتسعى للتغير لكنها محكومة بظروفها ومحيطها وتجربتها الحياتية "أعتقد أن سلاح المرأة الأهم هو العلم، يليه أن تكون منتجة ومستقلة ماديا وبالتالي أن تملك قرارها بيدها وهو ماسيؤثر على نظرتها لنفسها ولبنات جنسها وللجنس الآخر".

تضيف " قابلت العديد من السيدات من مختلف البيئات والدول والطبقات الاجتماعية، غالبية مَن تمكنَّ من إحداث تغيير ما في حياتهن ومحيطهن كنّ مستقلات ماديا أو معيلات أو متعلمات وصاحبات مسيرة مهنية ناجحة أو حتى سيدات يتمتعن بشيء من الحكمة وبنظرة فلسفية للحياة رغم كونهن أميّات".

لاشك أن ميسلون نصار ممن نجحن في خطِّ نهج مختلف في مجتمعٍ الممنوعُ فيه أقوى من المسموح. عن بداياتها تقول:

"في طفولتي لم بأحلم بأن أكون صحفية، أنا من الأشخاص الذين يسيرون مع رياح الحياة، وغالبا ما أتركها تأخذني في مغامرات جديدة، منها الجميل ومنها الفاشل، أستطيع القول أنني الآن في مكاني الطبيعي، تحديداً على صعيد انسجام عملي وإنتاجي المهني مع مبادئي كإنسانة ومع أحلامي في تحقيق التغيير في المجتمعات التي أنتمي إليها".

البداية في بيروت: اقتصاد وتلفزيون وسينما

نشأت ميسلون في بيروت التي أعطتها روح التحدي والتمرد وأيضا الانفتاح على الآخر كما تقول "أنا من جيل ما قبل نهاية الحرب الأهلية في لبنان، بالتالي، ورغم ذكريات الطفولة المبكّرة التي يكللها القصف والمتاريس والقناصة والملاجئ والانفجارات إلا أن الحظ باغتنا في أول طلعتنا (كما يقال) واستطعنا أن ننعم بمرحلة من الهدوء النسبي بعد الحرب وحتى عام 2005".

تميزت عائلتها بتنوعها الثقافي ما جعلها أكثر إقبالاً على القراءة والبحث عن التجديد.

"لوالدتي دور أساسي في كوني امرأة مستقلة وراشدة، والدي رجل تقدمي في نظرته للحياة، عزز لدي حب المعرفة والقدرة على التعبير، أنا الأكبر لأخوين لطيفَيْن، ولاحقا اخترتُ شريكاً جميلاً لحياتي، سند حقيقي، رجل يؤمن بالمساواة بكل ما للكلمة من معنى".

انخرطت ميسلون في العمل باكراً، فدخلت التلفزيون والسينما منذ كانت طالبة في العلوم الاقتصادية في الجامعة اليسوعية، عملت مع مؤسسات وشركات إنتاج كونت ثقافتها المهنية في الصورة والتوليف وغيرها من المهارات.

اهتمامها في عالم الأفلام الوثائقية لاحقا، أتاح لها فرصة السفر إلى بلدان عدة وأغنى تجربتها، لتحط رحالها بعد حين في باريس وتعمل في قناة "فرانس24" التي نقلتها إلى أمام الكاميرا. 

في باريس: فرصة ذهبية رغم كل الصعوبات

تعتبر أن حياتها في باريس والعمل في وسيلة إعلامية فرنسية والصدفة التي جمعتها بزملاء يقاسمونها بعض أحلامها، هي مكونات منحتها فرصة للتوفيق بين المهنة التي تقتات منها وقناعاتها وطموحاتها الشخصية "فرصة ذهبية أحسد نفسي عليها وأعمل على استغلالها كما يجب رغم كل الصعوبات التي واجهتني وتواجهني".

استحوذت ميسلون مساحتها الخاصة في "فرانس24" عبر برنامجين من إعدادها وتقديمها، غير أنه تعتبر أنهما نتاج مجهود جماعي يشارك فيه كل فريق العمل. متقنة استخدامها لأداوتها كإعلامية تدرك أهمية ذلك في إحداث تأثير في الجمهور، بدءا من اللغة التي سعت إلى تبسيطها بعيداً عن المواربة.

