وهكذا حصل كثير من المتوقع في ليلة هوليوود الكبيرة...

وهكذا حصل كثير من المتوقع في ليلة هوليوود الكبيرة...

كثير من المتوقع حصل في ليلة هوليوود الكبيرة. مسرح «دولبي» في لوس أنجلس، احتضن الدورة 90 من جوائز «أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة».

تتويجات 24 فئة، لم تخرج عن التكهّنات في معظمها. بالتوازي، اندلق كثير من الكلام المكرور عن الصواب السياسي. انتقاد ترامب، في صراع أزليّ بين يمين متجدّد وليبراليّة تقليديّة، تعدّ هوليوود ألمع قلاعها. تساوي الأجور بين الممثّلين والممثّلات. السخرية من فضيحة اسم أفضل فيلم العام الفائت.

جيمي كيميل قدّم الحفل للعام الثاني على التوالي، كما وارن بيتي وفاي دوناواي لنطق اسم الشريط الفائز.

«الخطأ صار وراءنا». أراد المنظّمون تصدير ذلك بشدّة، كما الكثير من رسائل السياسة والفن.

أفضل فيلم

معروف منذ البداية أنّ الأوسكار لن يخرج عن عنوانين: «ثلاث لوحات إعلانيّة خارج إيبنغ، ميزوري» لمارتن ماكدونا، و«شكل المياه» لغييرمو ديل تورو. الثاني فتك التمثال الأبرز، إضافةً إلى أفضل إخراج وموسيقى وتصميم إنتاج، من أصل 13 ترشيحاً.

هذا يعني انضمام المعلّم المكسيكي (1964) إلى صديقيه وابني بلده ألفونسو كواران («جاذبيّة») وإيناريتو («بيردمان»، «المنبعث»)، على عرش التتويج المتعدّد.

اجتماع الـ «أميغوز الثلاثة» في إحصائية واحدة ليس غريباً. يمكن اعتباره من العادات الحسنة. هم روّاد الذهب في السينما المكسيكية الجديدة. عبروا بها إلى اليابسة الحلم، ممهّدين الطريق لأمثال غايل غارسيا برنال، وكارلوس ريغاداس وباتريشيا ريغن وغيرهم. إنّه شريط «الأسد الذهب» في البندقيّة الفائت. عموماً، صارت مختلف جوائز الموسترا أشبه بنبوءة أوسكاريّة في السنوات الأخيرة.

ولكن، ماذا عن الفيلم نفسه؟

نحن بصدد قصّة حبّ في إطار فانتازي، بين عاملة تنظيف بكماء (سالي هوكينز) في منشأة أبحاث حكوميّة سريّة، وكائن برمائي غريب خاضع للحبس والفحص والاختبار. نحن في بالتيمور عام 1962. الحرب الباردة في أوجها. «إليزا» تتعرّف إلى حبيبها تدريجاً. تجد عنده المعنى الحقيقي للتواصل، من دون اكتراث لعدم قدرتها على النطق. لاحقاً، تعرف بنيّة التخلص منه، فتقرّر إنقاذه مهما كان الثمن. هكذا، يقترح الفيلم مستويات عدّة من التلقي والإحالات، استناداً إلى بنية مركّبة على ما يبدو طرحاً كلاسيكياً بسيطاً.

أقوال جاهزة

شارك غرد"الخطأ صار وراءنا" أراد المنظّمون تصدير ذلك بشدّة، كما عديد رسائل السياسة والفن.

شارك غردنحن بصدد قصّة حبّ في إطار فانتازي، بين عاملة تنظيف بكماء (سالي هوكينز) في منشأة أبحاث حكوميّة سريّة، وكائن برمائي غريب خاضع للحبس والفحص والاختبار

شارك غرد«الوقاحة» الأبرز جاءت في تحيّة مباغتة للجيش الأميركي، «ناشر الحريّة» حول العالم. هكذا، من دون مناسبة أو حدث يستدعي ذلك

بدايةً، هذا تنويع على تيمة «الجميلة والوحش»، لتصبح «العاديّة والوحش».

«إليزا» لا تمتلك شيئاً مميّزاً سوى رقتها وجمال روحها. اختيار مقصود، ينتصر لأولئك الذين يستيقظون باكراً، ويستقلّون الحافلة إلى العمل، مراقبين الدنيا عبر الزجاج. غنيّ عن القول إنّ الوحوش أبطال دائمون في سينما ديل تورو. هو مؤمن بهم منذ نعومة أظفاره. حالم رومنطيقيّ، قادر على الاستمتاع بالعنف والدم. لا أحد يجمع بين الحبّ والحرب والرعب والفانتازيا والألوان والدفق الروحي كما يفعل غييرمو.

