صراع العرش والتابوت و'العضو الذكري' المفقود: أسطورة إيزيس، وابنها حورس مقابل الإله سِت

صراع العرش والتابوت و'العضو الذكري' المفقود: أسطورة إيزيس، وابنها حورس مقابل الإله سِت

القارئ في الأساطير المصرية القديمة عادة ما يقرأ أسطورة صراع "الخير والشر" المعروفة باسم "إيزيس وأوزيريس"، والتي تروي قصة الملك أوزيريس الذي يصل تنافسه على السلطة مع أخيه سِت مبلغاً خطيراً.

حيث يدبر الأخ خدعة "التابوت"، ويصممه على مقاس أخيه الملك، ويقدمه على أنه صندوق مزيّن، ويغريه بالدخول فيه، فيحبسه فيه ثمّ يلقيه في النيل ليحمله التيار إلى البحر، الذي تحمله أمواجه بدورها إلى ساحل فينيقيا، تحديداً مدينة بيبلوس/جبيل.

فتسافر إيزيس، زوج أوزيريس وراءه وتسترجع جثمان زوجها وتحييه، فيفاجئها سِت ويقطّع جسد أخيه، ويوزع قطعه على أقاليم مصر، فترتحل إيزيس وتجمع أجزاء زوجها وتعيد إحياءه.

أوزيرس، بدون "عضوه"، قبل أن يعود إلى الحياة. على جانبيه إيزيس ونيفتيس، من آثار قرية دندرة شمال الأقصر
إيزيس على شكل طائر، تحط على عضو زوجها التي صنعته له، ومن هذه اللحظة يتكون ابنهما حورس إيزيس على شكل طائر، تحط على عضو زوجها التي صنعته

  ولأن الأسماك أكلت عضوه الذكري، 'تصمم' له إيزيس 'عضواً' اصطناعياً، وتحط عليه بعد أن تتجسد بهيئة طائر، وهي المعاشرة التي يتكون منها ابنهما حورس. يتابع الابن الصراع مع العمّ ست، محاولة منه استرداد "ميراث" أبيه ومُلكه وسلطته، فتتدخل الآلهة وتقضي له بمُلك مصر ولأوزيريس بالألوهية والقضاء في عالم الموتى، أمّا ستّ، فيصبح إلهاً للشر.

ويمكن أن نجد تفاصيل أكثر عن تلك الأسطورة في كتاب "الجبتانا" للمؤرخ المصري الشهير مانيتون.

الأسطورة "الرسمية"

هكذا تُروَى الأسطورة المصرية الأشهر والتي وُلِدَت كحكاية شعبية شفوية-كأغلب أساطير مصر القديمة-ثم تم "اعتمادها" دينياً في نهايات عهد الدولة القديمة لتصبح جزءاً من طقوس عبادة أوزيريس والاحتفال السنوي بعيده. وهكذا ما زالت تُقَدَّم للمُطالِع للأساطير المصرية أو الدارس للتاريخ المصري في مراحل التعليم المختلفة.

ولكن ثمة شِق من الأسطورة نستطيع أن نصفه بالمغيّب أو "المسكوت عنه"، وهو مرحلة الصراع بين حورس وعمه سِت، فهو يأتي في أغلب الكتابات المعاصرة مبتوراً مختصراً أو قد يوحَي للقارىء أن انتقام حورس تمّ بعد حرب جيوش أو مبارزة.

لكن الموروث الأدبي المصري القديم ينقل لنا ما جرى في تلك المرحلة التي توصف في القصة أنها قد امتدت لنحو ثمانين عاماً كاملة (وهنا نلفت بأنّ الزمن في العالم الأسطوري لا يمثل نفس أثر وقيمة زماننا الواقعي) وتخللتها أحداث مثيرة بل وصادمة.

يرد ذلك في رواية للأسطورة يُرجِع عالم المصريات سليم حسن تدوينها لعصر الدولة الحديثة وتحديداً فترة "الرعامسة" (من رمسيس الأول إلى ما بعده حتى آخر الرعامسة) ومرحلة "الإمبراطورية" والنفوذ المصري في الشام والعراق، ويعرض دلالات ذلك كما سيرد لاحقاً بعد أن نستعرض الأسطورة.

