الجزية، ملك اليمين، الحسبة... هل بقي لهذه المفاهيم مكان في حياتنا اليوم؟

الجزية، ملك اليمين، الحسبة... هل بقي لهذه المفاهيم مكان في حياتنا اليوم؟

تمتلئ كتب التاريخ والتراث الإسلامي بعدد من المصطلحات القديمة الغابرة، تلك التي وإن شاع استخدامها في العصور السالفة، إلا أنها –في حقيقة الأمر-قد أضحت عاجزة وغير قادرة على مسايرة الواقع الراهن، بكل ما يميزه من ميل للتحديث والتقدم واحترام حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعايش المشترك.

ما ينبغي توضيحه هنا، أن مسألة استخدام تلك المصطلحات والمفاهيم بكل ما فيها من دلالات ومعاني سلبية، قد تمت في سياق تاريخي مجرد، وأنه كان نتاجاً لمجموعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن الدين الإسلامي نفسه لم يكن مسؤولا عن ظهور تلك المفاهيم، بل اقتصر دور المسلمين الأوائل على التعاطي معها ومحاولة تقنينها وتخفيف أثارها السلبية.

الجزية لليهود والنصارى والمجوس

يعتبر مصطلح الجزية واحداً من أهم المصطلحات التراثية الأكثر إثارة للنقاش وللجدل في الإسلام.

يُعرف قطب إبراهيم محمد، الجزية، في كتابه النظم المالية في الإسلام، بإنها "هي الأموال التي تم فرضها على رؤوس أهل الذمة الذين أصبحوا من سكان دولة الخلافة الاسلامية من اليهود والنصارى والمجوس".

من المعروف أن بلاد العرب قد شهدت ظهور الكثير من صيغ الجزية فيما قبل الإسلام، وأنها كانت واحدة من أشكال التبعية والتأكيد على النفوذ والقوى، فيما بين القبائل والجماعات الأقوى من جهة والقبائل الضعيفة من جهة أخرى.

ولما كانت الفترة المبكرة في الإسلام، هي فترة اضطهاد وضعف وتخفي، فقد كان من الطبيعي ألا تظهر فكرة الجزية في السياق الإسلامي، بل تأخر ظهورها الرسمي، للفترة المتأخرة من حياة الرسول في المدينة، وهي تلك الفترة التي اتسعت فيها رقعة الدين الإسلامي في شتى أنحاء الجزيرة العربية، وصار تحصيل الأموال من المخالفين في الدين، أمراً ذا بعد سياسي أكثر منه ديني.

بعد اتساع رقعة الفتوحات الإسلامية المبكرة في عهد الراشدين، صارت الجزية واحدة من أهم الموارد المالية للدولة، ولم يكن مقدارها ثابتاً، بل كان يتغير تبعاً لظروف تغير المكان والزمان، وكان يتحدد تبعاً لمعاهدات الصلح بين المسلمين وأهل البلاد المفتوحة.

ورغم الدلالات السلبية التي قد ترتبط بمسألة تحصيل الجزية من المخالفين في الدين، إلا أن فترة الخلافة الراشدة فيها الكثير من الأمثلة والنماذج التي تشهد بوقوع حالات من التسامح والبعد عن التشدد في تحصيلها، ومن ذلك إعفاء كبار السن والنساء والأطفال والمساكين والفقراء والرهبان من أدائها، والنهي عن التعرض بسوء لكل من لا يقدر على دفعها.

هذا الوضع تغير كثيراً منذ بداية الدولة الأموية في عام 41هـ، حيث صارت الأموال الناتجة عن تحصيل الجزية، مطلوبة لذاتها، لدرجة أن بعض الولاة الأمويين قد منعوا تحول العديد من الموالي الفرس للإسلام خوفاً من تقليل أموال الجزية، كما أن البعض الآخر لجأ إلى تعذيب بعضاً من أهل الذمة بغية التحصل على الأموال منهم، وكانت من أشهر وسائل التعذيب، التشميس، والتي كانت تعني تعريض المتأخرين عن دفع الجزية للشمس الحارقة.

هنا ما يقوله الشعراوي في هذا الصدد: "الجزية دليل على حماية الاختيار"

وهنا مقتطف من فاضل سليمان، يسأل فيه "لماذا الجزية في الإسلام؟"

الغنائم: "الأسرى والسبي والأرض والأسلاب"

من أكثر المصطلحات المتواترة في كتب التراث الإسلامي، والتي تم الابتعاد عن استخدامها في العالم المعاصر، هو مصطلح الغنائم أو الغنيمة.

في كتابه الخراج، يُعرف يحيى بن آدم، الغنيمة بإنها "هي ما استولى عليه المسلمون من أعدائهم الكفار والمشركين بالقتال في ساحة المعركة، وتنقسم إلى أربعة أنواع، وهي الأسرى والسبي والأرض والأسلاب".

