الفن السردي الضاحك، العنيف أحياناً: "كوميكس" تونس بعد رياح الحريات التي استقدمتها ثورة جانفي

الفن السردي الضاحك، العنيف أحياناً: "كوميكس" تونس بعد رياح الحريات التي استقدمتها ثورة جانفي

كثيرة هي الفنون البصرية في تونس التي استفادت من رياح الحريات لما بعد ثورة يناير 2011، من ذلك مثلا التصميم الغرافيكي وسينما التحريك (الانيميشن) وسائر فنون الشارع والفضاءات المفتوحة.

وفن القصص المصورة (Comix) يمتح مواده الإبداعية أساساً من دفق الشارع وتعليقاته واحتجاجاته. ومن هنا كان "الكوميكس" فناً سردياً ضاحكاً وعنيفاً أحياناً عندما تقتضي الضرورة ذلك. وإذا كان فن الكاريكاتر يعتمد عادة إطاراً واحداً لبسط رؤاه الفنية، فإن "الكوميكس" يعتمد التكثيف الصوري والأطر المنتظمة والدوائر الكلامية والاختصارات الزمانية والرموز المكانية لاستعراض جماليات الأفكار والقصص.

كما استثمر فن القصص المصورة بتونس التوجهات المستقلة لفنانيه والنشاط المدني الحر والطوعي وحتى الطابع العمراني المفتوح لضواحي العاصمة. ولذلك تعددت حلقات فناني الكوميكس بل افتتحت مقاهي ومكتبة لأحباء "المانغا" Manga اليابانية بضاحية سيدي أبي سعيد المرفهة والمطلة على البحر المتوسط.

"كوميكس" تونسي جديد لموجة نافخي الحبر

وتنوع هذا المنتج البصري وتوزع على عدة محاميل، منها المطبوع (ورقي) ومنها الرقمي (على شاشات الكترونية ولوحات متحركة). ولقد مكن هوس الشباب التونسي بتقليعات الديجيتال عالي الأداء والجودة من إنتاج تغريبته المصورة الخاصة به، متتبعاً النسق السريع لمجتمعات ما بعد موجات ثورات الربيع العربي.

عثمان السالمي

وفي قرابة نصف عشرية من الزمن (2012 - 2017)، برزت مهارات تونسية جديدة لفن "الكوميكس" وفاز عديد الرسامين بجوائز عربية شهيرة. من ذلك نيل "مختبر 619" لجائزة أفضل مجلة مطبوعة في مهرجان القاهرة Cairocomix مرتين، سنتي 2015 و2016 وفوز سيف الدين ناشي بجائزة أفضل رواية مصورة منشورة إلكترونياً مرتين، عامي 2015 و2017. أما الرسام عثمان السالمي فقد منح جائزة محمود كحيل للشرائط المصورة Mahmoud Kahil Award سنة 2016.

عثمان السالمي

ودولياً، سجلت الدورة 45 لمهرجان أنغولام Angoulême بفرنسا للقصص المصورة (B D) سنة 2018 مشاركة خمسة رسامين من تونس وهم: نهى حبيب، ومعز طابية، وسيف الدين ناشي، وعثمان السالمي، وعصام سميري.

أبطال خارقين مثل رسومهم

تقول السيناريست والمنسقة بمخبر 619 عبير القاسمي لـ"رصيف 22"، معللة هذا النجاح، إنه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي كان جل الرسامين يستهلكون منتج نظائرهم الغربيين بكثافة خاصة البضاعة الفنية الفرنسية المسترودة. بينما في التسعينات برزت مجلات مميزة موجهة أساساً إلى الأطفال ووجدت رواجاً كبيراً على غرار مجلتي "عرفان" و"قوس قزح".

في مقابل ذلك لم تتدعم الصورة المصورة الموجهة للكهول إلا بعد ثورة جانفي/يناير 2011 وقد نجحت تجربة "كوميك" التي تابعت انتخابات 2011. وكان ذلك بمثابة التأسيس الفعلي لمخبر 619 الذي أنتج أول مجلة مصورة Bande dessinée للكبار في تونس.