إيزيس وأوزيريس وحورس

قضية حورس وانحياز رع لسِت

توجه الفتى حورس إلى تاسوع الآلهة (مجلس الآلهة الأقدم والأعلى وهم تسعة: رع الشمس، تفنوت الرطوبة، شو الهواء، جب الأرض، نوت السماء، وأبناء جب ونوت وهم أوزيريس وإيزيس وست ونفتيس) رافعاً شكواه أن سِت قتل أباه أوزيريس-الذي صار حاكماً للعالم السفلي-واستولى على مُلك مِصر.

اجتمعت آلهة التاسوع ومعهم الآلهة "المتخصصة" كتحوت إله الحكمة وحتحور إلهة الأمومة وغيرهم، والأرباب المحليون، ووضعوا العين المقدسة التي ترمز لتاج مصر-محل النزاع-أمامهم.

بدأ "شو" بقوله أن العدل يجب أن يتحقق بقوة وأن يقضي رع لحورس بالمُلك. وكذلك يؤيده تحوت رب الحكمة والمعرفة ويوافقهما باقي الأرباب. مما يغضب رع، لأنه كان يميل لأن يقضي لسِت، ولو أنّ قضية حورس عادلة، إلا أن سِت هو القوي المسيطر بينما حورس ليس إلا شاب غض.

وعرض سِت على رع أن يُثبت-سِت-للآلهة كيف أنه أقدر على حُكم مصر من حورس الصغير. ولكن الآلهة اقترحوا أن يرسل رع للإلهة "نيت" أم كل الآلهة ليستشيرها. وهي الأخرى توافق رأي غالب الآلهة، فجاء ردها أنّه من العدل أن يحوز حورس على عرش مصر، وحذرت رع أنه إن لم يقضِ بذلك فستغضب وستُسقِط السماء على الأرض.

واقترحت نيت على رع أن يعطي حورس ميراث أبيه-مُلك مصر، ومن ناحية أخرى أنْ يعوّض سِت بأن يمنحه أراضٍ وإقطاعات وأن يتزوجه اثنتان من بنات رع هما "عناة" و"عشتروت" (هما في الأصل إلهتان فينيقيتان).

هلل الآلهة لحكم الإلهة الأم، لكن رع لم يكن راضياً، وما زال على عناده فسِت من خاصته لأنه الإله القوي الذي يحسب الآلهة حساب بأسه، وعبّر عن تحيزه للإله ست بتقريع حورس على جرأته بالمطالبة بعرش مصر وهو شاب ضعيف.

ويتدخّل أحد الأرباب المتعاطفين مع حورس، ويصيح بوجه رع: "إن هيكلك أجوف فلا أحد يعبدك".

يغضب رع من الإهانة، ويعتزل المجلس فترة طويلة حتى اضطرت ابنته حتحور أن تمثل بين يديه وأن تتوسل إليه للعودة لمجلسه إلى حد أنها قد كشفت عورتها أمامه إمعاناً في التوسل (أشبه بكشف الشعر عند النساء بعد ذلك عند توسلهن) فضحك ورضي ورجع للمحكمة.

وعندما اقترح الآلهة مناظرة بين سِت وحورس، تبجح الأول بأنه لا يليق أن يُنزَع منه المُلك ويُجعَل للأضعف، وذكّر الآلهة أنه هو الذي يصاحب رع في رحلته اليومية في السماء (رحلة مركب الشمس) ليتصدى للثعبان العملاق أبيب الذي يحاول أن يعرقل رحلة الشمس.

بينما ناشد حورس بهدوء الآلهة أن يتحروا العدل، وتدخّلت إيزيس تدعم كلام ابنها بقوة حجتها المعروفة حتى صاح التاسوع يعدونها بأن يحكموا لحورس. فغضب سِت وأقسم ألا يحضر المحاكمة ما دامت إيزيس حاضرة. وهدد الآلهة جميعاً أنه سيحمل سيفه الذي يزن 450 رطلاً ويقتل كل يوم واحد من الآلهة حتى يفنيهم! فاستغل رع الفرصة ونقل المحاكمة إلى جزيرة بوسط النيل وأمر الملّاح المسؤول عن العبور إليها بالقارب ألا ينقل لها إيزيس. وهكذا بدا أن حورس قد تجرد من كل عون.