فيما يخص الأسرى، فيقصد بهم الرجال المقاتلون، وكان حكمهم يتراوح فيما بين القتل أو الاسترقاق أو إطلاق سراحهم بدون مقابل. أما السبايا، فهم النساء والأطفال، وكان من الشائع أن يتم استرقاقهم فيصبحوا عبيداً أرقاء، أو أن يتم إطلاق سراحهم بالفداء أو بالمنّ.

بالنسبة للأراضي التي استولى عليها المسلمون عقب انتصارهم، فكانت تنقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول وهي الأرض التي تم ملكها عنوة وقهراً، وكانت غنيمة للفاتحين المسلمين وتقسم بينهم، أما القسم الثاني فهي الارض التي يملكها المسلمون عفواً بدون قتال، والقسم الثالث يشمل الارض التي يتم الاستيلاء عليها صلحاً ولكنها تبقى بأيدي أصحابها.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف نقيّم الممارسات التي كانت سائدة، ولا تتماشى مع المساواة في الحقوق، وحرية الرأي والتعايش المشترك؟

شارك غردالجزية والزنار والحسبة واليمين والغنائم... بعد أن انتهى عصرها، كيف يمكن أن نضعها في سياقاتها؟

ويشرح ابن سلام في كتابه "الأموال"، الكيفية التي كانت تقسم بها الأرض بين المسلمين، حيث يؤكد أنه كان يتم تقسيم الأرض إلى خمسة أخماس وكان أحد تلك الاخماس يأخذه الرسول، أما عن الأخماس الباقية، فكانت تُقسم بالتساوي على المسلمين الذين اشتركوا في القتال.

أما أخر أقسام الغنيمة، فهي الأسلاب، حيث كان كل مقاتل من المسلمين يقوم بأخذ الأموال والمتاع والسلاح من قتيله. ومن المهم هنا أن نلاحظ أن فكرة الغنيمة لم تكن فكرة إسلامية، بل كانت مسألة ظهرت في سياق تاريخي اجتماعي، وأنها كانت معروفة بين القبائل العربية التي اعتادت على الإغارة والتشاحن مع بعضها البعض، فلما حكمها الإسلام، عمل على تنظيمها وربطها بمجموعة من الأهداف والقيم والمبادئ الأخلاقية.

هنا نقاش عن هذه الفكرة، يسأل: "هل قام الإسلام على جمع الغنائم؟"

الحسبة

مصطلح الحسبة هو واحد من المصطلحات الدينية الإسلامية الأصيلة، التي ظهرت مع بدء الدولة الإسلامية بعد الهجرة النبوية إلى المدينة، واستمرت بعد ذلك لعشرات القرون.

الحسبة في اللغة: هي من العدّ والحساب، وتأتي بمعنى طلب الأجر والمثوبة من الله عز وجل، أما في الاصطلاح فقد عرفها جمهور الفقهاء بأنها "ولاية دينية يقوم ولي الأمر -الحاكم -بمقتضاها بتعيين من يتولى مهمة الأمر بالمعروف إذا أظهر الناس تركه، والنهي عن المنكر إذا أظهر الناس فعله، صيانة للمجتمع من الانحراف، وحماية للدين من الضياع، وتحقيقا لمصالح الناس الدينية والدنيوية وفقاً لشرع الله تعالى".

لم يظهر مفهوم الحسبة بشكل واضح وصريح في التاريخ الإسلامي، إلا في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، عندما قام بتعيين رجال ونساء مخصصين لضبط الأسواق وحفظ العادات العامة في الطرقات والشوارع، وتطورت هذه الوظيفة بعد ذلك كثيراً في عهود الأمويين والعباسيين، حتى أضحت واحدة من أهم الولايات الدينية والشرعية المتعارف عليها داخل الدولة الإسلامية.

وظائف الحسبة لم تقتصر على الموظفين المعنين بها، بل إنّ الكثير من أفراد المجتمع قد شاركوا في الاحتساب بشكل أو بأخر، امتثالا للاعتقاد الإسلامي الراسخ بأنه من واجب جميع المسلمين المشاركة في الدعوة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

مع ظهور القوانين والتنظيمات الإدارية الحديثة في البلاد العربية، توارت فكرة الحسبة شيئاً فشيئاً، وجرى اعتبارها على أنها وسيلة لتقييد الحريات الشخصية، وإن لم يمنع ذلك من ظهور ما عُرف بقضايا الحسبة، وهي تلك التي سيق إلى المحاكم بسببها عدد من كبار المفكرين والأدباء والباحثين من أمثال نصر حامد أبو زيد ونوال السعداوي وسيد القمني وإبراهيم عيسى.

