نبذة عن تاريخ "أقصى الطائف" الذي اعتمر منه نبي الإسلام

نبذة عن تاريخ "أقصى الطائف" الذي اعتمر منه نبي الإسلام

مفاجأة فجّرها يوسف زيدان أواخر عام 2015، ولم تكن المرة الأولى له في الطرح، إلا أنه هذه المرة كانت الأكثر ضجيجاً، ربما بسبب التركيز الإعلامي عليها، وربما بِحُكم سابق السُمعة السيئة لزيدان في إثارة العواصف الفِكرية بسبب آرائه التاريخية التي تقف أمام ما يُعدَّه الكثيرون قطار ثوابت لا يقبل الحَيْد عن قضبانه.

"أقصى" في الطائف؟ معلومة ربما عرفها الكثيرون لأول مرة وسط حالة الهرج التي حدثت عقب التصريحات الزيدانية وموجة الاستنكار العارمة ضدها.


في الجعرانة: المسجد الأدنى والمسجد الأقصى

في هذا الموضوع لن ننخرط في الإجابة على حقيقة مزاعم أن هذا المسجد كان قِبلة الرسول برحلة الإسراء، فالردّ عليها أتى شافياً من جهاتٍ كُثُر، وإنما ما يعنينا في هذه السطور هو البحث وراء تاريخ هذا المسجد؟ ولماذا حَمَل هذا اللقب الذي ظننَّاه حصرياً على أعرق جوامع القدس؟ وما اللحظات التاريخية التي عاشها جعلته أهلاً للدخول وسط هذا المعترك الآسن؟

تحكي لنا كُتب التاريخ عن عادة الرسول في أنه كلما خرج إلى الطائف لقضاء أيٍّ من حوائجه، كان يبيت ليلته في قرية بصدر وادي سرف، تقع شمال شرق مكة، وتبعد عن الحرم قرابة 25 كيلومتراً، أُطلق عليها اسم "الجعرانة".

ويوضح عاتق بن غيث في كتابه "معالم مكة التأريخية والأثرية"، أن اللغويين اتفقوا على ضبط اسمها ليُنطق بكسر أول حروفها وسكون ثانيها وتخفيف رائها، وأن هذا المكان لم يكن مجهولاً قبل الإسلام، فكان يستضيف وقائع أحد أهم أحداث مكة، وهو "سوق مجنة"، الذي ناظر "سوق عكاظ" في شهرته ومكانته.

كما سبق وأن ورد ذِكره في شِعر ما قبل الإسلام، فهذا الشاعر الذي يتمنى لو أنه يقطن جوار حبيبته يقول:

فيا ليت بالجعرانة اليوم دارها    وداري ما بين الشآم فكبكب

يحكي مقاتل بن سليمان في تفسيره الشهير للقرآن عن امرأة قرشية اسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة، ضُرب بها المثل في الحماقة بآية سورة النحل "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة"، لأنها كانت حمقاء تحكم الغَزْل ثم تنقضه دون سبب، ويضيف الطبري أن القرآن اتخذ من هذا التشبيه مثلاُ لنهي المسلمين عن نقض الأيمان بعد توكيدها.

هذه المرأة كان لقبها "الجعرانة" ويقال، أن المنطقة أخذت منها لقبها إلى الأبد.

كما يتحدث الشيخ حسن الجواهري في كتاب "بحوث في الفقه المعاصر"، عن "الجعرانة" موضحاً أن الروايات التاريخية كلها أكدت أن الرسول أحرم من هذا المكان لعمرته الثالثة، وفيها مسجده الذي يقع بالعدوة القصوى، ويُعرف بالمسجد الأقصى، لوجود مسجد آخر بُني من قِبَل أحد المحسنين يعرف بالمسجد الأدنى، وكلاهما بُنيا في القرن الثالث الهجري، وفقاً لما رواه الأزرقي.

تمت تسمية المسجدين طبقاً لقُرب الواحد منهما من الكعبة أو بُعده، فالأقرب لُقب بالمسجد الأدنى (مسجد التنعيم أو مسجد عائشة)، والثاني هو المسجد الأبعد أي الأقصى.

عن "المسجد الأدنى"، ينقل لنا أبو الطيب المكّي في كتابه "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام" رواية ابن خليل عن ابن جريج، بأن اسم "المُحسن" الذي أقامه، قائلاً إن الذي بناه هو رجل قريشيّ يُدعى عبد الله بن خالد الخزاعي.