لم تيأس إيزيس فغيرت صورتها لهيئة امرأة عجوز، وأعطت الملاح رشوة كانت عبارة عن خاتمٍ ذهب لينقلها إلى الجزيرة، وهناك غيرت هيئتها إلى فتاة باهرة الجمال واعترضت طريق سِت الذي انجذب إليها وسألها عن حاجتها. فأخبرته أنها جاءت تشكو إليه أن زوجها مات ولها ابن وحيد، ولهما أغنام وأنعام ورثها الابن عن أبيه، وذات يوم جاء غريب وهدد الابن بالضرب واستولى على إرثه.

فغضب سِت وقال لها أن الرجل قد ظلمها وأنه يقضي للابن بميراث أبيه وعلى المفتري بالعقاب. فتحولت إيزيس إلى حدأة وطارت وهي تضحك على ست وتقول "لقد حكمت على نفسك". وبالفعل قضت الآلهة لحورس بالمُلك.

في محاولة للـ"الاتسئناف"، عرض سِت على الآلهة أن يُحكَم بينه وبين غريمه بناء على منازلة بينهما، تثبت من الأقوى، والأحق بالحكم.

العمّ أم الابن؟ صراع على توارث الأنعام والسلطة

حوّل سِت وحورس نفسهما إلى فرسي نهر وقفزا في الماء وصارا يتضاربان بضراوة، فحاولت إيزيس أن تتدخل لصالح ابنها فألقت خطافاً في الماء لتكبل حركة سِت، لكنه أصاب ابنها الذي استغاث بها أن تنزعه عن جسده، فنزعته وألقته مجدداً فأصابت سِت وجذبته إليها. فبدأ سِت يتوسل إيزيس أن تطلقه وناشدها بالأخوة وصلة الدم، فرقت له وفكت الخطاف عنه فهرب. فعندما رأى حورس ذلك هبّ غاضباً وضرب أمه بسكينه فأطاح برأسها وحمله وصعد إلى الجبل، وقد قصد من ذلك أن يعيقها عن التدخل مجدداً.

عندما علم رع بما جرى من حورس، استغل الفُرصة وأمر بالقبض عليه وعقابه. فأسرع ست يصعد الجبل باحثاً عن الفتى ليوقعه تحت يده، وبالفعل وجده وألقاه أرضاً واقتلع عيناه ودفنهما. ثم عاد للآلهة يدعي أنه لم يجده.

ولكن مكان عيني حورس المدفونتين نبتت زهرتا لوتس أضاءتا الأرض، فتوجهت الإلهة حتحور ربة الأمومة إلى حورس وقطرت مكان فجوتا عيناه من لبن غزالة حلبتها فنبتت له عينان جديدتان. وأسرعت حتحور تخبر الآلهة بما جرى، فأحضر رع كلاً من حورس وست وأمرهما أن ينتظرا لليوم التالي على أن يمضيا اليوم في سلام دون مشاحنات حتى يقضي حكمه. 

بعد 'مبارزة' القوة والدهاء، منافسة بالمكيدة و"المني"

حاول ست أن يلجأ للخديعة فأقنع حورس أن يبيت في ضيافته وأظهر له اللين، فتعشيا سوياً في بيت سِت. وعندما نام حورس هجم عليه سِت وحاول أن يعاشره. فوضع حورس يده بين فخذيه واستقبل فيها مَنِيّ سِت.

وأسرع حورس إلى أمه يخبرها ما جرى، فدبرت الانتقام من عدوهما، فساعدت حورس على الاستمناء وأخذت منيّه ووضعته على نبات الخسّ الذي يأكل منه سِت، وأكل منه هذا الأخير دون أن يدري ما فيه.

وفي اليوم التالي عند مثولهما أمام رع والتاسوع، أشار سِت لحورس وقال متهكماً أنه قد فعل به فعل الرجل بالمرأة ووضع نطفته في جسده. فهتف الآلهة بالعار لحورس، فاستوقفهم هذا الأخير وطلب منهم أن ينادوا على "نطفته" وعلى "نطفة" سِت ليتأكدوا من كذب ادعائه.

فتقدم تحوت ونادى نطفة سِت، فأجابته من المستنقعات، فنادى نطفة حورس فأجابته من جسد سِت. فأمرها أن تخرج فخرجت من جبينه!

