كيف تُهرّب الأفلام الممنوعة من مقص الرقيب إلى دور السينما البديلة؟

كيف تُهرّب الأفلام الممنوعة من مقص الرقيب إلى دور السينما البديلة؟

سأله الرقيب «أنت هتخرج على مزاجك» فما كان من يوسف شاهين بعصبيته المعروفة سوى قول «أمال هخرج على مزاج أمك».

ذلك ما كشفه الناقد الفني سمير فريد في كتابه «تاريخ الرقابة على السينما في مصر»،  عن معركة «شاهين» مع الرقابة الفنية أثناء إخراج فيلم عودة الإبن الضال عام 1976.


قبل هذا التاريخ بـ95 عامًا، كان أول قانون للرقابة يصدر في مصر عام 1881، واشتمل على الصحف. وفي عام 1904 أضيفت إليها الأفلام السينمائية وكان الأمر من اختصاص وزارة الداخلية ثم وزارة الإرشاد القومي «الإعلام» في عام 1955، ثم أخيرًا المجلس الأعلى للثقافة منذ عام 1980، يضيف سمير فريد.

وبحسب «فريد»، طوال تلك المدة كانت سلطة الرقابة تُستمد في الأساس من عدم وجود وسائل تكنولوجية، فحتى دخول التلفزيون مصر عام 1960 كان منع أي فيلم يعني «خراب بيت» المُنتج، ولذلك كان الالتزام بمعايير قانون المطبوعات هو طوق النجاة، وهي معايير تعرضت للتغيير حتى وصلت لصيغتها النهائية في 1994. ونص القانون على ضرورة مراعاة حماية الآداب العامة والمحافظة على الأمن والنظام العام ومصالح الدولة من دون أي تفصيل آخر، وهذا ما يجعل سلطة الرقيب مطلقة.

القضية

قال الناقد الفني طارق الشناوي لـ«رصيف22»: مع ظهور التلفزيون وبعده شرائط الفيديو وتوزيع تلك الأشرطة في البلاد العربية لم يعد منع فيلم أزمة كبرى، لأن المنتج يلجأ إلى بيعه لشركات التوزيع بمبالغ طائلة، وهكذا بدأت ظاهرة عرض الأفلام الممنوعة التي لاقت رواجًا كبيرًا من منتصف السبعينيات حتى عام 2000 حين تسلمت شبكة الانترنت الراية.

أقوال جاهزة

شارك غردالأفلام القصيرة التي ينتجها الشباب على نفقتهم تمثل ثروة سينمائية للنظر إلى ما يحدث في مصر من خلال عيونهم

شارك غردتاريخ منع الأفلام في مصر يشير إلى أن الأسباب كانت سياسية ولا علاقة لها بالآداب العامة كما ينص القانون

لم يقتصر الأمر على الانترنت فقط، ففي الأسابيع الأخيرة تكاثرت المطالب الداعية لمنع عرض الفيلم اللبناني «القضية 23» بعد أن وصل إلى القائمة النهائية لجائزة أفضل فيلم أجنبي في مهرجان الأوسكار العالمي، وسبب الدعوات اتهام مخرج الفيلم زياد دويري بالتطبيع مع إسرائيل.

تدور أحداث الفيلم حول تعرض طوني المسيحي اللبناني لإهانة كبيرة بدأت بقضية حدود تجمعه مع اللاجئ الفلسطيني ياسر في قاعة المحكمة، لتنكىء القضية جروح سرية وتكشف عن صدمات عديدة، فضلاً عن الإعلام المحيط بالقضية والذي يدفعها نحو حافة الانفجار، مما يضطر طوني وياسر إلى إعادة النظر في حياتهما وأحكامهما المسبقة.

ورغم أن الفيلم لم يُمنع رسميًا حتى الآن، إلا أن ذلك لم يكن مشكلة بالنسبة للكثيرين من الشباب الذي بات بإمكانهم مشاهدة تلك الأفلام سواء مُنعت أم لا، والمشاهدة لن تكون بعيدًا عن أعين الدولة، بل في دور سينما مقرها وسط البلد، أو أماكن أخرى وستكون المشاهدة من خلال شاشة عرض وتذكرة سينما فيما بات يُعرف بـ"دور السينما البديلة".