أيضاً، هو شريط عن التواصل والاختلاف، بدءاً من البشر مع بعضهم، ثمّ مع كائنات أخرى. اختلاف يظهر بالقدرة على التعبير، أو بالميول الجنسيّة والفتيش، أو بلون البشرة، أو حتى بصراع الأيديولوجيات بين الدول. هذا يقود إلى قياس قدرة الإنسان على قبول ذاته أولاً، والآخر تالياً. يفضي إلى تعاطف حنون مع البشر، وقسوة عليهم في آن.

تلقائياً، تتسع المروحة نحو معانٍ وجوديّة وفلسفيّة، مع الاستخدام الحاذق للماء ودلالاته في الخلق والتكوين. نصبح حيال نوع من المكاشفة الرقيقة على مستوى الجنس البشري. تخيّم أسئلة كبيرة من قبيل: ماذا نفعل على هذا الكوكب المليء بالمسطحات المائية؟ الجميل أنّ كل ذلك يتبادر إلى الذهن نتيجة الحس وتنشيط اللا وعي، من دون تلقين أو مباشرة.

ما يميّز «شكل المياه» أنّه عابر للجانر. كلاسيكيّ رومانسيّ، ودراما حرب وإثارة، وفانتازيا، وميوزكال في آن. القدرة على توليف كل ذلك بانسجام، فيها شيء من العبقرية، من خلال نصّ معجون بعصارة الروح، وكثير من الصبر والتأمّل، بالاشتراك مع فينيسا تايلور الآتية من «صراع العروش» (زاخر بالفانتازيا والوحوش بدوره). «فايري تايل» مفعم بالنوستالجيا وروعة الكلاسيكيّات، مع تحيّات سينيفيلية كثيرة.

لا فوز للعرب

في إنجاز تاريخي، بلغ كلّ من السوريّ فراس فيّاض القائمة النهائية للوثائقي الطويل بجديده «آخر الرجال في حلب»، واللبنانيّ زياد دويري منافسات الفيلم الأجنبي بـ «قضية رقم 23». كلاهما خرج خالي الوفاض. الأوّل لحساب «إيكاروس» بريان فوغل.

الثاني خسر أمام «امرأة رائعة» للتشيلي سيباستيان ليليو، في واحدة من الجوائز المفاجئة. صحيح أنّه محكم ورقيق، لكنّه لا يضاهي تحفاً مثل «المربّع» لروبن أوستلوند (سعفة كان) و«عن الجسد والروح» لإلديكو أنييدي (دب برلين). تجاهل درّة الكروازيت ليس جديداً على الأوسكار. ثمّة تاريخ طويل من المناكفة بينهما. ربّما لأنّ أوستلوند يفتح النّار على دكتاتوريّة الصواب السياسي، وزيف المثقف في مجتمعات ما بعد الحداثة، وهو ما تقدّسه هوليوود هذه الأيام.

أفضل ممثّل (رئيسي – ثانويّ)

غاري أولدمان مذهل في «أحلك ساعة» لجو رايت. ونستون تشرشل دور حلم بلعبه طويلاً، رغم اختلافه الشكليّ الهائل مع رئيس الوزراء البريطانيّ الشهير. لذلك، رهن موافقته بوجود ساحر الماكياج كازوهيرو سوجي (نال أوسكار الماكياج مع فريقه). المشكلة أنّ المعلّم الياباني معتزل ومتفرّغ للتشكيل والنحت. هكذا، تواصل غاري مع «كازو» شخصياً، ونجح في إقناعه بالرجوع عن التقاعد، لتبدأ رحلة شاقّة من «التحوّل». 6 أشهر بروفات. مئات الجلسات المرهقة. 200 ساعة على كرسيّ الماكياج، وأكثر من 400 سيجار خلال فترة التصوير. مستوى مدهش من التفاني والموهبة، للوصول إلى «تشرشل» وسطيّ، مقنع شكلاً، بما لا ينسي المشاهد الاستمتاع بالتمثيل. هنا، يكمن ذكاء جو رايت الحاد في التعامل مع بيوغرافيا حسّاسة كهذه، رغم وجود مشاكل في النص.

