محمود الشحات... هذا ما تسمعه عند تزاوج القرآن بالمقامات الموسيقية

محمود الشحات... هذا ما تسمعه عند تزاوج القرآن بالمقامات الموسيقية

يُحكى كثيراً عن تبدّل هوية المصريين منذ زمن، وتغيّر نظرتهم إلى الدين. فقد صُبغ المزاج العام المصري بتفاصيل التديّن على طريقة السلفيين بعدما كان يشتهر بكونه أقرب إلى التسامح الصوفي.

ولم يقتصر الأمر على دخول مفردات جديدة إلى اللغة الشعبية وتغيّر ملابس النساء والفتيات، بل باتت أصوات مقرئي القرآن الخليجيين مثل مشاري راشد تصدح من مكبرات الصوت في المحلات والمقاهي الشعبية بدلاً من "الاصطباحة" المصرية المترسخة في الوجدان عبر تلاوات مصطفى إسماعيل ومحمد رفعت وعبد الباسط عبد الصمد.

ولكن لا يزال تديّن أوساط كثيرة من المصريين يوصف بـ"الدروشة"، وهو مصطلح صوفي يعني أول درجات ترقي الروح وتطورها. وتتملك المصريين نفس حالة "الطرب" في لحظات السلطنة مع صوت أم كلثوم وكذلك في أوقات التجلي مع تلاوة مقرئ مصري.

وإذا بحثت عن العامل المشترك بين الحالتين فلن تجد سوى المقامات الموسيقية التي طبعت عبر التاريخ مدارس التلاوة المصرية.

يؤكد هذه النظرية أن أم كلثوم خرجت من عباءة "الكُتاب"، وهي مدارس انتشرت في مصر قديماً لتحفيظ القرآن وتعليم اللغة العربية. وبعد سنوات من بزوغ نجمها، ظهرت كوكب الشرق في مقطع نادر وهي تتلو القرآن بإتقان يضاهي مقرئي مصر العظام.

لم تواجه تجربة أم كلثوم هذه وقتها أية اعتراضات، حتى من قبل الأزهر، خاصة وأنها عبّرت عن رغبة قطاعات كبيرة من الجمهور التوّاق لسماع صوت الست معانقاً آيات القرآن الكريمة.

ودفع هذا القبول موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب لخوض التجربة بشكل أكثر جرأة عندما بثت إذاعة القرآن الكريم تلاوة بصوته لجزء من سورة الضحى.

مالت تلاوة موسيقار الأجيال إلى التطريب، ولكن الأمر مرّ بسلاسة لا بل قوبل باستحسان من مقرئي مصر الكبار.

إلا أن هذه المدرسة التي تمزج بين المقام الموسيقي والتلاوة راحت تقلق في وقت لاحق التيار السلفي القادم إلى مصر من الخليج، وخرجت بعدها بسنوات طويلة فتاوى تحريم التلاوة باستخدام المقامات الموسيقية، وهو ما أعلنه عضو هيئة كبار العلماء في السعودية الشيخ صالح الفوزان، معتبراً هذا النوع من التلاوة مظهر صوفي مرفوض من قبل أهل السنة.

أقوال جاهزة

شارك غردمحمود الشحات... ينهار مستمعون لتلاوته العذبة لآيات من القرآن ويحلم بأن يوضع اسمه بين أسماء "فطاحل التلاوة"

شارك غردربما صادفكم مقطع فيديو متداول لرجال مسلطنين ومنتشين في أحد سرادق العزاء... هذه الحالة المثيرة للجدل يقف وراءها المقرئ الشاب محمود الشحات

الشحات الصغير... تلاوة بالوراثة

أمام هذا المد السلفي المستمر منذ ثلاثة عقود وأكثر، ظهر صوت واحد فقط كسر حالة التحريم الجديدة وأعاد إلى دولة التلاوة المصرية اعتبارها، بعد سنوات من الاختفاء خلف ماكينات الدعاية "المؤدلجة" لمقرئي الخليج.

ربما صادفكم مقطع فيديو متداول لبعض الرجال وهم في حالة سلطنة تامة أقرب إلى الانتشاء في أحد سرادق العزاء. هذا الاندماج المثير للجدل يقف وراءه المقرئ الشاب محمود الشحات المعروف عبر مواقع التواصل الاجتماعي بلقب "مقرئ العالم الأول".

منح محبو الرجل هذا اللقب أو ربما هو روّج لصورته باستخدامه على منصات "السوشال ميديا"، كوسيلة انتشار أكثر فاعلية وملاءمة للعصر الحالي.

ينتمي محمود الشحات إلى أسرة احترفت تلاوة القرآن. فوالده هو المقرئ الراحل الشحات محمد أنور، أحد أشهر مقرئي مصر، وشقيقه الأكبر أنور مقرئ معتمد في الإذاعة المصرية.

الشيخ الشحات محمد أنور، الشيخ أبو العينين شعيشع والشيخ أحمد الرزيقي

يحكي المقرئ الشاب لرصيف22 عن بداياته ويقول: "كان عمري 12 عاماً عندما قدّمني والدي لأتلو القرآن أمام الرئيس الأسبق (محمد حسني) مبارك في احتفالية ليلة القدر. وقتها أشاد الحاضرون بتلاوتي وقال والدي إن محمود سيكون مقرئاً خطيراً".