ولكن خسارة هذه الجولة، لم توقف سِت الذي سارع لطلب مبارزة جديدة، وهي أن يبني كلّ منهما مركباً من الحجارة ويحارب الآخر وأنْ يكون العرش للمنتصر.


احتال حورس وبنى مركباً من الخشب وغلفه بالجبس، بينما بنى سِت مركبه من الحجارة، فلما غرق مركب سِت احتال لإغراق مركب حورس فألقى حورس عليه خطافاً لصيده ولكن الآلهة نهته عن ذلك. فتوجه إلى "نيت" أم الآلهة يعرض عليها أمره من جديد. فلما علم الآلهة أشاروا على رع أن يستشير أوزيريس الذي لم يكن معهم في محكمتهم بحكم انشغاله بحكم عالم الموتى.

أقوال جاهزة

شارك غردفي أسطورة إيزيس وسِت تتجرد الآلهة من حالة "الوقار" الدائم، فنرى التردد والانتهازية وتقلب الرأي والقرار

شارك غردتدرّس أسطورة إيزيس وحورس وسِت، بنسخة "مهذبة" تقتطع التفاصيل الصادمة والمادة الجنسية

شارك غردالعمّ أم الابن؟ صراع على توارث الأنعام والسلطة، كيف عالجته قصة حورس وسِت الفرعونية؟

أوزيريس يتدخل من عالم الموتى ويهدد

أرسل رع لأوزيريس يستفتيه، فجاءه الرد باللوم لتفريطهم في نصرة ابنه حورس، وأنّ الكلّ يتجبّر عليه ويتركونه فريسة لسِت.
وذكّرهم أنه هو الذي خلق الحبوب والشعير وطعام الآلهة. فغضب رع وأرسل رداً قصيراً على أوزيريس يقول له أنه لو لم يولد ولم يوجد لوُجِدَت الحبوب والشعير والطعام. فجاء رد أوزيريس يذكرهم أنه سيد العالم السفلي وأن مصير البشر جميعاً بين يديه، وهددهم أنه سيرسل عليهم كائنات العالم الآخر تدمر العالم لو لم ينصفوا ابنه.

هنا نفدت حيلة رع، فاضطر أن يأمر بإحضار سِت مقيداً أمامه، فجاءت به إيزيس، فأمره بإعطاء التاج والعرش لحورس. واحتفلت الآلهة بانتصار حورس، بينما استأذن رع التاسوع أن يجعل سِت بمثابة الابن له تعويضاً عمّا فقد، وأن يجعل الرعد صوته لتستمر هيبته بين الناس. وهكذا كان. وبشكل من الأشكال، حكم حورس، وقاسمه سِت، كل على حدة، ولكن مكملاً للآخر. هكذا تنتهي الأسطورة.

عندما تفقد الآلهة وقارها "الدائم" وهيبتها المقدسة

يرجح عالم المصريات سليم حسن أن يكون ميلاد هذه الأسطورة قد تم في عصر الدولة الوسطى، بينما كان تدوينها قد تم في عصر الرعامسة وفترة السيادة العالمية لمصر. لماذا؟

أولاً لأن الأسطورة قد تضمنت أساليب وأوصاف مستخدمة في أدب فترة الدولة الوُسطَى-كوصف مجلس رع بطريقة تشبه مجالس الملوك في العصر الإقطاعي الذي كان في بدايات الدولة الوسطى، فضلاً عن "الأسلوب اللغوي". وفي نفس الوقت فإنها قد تضمنت بعض التعابير الراجعة لعصر الرعامسة، مع نوع في الوصف والكلمات مما كان معروفاً في تلك الفترة.

ثانياً فإنها تضمنت ذكراً لإلهتين فينيقيتين باعتبارهما من بنات رع، وهو ما يعكس فترة سيادة مصر على الشام وفينيقيا وبالتالي سيادة آلهتها على آلهتهم. إضافة لذلك فإن كبير الآلهة في القصة كان "رع" بينما كان المعبود الرئيسي في الدولة الحديثة هو "آمون"، مما يدلل على أن نشوءها قد سبق تدوينها بكثير.