بدوره، انتزع سام روكويل أوسكار أفضل ممثّل في دور ثانٍ عن «ثلاث لوحات إعلانيّة خارج إيبنغ، ميزوري»، في شخصية شرطيّ عنصري أرعن. فوز مستحق لمشخصّاتي «فدائي». ألقى بنفسه مراراً في أفلام مستقلّة، بقي بعضها مجهولاً. دوره في «موون» (2009) لدنكان جونز، لا يُنسى بالفعل. هنا، تجزي له السينما العطاء كمكافأة على كلّ شيء.

أفضل ممثّلة (رئيسي – ثانوي)

بالتأكيد هي فرانسيس مكدورماند عن «ثلاث لوحات...»، في خامس ترشيح، وثاني أوسكار بعد «فارغو» (1996) للأخوين كوين. أداء مذهل، يصعب التغلّب عليه. أمّ تنشد العدالة في قضية اغتصاب وقتل ابنتها، إثر فشل التحقيقات في الوصول إلى المجرم. ثمّة تلوّن خلّاب في التعامل مع إرث داخليّ ثقيل من شعور بالذنب، وغضب مكبوت على وشك الانفجار، وهشاشة وضعف، وصولاً إلى تراكم نحو الخلاص والتطهير. «العبرة في الرحلة» مبدأ نجحت مكدورماند وبقية الممثلين في إيصاله بأفضل شكل ممكن.

عن دور أمّ مختلفة، قاسية وباردة في الظاهر، اعتلت أليسون جاني المسرح عن I, Tonya لكريغ غيليسبي. في سنّ الـ59، تحقق الممثّلة الأميركيّة انطلاقة جديدة في مسيرتها.

حمّى الصواب السياسي

صاحب تحفة «ثلاث لوحات إعلانيّة خارج إيبنغ، ميسوري» مارتن ماكدونا أكثر من دفع ثمن الهوس الصوابي المتعلّق بالنساء وسود البشرة. مرّةً في عدم ترشّحه كمخرج، لحساب غريتا غرويغ، التي احتلّت المقعد فقط لأنّها امرأة. فنياً، تقترح مستوى ضئيلاً، مقارنةً بمرشّحين من طراز ديل تورو ونولان وباول توماس أندرسون. أيضاً، لم يفتك ماكدونا تمثال أفضل سيناريو أصلي، الذي يستحقه بشكل بديهي. فعلها جوردان بيل، الذي يمتلك ميزة البشرة السوداء، وهو صاحب أضعف النصوص في فئته.

أين القيمة في تغنّي كريستين لوبيز (فائزة عن أفضل أغنيّة مع روبرت لوبيز عن الأنيماشن «كوكو») بتساوي عدد مرشّحي فئتها جندرياً؟

ماذا يعني تقديم جائزة أفضل ممثّلة من قبل امرأتين، في خرق للتقليد المعتاد منذ سنوات طويلة؟ خطورة معايير كهذه، أنّها قد تغفل مستوى الإبداع لحساب اعتبارات غير فنيّة، وهي إهانة كبيرة لأيّ صانع. أكثر من ذلك. مونولوغ تهكّمي كامل عن بيض البشرة (خصوصاً الرجال منهم) مرّ من دون تحفّظات. لو حصل العكس، لعمّت الهستيريا، وابتلعت أميركا طولاً وعرضاً.

تحيّة للجيش الأميركي

«الوقاحة» الأبرز جاءت في تحيّة مباغتة للجيش الأميركي، «ناشر الحريّة» حول العالم. هكذا، من دون مناسبة أو حدث يستدعي ذلك. الإهانة ليست في تجاهل السجل الدموي الضخم لهذا الجيش، مقابل ادّعاء الإنسانيّة ومناصرة أصغر القضايا العادلة، بل في معظم اللقطات المستعملة لتحقيق ذلك. تمّ «توريط» أفلام لكوبريك وأوليفر ستون وغيرها، رغم أنّها صارخة في عدائها للحروب والقتل والقبح الأميركي في هذا الأمر. الاستعانة ببروباغندا سبيلبرغ وإيستوود مفهوم بالتأكيد، ولكن وضع أفكار صنّاع كبار في سياق معاكس، ليس سوى انتهاك فادح وإهانة بمعنى الكلمة.

علي وجيه

ناقد سينمائي وسيناريست سوري. ينشر في صحف ومواقع عربيّة عدّة. مؤلّف عدد من الأفلام والمسلسلات التلفزيونيّة والمسرحيّات.

كلمات مفتاحية
أوسكار السينما

التعليقات

المقال التالي