كيف تهرب دور السينما الأفلام إليها بعيدًا عن «مقص الرقيب»؟

ذلك ما تكشفه لنا ماريان خوري، مؤسسة سينما «زاوية»، إحدى تلك الدور التي عرضت فيلم «القضية 23» بصرف النظر عن قرار الرقابة الفنية، مؤكدةً أن عصر المنع انتهى، وهذا ما تثبته آليات وتطور وتكنولوجيا الزمن الحديث، ففي النهاية "الفن حر".

تسلل الأفلام البديلة

قانون الرقابة الفنية نفسه كلمة السر، تشرح «ماريان» القصة من البداية فتقول إن قانون الرقابة الفنية لم يضع معايير دقيقة للمنع، ولم يشمل الكثير من الأنواع الفنية التي ظهرت خلال العقد الأخير مثل الأفلام القصيرة أو الوثائقية مثلًا، وكانت تلك بداية سينما «زاوية» التي أنشئَت كدور سينما وكمنظمة لمهرجان يحمل اسمها للأفلام القصيرة والوثائقية وعرضها من خلال شاشة سينما.

وتضيف «خوري» التي عاشت في فرنسا بعض الوقت وقررت نقل التجربة إلى مصر منذ 4 سنوات، أن الأفلام القصيرة التي ينتجها الشباب على نفقتهم الخاصة تمثل ثروة سينمائية للنظر إلى ما يحدث في مصر من خلال عيون الشباب وبعيدًا عن القيود، كما أن الموضوعات مختلفة، فهناك أفلام ناقشت المثلية الجنسية وأخرى التحرش والعلاقات المحرمة في المجتمع، وذلك كان نقطة جذب للشباب الذين يريدون سينما حرة تناقش المشكلة كما هي لا كما تريدها الدولة.

تكمل «ماريان": "لدى قانون الرقابة الفنية أيضًا تصنيفان لدور السينما، سينما تجارية أو سينما لعرض أفلام المهرجانات فقط. تلك الثغرة مكنتني من عرض الكثير من الأفلام التي مُنعت في مصر تجاريًا، لكن، ولأنها أفلام شاركت في مهرجات سينمائية مثل «القضية 23» و"18 يوم" ، بات متاحًا عرضها في «زاوية» بعيدًا عن مقص الرقيب".

وتوضح أن الدولة لم تكن تتوقع أن تلقى أفلام المهرجانات التي عادة ما تتسم بالمستوى الفني الراقي رواجًا بين الجمهور، لكن الوعي الثقافي للمصريين، وخاصة الشباب، تغير، والدليل أن أول يوم لعرض فيلم «القضية 23» كانت إيراداته 10 آلاف جنيه، علمًا أن ثمن التذكرة 25 جنيهًا وهو ما يعني أن الإقبال كبير.

تفسر "ماريان" هذا الإقبال بأن الشباب باتوا يستطيعون مشاهدة كل ما يريدونه من خلال شبكة الانترنت، فالإقبال لا يكون بسبب المشاهدة فقط، وإنما بالاستمتاع بمشاهدة الفيلم من خلال شاشة عرض كبيرة وأجواء سينمائية خاصة، لافتةً إلى أن مشهدًا عاريًا أو ذا تلميحات سياسية لم يعد سببًا صالحًا لمنع فيلم، وإن كان تاريخ منع الأفلام في مصر يشير إلى أن معظم الأسباب كانت سياسية ولا علاقة لها بحماية القيم والآداب العامة كما ينص القانون، لكنها سلطة الرقيب.

البدلاء

عبدالرحمن يحيى، أحد المرتادين لسينما «زاوية» بشكل مستمر، يدلل على رؤية «ماريان» بقوله إن ذهابه مع أصدقائه لدور السينما البديلة لها أكثر من سبب غير المشاهدة، فـ"التعرف على أشخاص يحملون نفس أفكارك، المشاهدة وسط صحبة صعب تجمعها في بيت أحدنا، والأهم من ذلك طقس السينما نفسه بالشاشة الكبيرة والأصوات العالية".

يضيف يحيى أن هناك بعض الأفلام تستغرق وقتًا لإتاحتها على الإنترنت مثل فيلم 18 يوم الذي عرضته سينما زاوية، كما أن هناك بعض الأفلام لا يسمع عنها، لكنه واثق في اختيارات دور السينما البديلة، خاصة أن تلك الأفلام عادة لا يشارك فيها نجوم كبار.

خالد عبد الجليل رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية يعترف أن في القانون الكثير من الخلل، موضحًا أن القانون وُضع بمعايير عصره التي اعتمدت على منع أي فيلم له علاقة بـ«الجنس- الدين - الأمن القومي»، وكانت تلك هي المحاور التي على أساسها تتم إتاحة فيلم أو منعه من العرض.

وفي عام 1994 تم إدخال بعض التعديلات على قانون الرقابة الفنية، فسُمح بإنشاء دور سينما مهمتها عرض الأفلام المشاركة في المهرجانات السينمائية، لأن بعض تلك الأفلام يصعب عرضها تجاريًا، ونظرًا لشهرتها من خلال مشاركتها في المهرجانات السينمائية، كان لا بد من وسيلة، وكان هذا آخر تعديل على قانون المصنفات الفنية، يضيف عبد الجليل.

ليس هروبًا من مقص الرقيب، يوضح «عبدالجيل» في حديثه معنا، "ففي كل الأحوال تلك الدور تختص بشريحة معينة من الجمهور لديها ذوق فني تستطيع من خلاله التعامل مع الأفلام التي تعرض أسئلة شائكة أو موضوعات غير مألوفة على المجتمع، كما أن دور السينما البديلة «تنفيس» لهم لمشاهدة ما يريدونه.

لكن من الصعب عرض تلك الأفلام على ملايين المواطنين في السينمات التجارية ونحن شعب لا تزال نسبة الأمية فيه كبيرة، ولا يزال التعامل مع ما يجري على الشاشة على أنه حقيقة، فالأسر المصرية مثلًا لا تقبل مشاهدة فيلم يتضمن ألفاظًا نابية أو مشاهد عري، وذلك كله جزء من ثقافتهم الأساسية".

ويكمل أن زيادة تلك الدور البديلة لا يعني سوى زيادة الوعي لدى الشباب، مؤكدًا أنه يأمل أن لا تكون هناك رقابة فنية على أي منتج فني من الأساس.

درب

لم يقتصر الأمر على سينما «زاوية»، فمنيرة محمد، الطالبة بكلية الفنون الجميلة اعتادت مشاهدة تلك النوعية من الأفلام في مركز «درب 1718»، وهو مركز ثقافي وسط القاهرة يحتوي على قاعة سينما بجانب رعايته العديد من الأنشطة الثقافية.

وتوضح «منيرة» لـ«رصيف22» أن ميزة الدرب أنه يعقد ندوات لصناع الأفلام التي يتم عرضها في قاعة السينما، وهذا ما يتيح فرصة جيدة لطرح مناقشة مباشرة، وهي ميزة لا تُتاح في السينمات التجارية، مشيرةً إلى أن العرض الخاص الذي يحضره نجوم الأفلام يكون مخصصًا للصحف وقنوات التلفزيون فقط.

ولم يختلف «ماجد المهدي» المسؤول في مركز درب 1718 في حديثه لـ«رصيف22» عما قالته «ماريان خوري» عن كيفية عرض الأفلام الممنوعة من العرض تجاريًا، وقد أضاف إليها طريقة جديدة، هي التعاون مع السفارات الأجنبية، مثل تعاون المركز مع السفارة الإسبانية وعرض بعض الأفلام الاسبانية، ولا يشترط أن تكون تلك الأفلام قد اشتركت في المهرجانات السينمائية، ولكنها مباحة لأن المركز مرخص كمكان ثقافي والسينما جزء منه، علمًا أن تعاون السفارات الاجنبية يحمي في بعض الاحيان من الرقيب.

بالعودة للناقد الفني طارق الشناوي، فإن الفائدة الأهم لتلك الدور ليس فقط عرض الممنوع تجاريًا ولكن تحفيز الشباب على صناعة الأفلام القصيرة والوثائقية، فالعرض في تلك الدور يكسبهم مورد مال يمكنهم من العمل بشكل مستمر، بجانب عرض الأفكار التي سيعترض عليها الرقيب، وهو ما يمنح الفنان حرية العمل والإبداع، أما الرقابة فهي زائلة مع الوقت.

عبدالرحمن عباس

صحفي وكاتب مصري

التعليقات

المقال التالي