نضال الغرياني

أما الرسام نضال الغرياني فيذهب عميقاً إلى روح الأدب، رابطاً الكوميكس بالسرد، إذ يرى أنه منذ رحيل رائد القصة في تونس الأديب البشير خريف، افتقد القارئ أشياء كثيرة من متعة سرد مسهب يحاكي اليومي التونسي (أو ما يصطلح عليه بالواقعية الروائية). ويكون دور الرسوم المصورة وفق هذا الفهم، محاولة اقحامنا في التواصل الممتع والمرير مع الواقع المكرور. فأهمية القصص المصورة حينئذ أن تكون شاهداً على حركة المجتمع وغليانه وتناقضاته الصارخة.

ويعتقد نضال الغرياني أنه من بين الدعامات الأساسية التي أدت إلى ظهور هذه الموجة الجديدة المعاصرة للكوميكس: نهى حبيب وسيف الدين ناشي وياسين الليل ونادية ذهب ولمياء المشيشي وأدنوف وشكيب داوود وأنيس المحرصي وعلاء بوطالب، من دون نسيان صدري الخياري وتوفيق ومراد بن الشيخ وأيمن مبارك وغيرهم...

حبر و"حبّار" ومحبرة

توضح الرسامة نادية ذهب قائلة أنه من بين العوامل التي شجعت على تطوير فن الرسوم المصورة في تونس، تنظيم الورشات والإقامات الفنية résidences. وتبعاً لتكثيف التمارين وتعدد اللقاءات، ظهرت عدة مواهب شابة غامرت في مناطق جديدة ونالت أعمال البعض الإعجاب والاستحسان. وكان من ثمار نشاطات هذه المجموعات إقامة معارض جماعية هنا وهناك جذبت جمهوراً متعلقاً أشد التعلق بالأعمال البصرية.

كما شكل مخبر 619 لفن الكوميكس نواة جاذبة لهذه المواهب الفتية وترسخت ريشاتهم في الفن التاسع في صميم الكوميكس (أو ما يعرف بالفن التاسع في هرمية تسميات فنون الاغريق).

وإذا كان عدد الألبومات وعدد التتويجات إقليمياً ودولياً كفيلاً بإبراز أهمية الموجة الجديدة لرسامي الكوميكس، فإن الفنان سيف الدين ناشي مؤسس مجموعة "سوبيا" Soubia (بمعية السيناريست أمين مبارك)، يرى أن هذا التطور محدود نسبياً. فحسب رأيه ان فن الكوميكيس في السنوات الأخيرة عرف تطوراً في المضمون وفي التقنية لكن لابد من التسليم في الوقت ذاته أن بعض التجارب اتسمت بالتشبّث بالصبغة الخصوصيّة المحليّة بينما انفتحت تجارب أخرى تماماً عن الفنون العالمية الوافدة ونخشى أن تكون استنساخاً مبتسراً وباهتاً لها.

كما لابد من الاعتراف بتجارب تونسية أخرى كادت تدخل طيّ النسان لكن واقعياً إتكأ عليها الجيل الشاب ليبرز على الساحة الفنية. وكانت تونس قد شهدت غداة الاستقلال سنة 1965 قفزة هائلة في فن الرسوم المصورة من خلال استعمال تقنيات تقليدية خاصة مع تجربة مجموعة مجلة "قوس قزح" والتي يعد الشاذلي بالخامسة والحبيب بوحوّال من أبرز أعلامها.

في مقابل ذلك يستغل حالياً معظم الرسامين التقنيات الرقمية الحديثة باستعمال الحاسوب والديجيتال جرافيك وذلك مكنهم من تغيير مردودهم بشكل مذهل في بعض الأحيان.

وأضاف سيف الدين ناشي قائلاً إنه في ما يتعلق بطريقة عمله الشخصية فهو يميل أكثر إلى استعمال التقنيات التقليديّة من قلم حبر ومحابر وألوان مائيّة. وقد أسس موقعاً إلكترونياً لنشر أعماله انطلاقاً من فكرة طريفة استمدها من حيوان بحري رخو هو "السوبيا"، نظراً لتشابهه مع رسام الكوميكس في نفث الحبر.

ويشتغل سيف الدين ناشي انطلاقاً من فكرة مساعده كاتب السيناريو أيمن مبارك وبعد مناقشة الفكرة وتقسيم أطوارها وتجزئتها مفاصلها يقوم برسم اللوحات planches بالقلم ثم يتم تحبيرها ووضع الألوان وصياغة الحوار على الكمبيوتر. ورغم أهمية التناغم في أطوار العملية الإبداعية، إلا أنه لابد من التأكيد على الفصل بين كتابة السيناريو ورسم اللوحات. فالكاتب يثري توجهات القصّة لأنه يفكر بطريقة مغايرة بينما يشتغل الرسّام على تدقيق جمالية الصورة وتكوين فرادتها. 