أيضاً اختارت الصدمة أداة أخرى "أن نسمي الأشياء بأسمائها وأن نطرح الأسئلة التي تخطر على بال أي شخص عادي، أبتعد عن الفذلكة والابتذال ولا أبحث عن خبطات إعلامية ولا عن الشهرة".

الجدية سلاح آخر تتكئ عليه، بعيداً عن الضحك دون سبب والمزاح مع الضيوف أو الدخول في أسئلة جارحة، حسب قولها.

لافتة أنها أحياناً تلجأ إلى الاستفزاز، بهدف دفع الضيف إلى التعبير أكثر.

"أنا في حالة تعلم دائمة، وكل موضوع أطرحه يعلمني الجديد، ويؤكد أن أدوات الإعلامي كثيرة ومتنوعة، أحاول ألا أقع في فخ التلاعب بالعقول، وأدرك ما للإعلامي من قدرة للتأثير، فانتبه على الكثير من التفاصيل التي نادرا ما يلاحظها المتلقي".

تؤكد أن عملها مع "فرانس24" أثرى تجربتها المهنية، خاصة أنها تبث بأربع لغات وفيها تنوع كبير على مستوى الأصول والجنسيات، وهي ممولة من دافعي الضرائب في فرنسا، بالتالي لا تحكمها أجندات بحسب قولها، تضيف أن الصحافة الفرنسية تتيح للصحفي إنجاز المادة المتلفزة من الألف إلى الياء (كتابة النص والمونتاج وتسجيل الصوت..) وهو أمر محبب لها ويدفعها للمشاركة حتى بتوليف الكثير من المحتويات البصرية لبرنامجيها.

"تمرّدي عليّ وعلى أفكاري ووصاياي .. تمرّدي" وصية ميسلون نصار للبنات

"في فلك الممنوع" و"هي الحدث"

"في فلك الممنوع" مستمر على الشاشة في موسم ثالث بدأ في فبراير الماضي، تخصص فيه ميسلون ملفاتٍ تعنى بالمهاجرين العرب في فرنسا وأوروبا، وأخرى عن الأقليات في الدول العربية. أيضا تعمل على إدخال بعض العمل الاستقصائي في البرنامج، ونقل تصوير الحلقات إلى العواصم العربية بهدف إثراءها بالمزيد من النقاش والضيوف.

أما برنامج "هي الحدث" فسيظهر بحلة جديدة على مستوى الصورة والجنريك "مستمرّون في البحث عن تجارب نسائية مميزة ومختلفة، والجميل أننا بتنا نتلقى رسائل من العديد من السيدات لمشاركتنا تجاربهن أو مشاريعهن أو مبادراتهن.

وغالبا ما نتواصل معهن لاستضافتهن في البرنامج". مضيفة أنهم وبالتعاون مع منتجة البرنامج سلوى بوجدرة في سعي دائم للبقاء عند حسن ظن المشاهدين الذين لا يترددون في بعث رسائل التشجيع والمقترحات وغيرها "أما الانتقادات، فنستقبلها برحابة صدر، والتهديدات لم ولن تخيفنا".

من ميسلون نصار لابنتها التي لم تأت بعد: عانقي التواضع. ابحثي عن الحب. تمردي!

كان الكاتب السوري فادي عزام أحد ضيوف "هي الحدث" في حلقة تحدث فيها عن وصاياه الـ99 التي كتبها لابنته التي لم تأت بعد، كان منها أن المهم ماتضعه في رأسها وليس عليه، طالباً منها ألا تخشى الرفض وألا تسكت وأن تحلم دائماً.

سألنا ميسلون نصار عن وصاياها لابنتها التي لم تأت بعد، فقالت إنها من شريحة البشر المترددة في الإنجاب لاعتبارها بأن هناك الكثير من الأطفال الذين يحتاجون إلى عائلات على وجه البسيطة، لكن وإن أصبح لها ابنه فستوصيها بالتالي:

"كوني أنتِ ولا تتماهي مع المعايير التي يضعونها لك، أحبي نفسك كما خُلقتِ وأحبي جسدك فهو جميل ولا تخجلي منه أبداً. لا تنسي أن الرجل يولد من رحمك فلا تخافي منه ولا لحظة، خذيه شريكاً لا وصياً أو ولياً.. عانقي التواضع وابحثي عن الحب في كل خطوة.. تمرّدي عليّ وعلى أفكاري ووصاياي... تمرّدي...".

التعليقات

المقال التالي