قصة حياة بي كيدودي الملهمة: ملكة الطرب التي ظلّت تقرع الطبول الأفريقية حتى آخر نَفَس

قصة حياة بي كيدودي الملهمة: ملكة الطرب التي ظلّت تقرع الطبول الأفريقية حتى آخر نَفَس

«الطرب مختلف عن غيره، إنه بمثابة إلقاء روحكم في السماء، المتفرجون يجلسون على الكراسي، والفرقة الموسيقية تقرع الطبول وتعزف على الناي والعود والآلات الأخرى، لكن هناك مغنياً واحداً فقط، كل ما يحتاجه الغناء هو النَفَس وراحة العقل، فقط سرْ مع إيقاع الموسيقيين، ولا تنسخ شخصاً آخر»، هكذا لخصت أقدم مغنية إفريقية فلسفة مسيرة تخطت 80 عاماً، أطربت فيها الآذان في المراكب والمسارح وأزقة الشوارع.

فاطمة بنت بركة خميس، التي يعرفها الجميع باسم «بي كيدودى»، أيقونة غنائية متفردة في حالتها، مثل الخمر العتيقة كلما ازدادت قِدماً ازدادت حُسناً، لمَ لا وهي بلغت ذروة مجدها وشهرتها مع اقترابها من عامها المئة، بل هل يصدق أحد أنها كانت تقرع الطبول وتدخن السجائر حتى نهاية عمرها، ومع ذلك كانت تطلق العنان لرئتيها لتشدو كشابة في منتصف عمرها.

ابنة بائع جوز الهند

كانت زنجبار قاعدة للرحلات التجارية بين العرب والهند وإفريقيا، وكانت تعرف باسم جزيرة التوابل والقرنقل، وفي 1698 وقعت تحت حكم سلطنة عمان، وأصبحت أيضاً محمية بريطانية في 1890، بعد خلاف المملكة المتحدة مع السلطان الجديد للبلاد خالد بن برغش، الذي خلف ابن عمه حمد بن ثويني البوسعيدي، فسقطت البلاد تحت الاحتلال في 40 دقيقة فقط، كأقصر حرب في تاريخ البشرية.

وحصلت البلاد على استقلالها في 1963، وقاد قيام الثورة بها إلى إعلان جمهورية زنجبار وبمبا، التي اتحدت بعد فترة مع تنجانيقا، وكونت عقب ذلك «تنزانيا»، إلا أن زنجبار استمرت بعدها منطقة ذات حكم ذاتي.

وبين فترة الحماية البريطانية والجلاء، ولدت ابنة بائع جوز الهند في قرية فاجيمارينجو، حينما كان الشلن هو العملة الرسمية للبلاد، وتحديداً منذ 1908 إلى 1936.

«بدأت الغناء على مركب شراعي في سن العاشرة، لم يعلّمني أحد ذلك، فقط موهبتي هي ما كانت تغذيني طوال الوقت، كان العرب يأتون بمراكبهم الفارهة ومقتنياتهم الذهبية، ويرسون في الميناء للاسترخاء، يحبون قرع الطبول، كنا نستقبلهم بأغنية Alaminadora، في هذه الفترة لم يكن يرغب أحد في أن يجلس بجواري، إذ كانت ملابسي مهترئة، فقد كنت بمثابة متشردة شاطىء».

تأثر فن «بنت بركة» بأيقونة الطرب في بلادها «ستي بنت سعد»، التي كانت أول امرأة في شرق إفريقيا تسجل ألبوماً غنائياً، ومن رائدات الغناء على الطريقة السواحلية، بعد أن كان سابقوها يفضلون العربية.

«كنت وبنت سعد مضطرتين لتغطية وجهينا بقطعة قماش، أثناء أداء فقراتنا الغنائية. لاحقاً توفيت بينما صوتها لا يزال يدوي في الهواء، كان لديها صوت قوي للغاية، مثل صوتي تماماً، لم يكن هناك فرق بيننا، لذا كان الناس يقولون لي، لا بد أن أفعل شيئاً لإظهار هويتي، لذا رفعت الحجاب».

أقوال جاهزة

شارك غردرسائل بي كيدودي كانت تركز بشكل كبير على شجب إساءة معاملة المرأة

شارك غردفي العاشرة من عمري لم يكن يرغب أحد في أن يجلس بجواري، ملابسي كانت مهترئة كمتشردة شاطئ، لكن كنت أغني

في العشرينات من القرن الماضي، بدأت «كيدودي» العمل مع فرق شعبية محلية، تقدم موسيقى الدومباك، القائمة على إيقاعات الطبول الإفريقية، مع أنماط كلاسيكية من الطرب، والتراث السواحيلي، وتتنوع أدواتها بين العود والكمان والقانون، مع الطبول والمزامير الإفريقية المعروفة، أما رسائلها فكانت تركز بشكل كبير على شجب إساءة معاملة المرأة.

إعادة اكتشاف بن بركة واتساع شهرتها خارج نطاق القطر، كان الفضل في ذلك كله، لصديقتها مريم حمداني، بانضمامها إلى محمد إلياس وفرقة «النجوم المتلألئة»، لتصبح مطربتهم الرئيسية، هذه الخطوة طورت مسيرتها بشكل غير متوقع، خاصة مع جولاتها في الشرق الأقصى والشرق الأوسط وأوروبا.

في منتصف التسعينات، انضمت «الجدة الصغيرة» - كما تحب أن تسمى - إلى فرقة دار السلام «شيكامو جاز»، التي كان عازفاها علي راشد ومدار مسلم من أصل زنجباري، وكانا يقدمان موسيقى تعتمد على خبرتها في مزج الطرب بالجاز.

وعلى الرغم من زيارتها معظم الدول الأوروبية، وأبرزها بولندا، وإنجلترا، وإيطاليا، وألمانيا، والسويد، كان العنصر الوحيد الذي لا تعرفه هو الإنجليزية، لكن شهرتها المفاجئة في آخر عمرها قادتها إلى الحصول سنة 2005 على جائزة ووميكس العالمية، التي نصبتها «وسيطاً ثقافياً ومستشاراً للأجيال الشابة ورمزاً للموسيقى التحررية في العالم، كما حصلت على وسام الفنون والرياضة التنزاني سنة 2012.

الموسيقى شريان حياتها

«بي كيدودي»  - التي غنت للموسيقار المصري محمد عبد الوهاب أيضاً– طافت أغلب مناطق شرق إفريقيا مع فرقتها الطربية، والمدن الساحلية والداخلية والغرب، وصولاً إلى بحيرتي فيكتوريا وتنجانيقا، قبل أن تعود إلى وطنها الأم بعد سنوات.

كانت «بنك الذاكرة الموسيقية الإفريقية» تغني جميع ألوان الموسيقى، من العربية إلى التراث الزنجباري التقليدي، إلى الجاز التنزاني، بالقدر نفسه من الإبداع في كل مرة، «هاكونا ماتاتا»، أي «لا مشكلة» باللغة السواحيلية.

«الآن معظم المغنيين السواحليين اليافعين يضعون أوراقاً أمامهم ليغنوا منها، مثل فرق الشرطة، إنهم مخدوعون، البعض يظن أن الموسيقى مجرد غناء ولعب بالأدوات، لذا إذا أخطأ أحدهم تفقد الفرقة أداءها، حتى الآن أنا أغني بقلبي وشعري الشائب فقط».

في 2012، استيقظ أهالي زنجبار على خبر صادم باختفاء "رمزهم الوطني"، قبل أن يظهر شخص على التلفزيون مدعياً أنه ابن أخيها، ليقول إنه اختطفها لحمايتها من استغلال الموسيقيين المتعاونين معها، مشدداً على منعها من أداء أي عرض مقبل: «لقد وجدتها في حالة مزرية، كمن فقدوا عقولهم، أخذتها بعيداً عن كل شيء، الأشعة كانت واضحة، رئتاها التالفتان تمنعانها من الغناء مجدداً، بالنسبة لها إن الصراع الآن من أجل البقاء فقط».

ويرى مدير أعمالها يوسف محمود أن زنجبار استيقظت مؤخراً على حقيقة أن هذا الكنز كان موجوداً داخل الجزيرة منذ عقود، إلا أن هذه الصحوة لم تخلُ من المشاكل، فيتذكر عندما كانت في منزلها في «ستون تاون» في 2004 وفي حوزتها نحو 4 آلاف دولار، حينذاك كان كثيرون يقرعون بابها طالبين مساعدتها، وخلال 10 أيام أصبحت مفلسة.

مع شائعات استغلالها، كانت هناك حقيقة واضحة في قصة «بنت بركة» هي أن الموسيقى شريان حياتها، وهذا ما أكدت عليه في آخر لقاءاتها، «إذا توقفت عن الغناء، فكيف تتوقعون مني البقاء»، بعد أيام من هذا التصريح توفيت، وتحديداً في عام 2013.

لم يعرف أحد عمر «بي كيدودي» عندما توفيت، البعض يقول إنها تخطت المئة عام، لكن الأهم من ذلك أنها تركت ميراثاً موسيقياً فريداً من نوعه، عرَّف العالم ببلادها، وصهر في داخله الثقافتين العربية والإفريقية، وألهم الكثير من السيدات لاكتشاف مواهبهن واتباع خطاها.

التعليقات

المقال التالي