"كسكسي باللبن" للأطفال

من شأن تضمين الحوار أو التعليق في الدوائر أو المربعات الكلامية والرموز في الأطر الرسومية تشكيل خيال متكامل للقصة المرويّة. وكلّما كانت إثارة الدلالات والانفعلات والاحالات ألصق بحيوات الناس ومشاغلهم إلا وكان صدى تقبل القصة أقرب إلى سنن الطرافة وأمتع لذائقة المتلقين. وفن الكوميكس "فن تعاقبي" بامتياز كما أرساه منظروه، يستمد عناصر تشويقه أساساً من الحكي المتسلسل للصور سواء تعلق الأمر بالقصص المصورة المختصرة أو الرسوم الروائية المتسلسلة.

وتقول الرسامة نهى حبيب إنه فضلاً عن محاكاتهم للمجتمع في تفاصيله اليومية البسيطة، تتبّع الرسوم المصورة في تونس مساراً حراً وقد برهن عديد الرسامين عن تفوقهم خاصة فئة أصحاب الالتزام السياسي إن أمكننا القول. كما أن الورشات الناجحة التي كان منطلقها محاور اجتماعية وثقافية محددة مثل الهوية والهجرة والحدود وغيرها من المحاور وجدت رواجاً وتسويقاً وتقبلاً، وإن كان محتشماً نوعاً ما.

ومن بين المحاولات المميزة في هذا المجال مجلة "كسكسي باللبن" للأطفال التي أنجزها الفنان ياسين الليل على الرغم من أنها لم تعمر طويلاً وانقطعت عن الصدور سريعاً. إضافة إلى ذلك يسعى فن الكوميكس في تونس إلى الاهتمام بالقضايا الحارقة الراهنة على غرار ظاهرة الفكر الظلامي والإرهاب المتوحش. 

أقوال جاهزة

شارك غردفن الكوميكس: وفق أية معايير تهتدي الريشة إلى مساراتها المتشعبة والمشوقة والمغامرة؟

شارك غردالقصص المصورة "الكوميكس"، شاهد على حركة المجتمع وغليانه وتناقضاته الصارخة.

شارك غردمن حلقات الإبداع البصري: الكوميكس في تونس

شارك غرد التصميم الغرافيكي والأنيميشن والكوميكس وفنون الشارع والفضاءات المفتوحة، فنون ازدهرت مع موجة الحريات التي استقدمتها ثورة يناير التونسية

تعترض منتجي الرسوم المصورة في تونس عراقيل كثيرة، لعل أهمها مصاعب الإنتاج والتمويل. ولذلك كان من الأنجع لمجموعة مخبر 619 اتباع منهج التسيير الجماعي والتمويل الذاتي، فكل الرسامين يشتغلون بطريقة تطوعية. وبما أن مأزق التوزيع وكساد السوق قائم على الدوام فإنه من المستحيل أن يراكم جماعات فنّ "الكوميكس" تجاربهم ومن العصي إنشاء علاقة حوار مثمرة مع قرائهم.

أما فيما يتعلق بالرسامة نهى حبيب فقد أكدت لـ"رصيف 22" أنها تمتهن نشر الكتب للأطفال وتنشط في مجال المنظمات المدنية بالتوازي مع إنجاز ألبومات "الكوميكس". ولا يمكن هنا التحدث عن احتراف الرسامين لفن الرسوم المصورة إذا كانوا لا يوفرون مداخيل كافية لمعاشاتهم كلياً من الانتاج الصوري.

وترتهن عملية إنتاج فن الكوميكس بتونس لعنصر البحث والدراسات والنقد وهي حلقة أساسية مكملة لبقية حلقات الإبداع البصرية. فترى كيف يتدعم فن الصورة في ظل غياب عنصر الجدل والنقاش؟

ووفق أية معايير تهتدي الريشة إلى مساراتها المتشعبة والمشوقة والمغامرة؟

رشيد الحسني

كاتب صحفي ومهتم بالنقد السينمائي والتشكيلي. باحث جامعي يعد رسالة تتعلق بالصحافة العربية في المهجر. عمل محررا بعدة مواقع الكترونية وترأس اقساما بصحف محلية ودولية. كما عمل مراسلا اذاعيا ومعدا لبرامج ثقافية تلفزيونية.

التعليقات

المقال التالي