يعترف محمود الشحات بفضل عائلته في دخوله هذا العالم ويقول: "كان القرآن يُتلى في منزلنا طوال اليوم، وشجعنا والدي على تلاوته في مسجد قريتنا بمحافظة الدقهلية، وشيئاً فشيئاً جعلني أتلو القرآن في عزاءات الجيران من أهالي قريتنا، وبفضل الله كنت حافظاً للقرآن كاملاً وعمري عشر سنوات فقط".

تتملك المصريين نفس حالة "الطرب" في لحظات السلطنة مع صوت أم كلثوم وفي أوقات التجلي مع تلاوة مقرئ مصري

رغم انتمائه إلى عائلة عريقة في دولة التلاوة إلا أن محمود الحاصل على ليسانس الدراسات الإسلامية من جامعة الأزهر لم يُبدِ إهتماما كبيراً باعتماده رسمياً من الإذاعة المصرية، مفضلاً الجولات العالمية.

طاف محمود الشحات عدة دول عربية وأوروبية وآسيوية، من الخليج العربي إلى العراق ولبنان والأردن وإيران وأندونيسيا، وصولاً إلى فرنسا وبلجيكا وإنكلترا وحتى أمريكا.

يسعى صاحب الأربعة وثلاثين عاماً إلى بناء قواعد جديدة لمدرسته في التلاوة والتي تتميز بالتنوع في استخدام المقامات الموسيقية دون التركيز على مقام أو اثنين، بل ويتباهي بأن تلاوته كانت سبباً في اعتناق البعض للإسلام ويقول: "بفضل الله أسلم على يدي ستة من دول مختلفة مثل فرنسا وجنوب إفريقيا وإنكلترا".

يتابع محمود الشحات أكثر من 680 ألف معجب عبر صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، بينما حققت قناته الرسمية على موقع يوتيوب أكثر من 35 مليون مشاهدة منذ انطلاقها.

يهتم الشحات بالتفاعل مع متابعيه يومياً إما بنشر مقاطع فيديو من الليالي القرآنية التي يحييها، أو بصور من جولاته المختلفة حول العالم. فمنذ فترة قصيرة، شارك في افتتاح مدرسة لتعليم التلاوة في إندونيسيا، وكالعادة سارع إلى نشر صور ومقاطع فيديو من قلب الحدث عبر صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، حالة أقرب إلى ما يفعله نجوم الفن ومشاهير المجتمع عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

تطريب وتلاوة على كل المقامات

يحكي الكاتب أحمد رفعت، أحد المهتمين برصد حياة المقرئين المصريين أن كل مقرئ مصري تميّز بامتلاك ناصية مقام موسيقي معيّن يتلو من نغماته القرآن.

على سبيل المثال كان المقرئ محمد صديق المنشاوي متمكناً من مقام "النهاوند" وهو المقام الذي يلقبه المقرئون بالمقام الباكي لاختصاصه بآيات الخشوع. فكان المنشاوي كمَن يحلّق بمستمعيه في السماء عندما يتلو منه، ونافسه في هذا المقام المقرئ أحمد نعينع الذي كان لصوته عذوبة خاصة.

مقامات التلاوة ثمانية مستقاة من المقامات الموسيقية الشرقية وهي الراست والبيات والحجاز والسيكا والنهاوند والصبا والعجم والكرد. وتبرز قدرات محمود الشحات في استخدام أكثر من مقام خلال التلاوة بل والانتقال في ما بينها عند تلاوته لآية واحدة.

أما السلفيون، فالتلاوة عندهم لها شكل واحد وهو المتبع مثلاً لدى علي بن عبد الرحمن الحذيفي أو مشاري بن راشد العفاسي، وهي تلاوة بدون مقام موسيقي نهائياً، وهو ما يسمونه قراءة القرآن كما أنزل.

وانطلقت شعبية الشحات الكبيرة بين أوساط المستمعين من قدرته على التلون والتنوع بين المقامات في التلاوة. فنراه في احتفالية بجنوب إفريقيا يتلو مطلع سورة الشمس بأربعة مقامات مختلفة.

"بالطبع، الأمر يحتاج إلى تدريب مكثف واستماع مستمر"، قال الشحات لرصيف22 مجيباً على سؤال عن سر تمكّنه من استخدام المقامات.

يتطلب الأمر دراسة متعمقة للمقامات الموسيقية إلى جانب الموهبة، إضافة الى التدريب المستمر والاستماع إلى المقرئين الكبار. ويقول الشحات: "ما زلت متعلقاً بأصوات المقرئين الكبار. هم المنبع الذي ننهل منه في تلاواتنا وننطلق منه بحثاً عن التجويد والتجديد. ولكنني أعتبر شقيقي أنور مثلي الأعلى في التلاوة إلى جانب والدي بالطبع. أدين له بأنه علمنا أن تلاوة القرآن لوجه الله أولاً وليست لجمع المال، وهذا سبب شهرته ونجاحه".

ماذا يريد الشحات من هذه المهنة؟ يجيب بدون تردد: "أحلم بأن يوضع اسمي بين فطاحل التلاوة، وأن يذكرر التاريخ أن هناك مقرئاً اسمه محمود الشحات قرأ القرآن في كل بقاع الأرض".

كلمات مفتاحية
الإسلام مصر

التعليقات

المقال التالي