ويشير سليم حسن إلى أن تكون "خفة" الأسلوب في صياغتها نتاج لسعي الكاتب لتبسيطها للعامة. أي أنها على الأرجح "نسخة شعبية" من الأسطورة الدينية. كما أنه يرجح أن تكون هذه الإضافة للأسطورة عبارة عن إسقاط لأحداث حقيقية وقعت في العصر الإقطاعي، كأن ينازع البعض ابن أحد الأمراء حقه في الإقطاع أمام محكمة الملك الذي يدرك عدالة قضية الابن لكنه يميل لهذا الخصم ربما لارتباطه بمصالح معه.

وبشكل عام فإن أسطورة أوزيريس وإيزيس وحورس وسِت هي على الأرجح انعكاس أسطوري لواقعة تاريخية، أو لمسألة الأحقية بالميراث، سواء المادي أو غير ذلك، سبقت فترة التدوين أو وقعت في عصر ما قبل الأسرات.

كذلك فإن فكرة الصراع الدائم بين حورس وست قد تكون انعكاساً لعملية صراع جرت قبل توحيد مصر بين القاطنين الأصليين الذين كانوا يعبدون سِت والوافدين عليهم الذين كانوا يعبدون حورس، وانتصار هؤلاء الأخارى.

و في تفسير آخر لقصة الصراع الدائم الذي ينتهي بمشاركة الحكم، يقول عالم الآثار المصرية، روبيرت كريش رتنر،في محاضرة في معهد الشرق (The Orietn Institute) في جامعة شيكاغو،  أنّ هذا الصراع يجسّد طبيعة مصر (الصورة المرفقة من المحاضرة)، التي انقسم حكمها بين حورس وست، لأن التوحيد بينهما (رغم أنهما يبدوان متناقضين: الحياة والقحط، النظام والفوضى) شرط لاستمرارية الحياة في مصر.

وجدير بالذكر كذلك أن سِت لم يكن بالنسبة للمصريين "الشر" المطلق، فقد كان إلهاً للضواري والصحراء والعنف والفوضى والرياح الحارة. وكان بمثابة "حام للملك من أعدائه" أي أنه كان يمثل أحياناً "الشر الذي لا بد منه".

وبمعنى آخر، سِت ليس شرّاً مطلقاً، بل طاقة مدمرة لها مكانتها في العالم.

من الغريب ألا تجد تلك القصة حظها من الانتشار في التاريخ المصري كما يقدّم للقارىء غير المتخصص أو للطالب في المدارس، وعوضاً عنها يقولب الشر بأنه مطلق، ويختصر الصراع الذي يمتاز بالتنافس والنقاش والإقناع وكذلك الدهاء، والرجوع إلى حكم الآلهة ومحاولة الحصول على اجماعهم، وهذه كلها عناصر هامة في فكرة السلطة، استبدلتها الأسطورة المكتوبة، بشكل مطلق ومبسط للحكم.

وهل لتجاهلها أسباب يمكن التكهن بها؟ فهل هو لما فيها من تجرّد الآلهة من حالة "الوقار" الدائمة المفترضة لهم؟ هل لأنها تظهر رع إلهاً انتهازياً جباناً في بعض الأحيان وليس ذلك الإله الشامخ الصارم في عدله؟ فهم فقدنا قدرتنا على مقاربة التاريخ دون أن نسقط عليه أحكامنا وقيمنا؟

وهل يكون ما فيها من تفاصيل صادمة سبباً في إقصائها؟ كقطع حورس لرأس أمه أو التفاصيل "الجنسية" بين سِت وحورس؟ في كل الأحوال إنها تعكس الكثير من القيم من عصر نشوئها كأسطورة شفهية ثم تدوينها بعد قرون. فالأسطورة هي انعكاس عصرها ونظرة من فيه لأبطالها من آلهة.

المصادر: موسوعة مصر القديمة، سليم حسن؛ أسفار التكوين المصرية، مانيتون السمنودي؛ الأساطير المصرية، دون ناردو؛ الديانة المصرية القديمة، عبد الحليم نور الدين؛ موسوعة تاريخ الأديان، والرحمن والشيطان، فراس السواح.

وليد فكري

صحافي مصري وباحث في التاريخ. يمارس الكتابة التاريخية منذ عام 2009 في عدد من المواقع الإلكترونية العربية. صدرت له كتب "تاريخ شكل تاني" (2010)، "تاريخ في الظل" (2012)، "مصر المجهولة" (2015)، "دم المماليك" (2016)، "دم الخلفاء" (2017)، "أساطير مقدسة" (2018)

التعليقات

المقال التالي