هنا ما يقوله أحمد كريمة عن الموضوع: "لا يوجد شرعاً ما يسمى بقضايا الحسبة في الإسلام"

الغيار والزنار

من المعروف أن هناك الكثير من القيود التي فُرضت على أهل الذمة في بعض فترات التاريخ الإسلامي، وكانت الالتزامات الشكلية فيما يخص الملبس والمظهر، واحدة من أهم وأشهر أشكال تلك القيود.

الغيار، كان الاسم الذي أطلق على زي اليهود والمسيحيين، وقد اشتق من كونه زياً مختلفاً ومغايراً لِزِيّ عموم المسلمين، وكان أهم ما يميزه هو لبس الزنار، وهو حزام أقرب إلى الحبل يُشد به الوسط.

بحسب ما ورد في كتاب أحكام أهل الذمة لابن القيم الجوزية، فإنّ نص العهدة العمرية، التي شهدت الاتفاق ما بين الخليفة الثاني عمر بن الخطاب من جهة ومسيحيي إيلياء من جهة أخرى، قد جاء بها أول تحديد لتقنين التمايز الطائفي في الملبس، حيث ورد في ذلك النص إلزام النصارى ببعض الأوامر، منها: "أن يجُزُّوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيَّهم حيثما كانوا، وأن يشدّوا الزنانير على أوساطهم، ولا يُظهِروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيءٍ من طرق المسلمين".

في عصر الدولة العباسية أيضاً، ورغم شيوع حالة فريدة من التعايش الديني والمذهبي، إلا أنه قد ظهرت أحياناً بعض الفترات التي تم التشديد فيها على ملابس أهل الذمة، فمثلاً يروي الطبري في تأريخه لأحداث عام 235هـ: "وفي هذه السنة أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب، وبتصيير كرتين على مؤخر السروج وبتصيير زرين على قلانس من لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التي يلبسها المسلمون".

هذا الاتجاه، نشط كثيراً في عصور المماليك والعثمانيين، فبحسب ما يذكره عثمان علي عطا، في كتابه مجالس الشورى في عصر سلاطين المماليك "إنه قد ظهرت في بعض الفترات عدد من المجالس العلمية التي ألزمت النصارى بالزي الخاص بهم، وهو لبس العمائم الزرقاء، واليهود بلبس العمائم الصفراء".

ومع وقوع المد الاستعماري الأوروبي، والدخول في عصر الحداثة، فإن هذه الأشكال المجحفة من التمايز، سرعان ما انتهت من ديار الإسلام والدول العربية. 

ملك اليمين

من المصطلحات التي وردت أكثر من مرة في القرآن الكريم والحديث الشريف والعديد من المصادر التاريخية الإسلامية، مصطلح ملك اليمين.
تم استخدام هذا المصطلح للإشارة إلى العبيد والإماء الأرقاء، وكان معروفاً ومشهوراً عند العرب قبل الإسلام، فلما بدأت الرسالة المحمدية استخدمته من باب مسايرة اللغة الاجتماعية العرفية السائدة.

من المهم هنا الإشارة إلى قصة اشتهرت كنموذج تجاه الموضوع وهي ما يرويه أبي داود في سننه، "عن ‏أبي مسعود الأنصاري‏ ‏قال ‏كنت أضرب غلاماً لي فسمعت من خلفي صوتا يقول اعلم ‏أبا مسعود ‏لله أقدر عليك منك عليه فالتفت فإذا هو النبي ‏فقلت يا رسول الله هو حر لوجه الله قال: أما إنك لو لم تفعل ‏للفعتك‏ ‏النار‏ ‏أو لمستك النار"، كذلك شجع الإسلام على عتق العبيد والإماء، وجعل ذلك الفعل من المكفرات عن الذنوب والمعاصي.

في الوقت نفسه، فإن الباب كان مفتوحاً في الإسلام أمام العبيد لتغيير وضعهم الاجتماعي والانعتاق من حالة العبودية، وحتى الوصول إلى أعلى درجات المجتمع وأهمها. فمن المعروف أن الكثير من الصحابة والمسلمين الأوائل كانوا من ضمن طبقة ملك اليمين، وهو ما يشهد على أن مبادئ الإسلام الأولى والرئيسة قد صادفت قبولاً ورواجاً ما بين أفراد تلك الطبقة تحديداً.

ولكن مع مرور الوقت، ومع ظهور الاقطاع وتراكم الثروات ونشوء الارستقراطية في عهود الأمويين والعباسيين، توسعت ظاهرة ملك اليمين في المجتمع الإسلامي، إلى الحد الذي صارت معه أعداد الإماء والجواري والعبيد والغلمان في قصور الخلفاء والسلاطين، مثاراً للدهشة ومضرباً للأمثال.

هنا ما علقّ به الشعراوي عن "ملك اليمين" في الإسلام:

وهنا ما يقوله سعد الدين الهلالي في نفس المجال.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي