بالشعر وحده وصل "أميون" إلى أعلى مراتب الشرف والشهرة: عن انفتاح الثقافة الإسلامية للمعرفة والإبداع

بالشعر وحده وصل "أميون" إلى أعلى مراتب الشرف والشهرة: عن انفتاح الثقافة الإسلامية للمعرفة والإبداع

من أهمّ ميزات المجتمعات الإسلامية أنّ المعرفة والشعر تمتعا بمكانة وتقدير عظيمين، إلى حدّ منح من أتقنهما وتعمّق في فنونهما، مهما كانت خلفياتهم وأصولهم ومكانتهم الاجتماعية، مكانة في الثقافة الشعبية وكتب النقاد وقصور الملوك.

من بين فترات نشط فيها الشعر والأدب، وازهرت فيها حركة الترجمة، واشتهرت مدن العالم الإسلامي بأنها أكثر مدن الله كتباً، عاش عددٌ من الشعراء خارج الثقافة المكتوبة، إلا أنهم، وبفضل غنى الثقافة الشفوية بالأشعار والأدب وتلاوة القرآن والقص الشعبي، ألّفوا أشعاراً اكتسبت شعبية بين الناس، وصل بعضها إلى أشهر الملحنين، وإلى قصور أمراء عصرهم.

وعلى ندرة الكتابات النقدية التي تعرضت لعوالم هؤلاء الشعراء المدهشة، إلا أنه وفي أواخر العام المنصرم 2017 صدر عن المجلة العربية كتاب "أميون شعراء فصحاء" للشاعر والصحفي والناقد المغربي د. أحمد بلحاج وارهام، وتكمن أهمية تلك الدراسة أنها سلطت الضوء على قضية لم تنل حظاً وافراً من الدراسات الأدبية.

في مقدمة الكتاب، يؤكد مؤلفه أنّ "الشعرية الشفهية" لم تغب شمسها، حتى بعد أن دوّنت العلوم العربية، ورغم اعتبار القراءة والكتابة سمة وامتيازاً وجهلها سبة ومنقصة، فإن هؤلاء الشعراء الأميون نافسوا كبار الشعراء الفصحاء في عصور ثلاثة هي العصر العباسي والمملوكي والأندلسي.

وامتازت طوابع الشعراء الأميين بخصائص منها أنهم كانوا، بأغلبهم، أصحاب حرفٍ يكتسبون منها رزقهم وأن قلّة من بينهم اكتسبت من قول الشعر، فتفرغوا لكتابة ما يستحسنون من دروب الشعر لذلك انتشر بكثرة بينهم شعر الغزل. كما نتعرف على تفاصيل أخرى عن حيواتهم، مثل أنّ دكاكينهم التي يعملون بها، تحولت إلى ما يشبه المنتديات الأدبية، وهو ما أكسب الكثير منهم خصائصه الشعرية بالاستماع إلى أهل الشعر والبلاغيين والأدباء ما جعلهم يتفاعلون مع ما يقال في جوّ من التبادل الإبداعي.

من بين عشرات الشعراء الذي تناولهم الكتاب، تختار المقالة خمسة من هؤلاء الشعراء، من العصور الثلاثة.

من العصر العباسي: نصر بن محمد الخبزأرزي

كان نصر بن محمد أحد شعراء مدينة البصرة، لا ندري على وجه الدقة تاريخ مولده لكن تؤكد المصادر أنه عاصر حكم المتقي بالله بن المقدر سنة 329هـ. لقب بهذا الاسم لامتهانه خبز الأرز وبيعه للاكتساب منه.

والخبزأرزي هو شاعر أميّ لكن مع ذلك امتاز شعره برقّةٍ واضحة وانتشر انتشاراً واسعاً فتغنّى بشعره المطربون والمحبوّن، خاصة لأن لون الغزل سيطر على أغلب أشعاره. يقدر عددٌ من مؤرخي الأدب، بحسب أحمد بلحاج آية وارهام،  أنّ "الخبزأرزي" قدم إلى بغداد فاستقبله أدباؤها وشبابها استقبالاً حسناً لما كان سبقه إليهم من أشعاره العذبة. ومن أشهر ما كتبه "الخبزأرزي" عن الغزل قوله:

لو كان لي قلبان عشت بواحدٍ   وأفردت قلباً في هواك يعذب

ولي ألف وجهٍ قد عرفت مكانه   ولكن بلا قلبٍ إلى أين أذهب؟

وقيل إن هذين البيتين تغنا بهما الكثير من المطربين في عصر "الخبزأرزي". وهو أيضاً القائل:

رأيت الهلال ووجه الحبيب   فكانـا هلاليـن عنـد النـظر

فلم أدر من حيرتي فيهما    هلال الدجا من هلال البشر

ولولا التورد في الوجنتين     وما راعني من سواد الشعر

لكنت أظن الهلال الحبيب     وكنت أظن الحبيب القمر

وقيل في موت الخبزأرزي أقول عدّة منها أنه قُتِلَ على يد أحد الوزراء العباسيين بعدما هجاه بشعرٍ، وهو قول ضعيف، فلم يثبت أن "الخبزأرزي" كتب هجاءً. لكن يرجح المختصون أن موته كان في عام 337هـ .

من العصر العباسي: أبوبكر بن حمدان الخبّاز البلدي

يعدّ أحد "فلتات" العصر العباسيّ، عاش حتّى عام 380هـ، ويمتاز بأنه امتلك حساً شعرياً فخيماً. وكان من أصحاب الحرف فهو الآخر كان خبّازاً. تجمّع في مخبزه شعراء عصره وإن شئنا وقلنا إن ذلك كان بمثابة "صالون ثقافي" بمفهوم عصرنا فلن نقع في مبالغة وهو ما عنته كتب التراجم التي أرّخت له.

وقال عنه شهاب الدين النويري في كتابه "نهاية الأرب" إنه كان فلتة من فلتات الدهر، على الرغم من كونه أمياً لا يقرأ ولا يكتب!

كتب "بن حمدان الخباز" في الغزل والحكم والتشيّع للحسين، وكان في بعض أشعاره خطاً فكاهياً مرحاً. ولكن أهمّ ما تميز به شعره هو التناصّ مع القرآن الكريم الذي حفظه سماعياً، فكان من المستحسن والمفاجئ أنه كان يستعين بآيات وصور وتراكيب من القرآن ليستخدمها في شعر الغزل.

ومن أشعر ما كتب قوله في الغزل:

ســار الحبيب وخلّـف القـلبـا    يبدي العــزاء ويضـمر الكـربــا

قد قلت إذ سار السفين بهم    والشوق ينهب مهجتي نهبا

لـــو أن لــي عــزّا أصول بــه    لأخذت كـل ســفينة غصبـا

وقوله:

كأن يميني حين حاولت بسطها   لتوديع إلفي والهوى يذرف الدمعا

يمين ابن عمران وقد حاول العصا   وقد جُعِلتْ تلك العصا حيّة تسعى

وقائلة هل تملك الصبر بعدهم؟    فقلت لها: لا والذي أخرج المرعى 

أقوال جاهزة

شارك غردقال عنه النويري في كتابه "نهاية الأرب" إنه "كان فلتة من فلتات الدهر"، عن الشعراء الأميين الذين تركوا بصمتهم في الثقافة العربية

شارك غردحبّ المعرفة في التاريخ الإسلامي كان ديمقراطياً ومنفتحاً: هذا ما تشهده سيرة الشعراء الأميين الذين وصلوا القصور، وألحان المغنين وقلوب الناس

شارك غردتمّيزت المجتمعات الإسلامية بأنّ الطريق كان مفتوحاً أمام الجميع لتغيير مكانتهم الاجتماعية والمادية، مهما كانت خلفياتهم، وأصولهم

من العصر الأندلسيّ: ابن جاخ الصباغ

هو أكثر الشعراء الأميّين شهرةً وأكثرهم جاهاً وشاعريّة. عاش في عهد المعتضد، ملك إشبيلية (أحد ملوك الطوائف)، ونادم ابنه المعتمد بن عباد، وعاصر من الشعراء ابن زيدون وابن عمار وغيرهم.

عاش فترة طويلة في مملكة بطليوس في الأندلس فقيراً أميًاً يعمل بالصباغة وينشد الشعر، لكنه لم يصبح مشهوراً إلى قابله الشاعر ابن عمار ـ وزير المعتضد ـ وسمع أنه شاعرٌ فاختبره، فشمّر ابن عمار زنده الأبيض ووضعه بجانب زند ابن جاخ الداكن البشرة، وسأل: كم بين زندٍ وزند؟

فقال ابن جاخ: مابين وصلٍ وصدّ

يروى أنّه حين قدم لمجلس المعتضد عرّف نفسه للشعراء. فقالوا أنشدنا من شعرك، فقال:

إني قصدت إليك يا عبّادي    قصدُ القليقِ بالجَرْي للوادي

فضحكوا على ما قاله، وتآمروا عليه وقالوا إنهم إذا دخلوا إلى المعتضد سنقدمه علينا فيغضب عليه المعتضد ويطرده. وبالفعل قدموه، فأنشد:

قطّعت يــايوم النـوى أكبــادي   وحرمت عن عيني لذيذ رقادي

وتركتني أرعى النجوم مسهدا    والنار تضرم في صميم فؤادي

فلما أتمها، قال الملك: "اجلس قد وليتك رئاسة الشعراء". ولم يأذن المعتضد لأحد بالكلام في ذلك اليوم سوى ابن جاخ، كما تقول الرواية. ولعلّ ما نستشفه هنا الميزة التي عرفتها المجتمعات الإسلامية، وهي الطريق المفتوح أمام الجميع لتغير مكانتهم الاجتماعية والمادية، مهما كانت خلفياتهم، وأصولهم.

تفوّق ابن جاخ في ارتجال الشعر ومن ذلك ما اختبره فيها المعتضد، حين قال له "أجز": إذا مررت بركب العيس حيّيها، فرد ابن جاخ في الحال: يا ناقتي فعسى أحبابنا فيها.

ثم زاد ابن جاخ:

يا ناقُ عوجي على الأطلال علّ بها   منهم غريب يراني كيف أبكيها

أو كيف أرفض طيب العيش بعدهم   أو كيف أسبل دمعي في مغانيا

إني لأكتــم أشــواقي وأستــرها    جهدي ولكن دمع العين يبديها

مات ابن جاخ عام 480هـ، أي قبل نهاية حكم ابن عبّاد في مملكة إشبيليه بأربعة أعوام. 

من العصر المملوكي: محمد بن بختيار "الأبْلَه"

سمي بالأبله من باب تسمية الشيء بضدّه حيث كان متّقد الذكاء سريع البديهة. عاش في عصر صلاح الدين الأيوبيّ. وتوفي في عام 580 هـ.

وانتشر بين الناس أن الأبله يتنزّل عليه شيطان بالشعر كما يتنزل الوحي على الرسل، وكتب عنه نقاد كثيرون واتفقوا على أنّه شاعرٌ مُجيدٌ، لشعره حسن وعذوبة لذلك فقد أقبل عليه المطربون من كل حدبٍ يأخذون من شعره ما يلحنونه ويطربون به الناس.

محمد بن بختيار "الأبله" الذي أقبل عليه المطربون من كل حدبٍ يأخذون من شعره ما يلحنونه ويطربون به الناس

ومن أشهر قصائد الأبله قصيدته التي كتبها في الغزل وهي قصيدة غاية في الرقة والجمال والانسياية ومنها:

الله اعـلم أن الـروح قد تــلـفـت    شوقــاً إليـك ولكني أمنيـها

ونظرة منك يا سؤلي ويا أملي   أشهى إلى من الدنيا وما فيها

إني وقفت بباب الدار أسألها    عن الحبيب الذي قد كان لي فيها

فما وجدت بها طيفا يكلمني    سوى نواحِ حمامٍ في أعاليها

يا دار أين أحبائي لقد رحلوا     وياترى أي أرضٍ خيموا فيها

وقوله:

دعني أكابد لوعتي وأعاني    أين الطليق من الأسير العاني

آليت لا أدع الملام يغرني    من بعد ما أخذ الغرام عناني

ومهفهف ساجي اللحاظ حفظته  فأضاعني، وأطعته فعصاني

عين بصل الحراني: مات فقيراً وأحبّ دمشق وجنانها

عمل "عين بصل" المتوفي عام 709هـ بالحياكة وقد اشتهر بقول الشعر وهو أميّ، كان من الشعراء الرافضين للتكسب من شعرهم والتقرب إلى الحكام، فعاش فقيراً ومات مفلساً يبيع ما يتصدق الناس به عليه من لباس ليشتري طعاماً يأكله ويستبدله بلباسٍ بالٍ.

اشتهر "عين بصل" بارتجال الشعر حتى أنّ بعض أصحابه برزت أمامهم امرأة فاتنة الجمال، فطالبوه من فوره بنظم شعر في جمالها فقال مرتجلاً:

غرست في الخد نرجسةً    فحكت في أحسن الصورِ

كوكبـــا في الجـو متقدا   قد بدا في جانب القـمـر

ولكن أشهر قصائده وأجملها تلك التي كتبها في وصف دمشق وجمالها وجِنانِها. ومن العجيب أن أمير الشعراء أحمد شوقي كتب قصيدةً أخرى عن دمشق من نفس بحر القصيدة وقافيتها وكأنه يعارضه ويحاكيه فيها. وهي القصيدة التي يقول "عين بصل" في مطلعها "ربوع جلِّقَ للأوطار أوطان":

قم يا نديمي إلى شرب المدام بها   من قبل يدرك بدر السعد نقصانُ

فأنـت في جنـة منـها مــزخـرفـة    وقـد تلقــاك بالـرضــوان رضــوان

والزهر كالزهر حيّـاة الحيـا فبدت    في الروض منه إلى الأبصار ألوان

كأن ريح الصبا طافـت بخمرِ هوىً    من الرياض فكل الكون نشوان

أبدت فنونا فأفنت صبر سامعها    بالنـوح إذ حـمـلتهـا فيهـا أفنـان

بــلابل هيــجت منــا بـلابـلـنــا    وهـاج منــا صبـابـات وأشجــان

أحمد أبو درويش

صحفي وباحث يكتب في الإسلام السياسي والثقافة

التعليقات

المقال التالي