وأما الثاني فيحدد الواقدي في كتابه "المغازي" مكانه بدقة بأنه "تحت الوادي بالعدوة القصوى من الجعرانة"، ولا تمنحنا أي مروية شيئاً عن اسم مؤسِّسه، فقط تُجمع على أنه "رجل من قريش".

ويخبرنا إسماعيل كتبخانة أستاذ علم الاجتماع في مقال بـ"صحيفة مكة"، أن زوجة سالار الملك بهادر من أهل حيدر أباد (ولاية هندية) جدّدت عمارة المسجد عام 1263ﻫ، ثم عمّره عيسى بوقري وابنه صالح عام 1370ﻫ، ثم جددت عمارته في العصر السعودي الحديث عام 1384ﻫ، وأيضاً تم تجديده مؤخراً من قبل وزارة الحج على مساحة تقدر بحوالي 16.000متر مربع.

مسجد الجعرانة

وفي تصريح صحفي لـ"صحيفة المدينة" يقول الشيخ طنف بن محمد الدعجاني رئيس محكمة تربه العامة بالسعودية، يمنحه لقباً آخر وهو "مسجد الجعرانة"، نسبة لاسم المنطقة، ويصفه بأنه أحد المساجد التي لها "شأن عظيم في تاريخ الإسلام"، مؤكداً أن في موضعه صلّى النبي شُكراً للنصر على قبيلتي "هوازن" و"ثقيف" في غزوتي حنين والطائف وسرية أوطاس سنة 8هـ.

ويضيف صفي الرحمن المباركفوري بكتابه الشهير "الرحيق المختوم"، أن النبي حبَس به الغنائم التي بلغت 24 ألفاً من الإبل، و40 ألف شاة، و4 آلاف أوقية فضة، قبل أن يبدأ توزيعها على الصحابة. 

أقوال جاهزة

شارك غرد"أقصى الجعرانة" الذي تعمّر منه النبي، وشهد نزول آية سورة البقرة "وأتموا الحج والعمرة لله.."

كما تؤكد كُتب السيرة، أن الرسول أقام بذات البقعة بضع عشرة ليلة، لم يُقسّم الغنائم منتظراً قدوم أهل هوازن تائبين، ولما جاؤوه سألوه أن يردّ عليهم سبيهم وأموالهم، فطلب منهم الاختيار بين هذا وذاك، فاختاروا السَبْي (قيل إن عددهم 6 آلاف)، وفيها اكتشف أن من ضمن الأسرى أخته في الرضاعة "الشيماء"، التي ما أن أعلنت له عن هويتها حتى بسط لها رداءه فجلست عليه، ثم خيّرها بين البقاء معه أو العودة لأهلها مُكرَّمة، فاختارت الرجوع، فسمح لها مكلّلة بجزيل العطايا وبغلام وجارية.

بعض المرويات التي يذكرها الفاكهي في كتابه "أخبار مكة" تضيف معجزة حدثت بذات البقعة، وهي أنّ الرسول كان بصحبته مجموعة من الناس، وبينما كان يبحث عن موضع صالح للشرب غرس رمحه بالأرض فانبجس ماء عذب شرب منه وسقى كل من معه.

يقول "الفاسي" في كتابه "كتاب الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة"، إنه بهذا الموضع أحرم الرسول ليؤدي عُمرته الثالثة في مكة، وفقاً لما قاله ابن عباس، فعُدّ من حينها أحد أهم مواقيت العمرة لأهل مكة المكرمة؛ تأسياً بفِعلته، كما يُقر الجزء الأول من الموسوعة التي أنتجها "المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسنة النبوية" للمكان أهمية إضافية بأنه شهد نزول آية سورة البقرة "وأتموا الحج والعمرة لله.." بعدما أتاه رجل فيه وسأله عن صحة إحرامه وهو يرتدي "جبّة" معطرة فنزلت فيه الآية.

ولهذا يعتبرها بيبا بن فاليل "أفضل بقاع الحِل" في كتابه "مذاهب الأخيار في أحكام الحج والاعتمار"، لأن النبي اعتمر منها، مضيفاً مكرمة أخرى للمكان بأنه اعتمر منه ثلاثمائة نبي.

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي