ما بين العراق وإيران والسعودية: ما هي أبرز المدن المقدسة لدى الشيعة؟

ما بين العراق وإيران والسعودية: ما هي أبرز المدن المقدسة لدى الشيعة؟

للشيعة خصوصية فيما يتعلق بتقديس المزارات والمقامات، فلما كان الشيعة الإمامية يقدسون أئمتهم ويبجلونهم ويقربون مقامهم من مقامات الأنبياء والمرسلين، فقد كان من الطبيعي أن تتحول مراقد ومدافن هؤلاء الأئمة إلى مشاهد وأضرحة مقدسة، يتقربون إلى الله بزيارتها والدعاء في ساحاتها.

في هذا المقال نسلط الضوء على أهم المدن المقدسة عند الشيعة الإمامية الاثناعشرية، مستعرضين الأسباب المباشرة التي تسببت في إحاطة هذه المدن بتلك الهالة من القداسة، وأهم المعالم الدينية الموجودة بها، وكيفية تأثيراتها على الواقع المعاصر.

كربلاء ومراقدها المقدسة

تقع مدينة كربلاء المقدسة في وسط العراق، ويقطنها ما يقارب من مليون نسمة، أغلبيتهم من الشيعة الإمامية.

وتعتبر كربلاء، واحدة من أهم المدن مكانةً وتقديساً في المذهب الشيعي الإمامي، وذلك بسبب ارتباطها بمأساة الحسين حفيد الرسول، واستشهاده في أرضها في العاشر من محرم عام 61هـ.

لاقت كربلاء اهتماماً متعاظماً من الشيعة منذ تلك الحادثة الأليمة، فتم تشييد ضريح كبير للحسين، وشُيد ضريح آخر لأخيه "أبو الفضل العباس"، واعتاد الشيعة من داخل العراق ومن الدول المجاورة له، على زيارة تلك المراقد المقدسة بأعداد هائلة، حيث وردت العديد من الروايات والأحاديث التي تشجع على زيارة ضريح الحسين.

ومن ذلك ما أورده جعفر بن محمّد بن قولويه القمي البغدادي المتوفى سنة 386هـ في كتابه "كامل الزيارات"، عن الإمام جعفر الصادق، أنه قال "زِيارَةُ الحُسين بن علي واجبة على كل من يقرُّ للحسين بالإمامة من الله عزَّ وجلَّ"، وقوله في موضع أخر "زِيارةُ الحسين تعدل مِائة حَجَّة مَبرورة، ومِائة عمرة مُتَقَبَّلَة".

وكالعادة فقد تم استخدام تلك المزارات سياسياً في العديد من المرات، لعل آخرها ما حدث من خروج بعض الدعوات الشيعية التي رحبت باستبدال إقامة الحجاج الإيرانيين لركن الحج من مكة إلى كربلاء، عقب حدوث بعض التراشقات الإعلامية ما بين إيران والسعودية.

النجف الأشرف وحوزتها

تقع مدينة النجف في الجنوب الغربي من مدينة بغداد، ويقطنها ما يزيد عن المليون نسمة، والأغلبية الغالبة فيها من أصحاب المذهب الشيعي الإمامي.

وتتمتع مدينة "النجف الأشرف" بقدسية كبيرة عند الشيعة، لاحتوائها على مدفن علي بن أبي طالب، والذي يعتبر الإمام الأول في سلسلة الأئمة الشيعة الاثناعشر.

ومما يزيد من أهمية مدينة النجف، أنها تحتوي على "حوزة النجف الأشرف"، والتي تُعتبر أقدم وأهم المراكز الدينية في العالم الشيعي. حيث تم تأسيسها في أوائل القرن الخامس الهجري، على يد العالم الشيعي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (تـ. 460هـ)، والمعروف بلقب شيخ الطائفة.

وقد بدأ الاهتمام بعمارة مرقد الإمام علي في عهد هارون الرشيد، لكنه بلغ أوجه في عصر سيطرة السلاطين البويهيين، الذين اهتموا واعتنوا بجميع المزارات الشيعية في العراق وإيران، نظراً لكونهم يتبعون المذهب الشيعي.

وما يدعم من قداسة مدينة النجف، أن هناك اعتقاداً سائداً في الأوساط الشيعية، بأنه يوجد فيها مدافن لعدد من الأنبياء، مثل آدم ونوح وهود وصالح، كما تنقل بعض الروايات الشيعية أن سفينة نوح قد رست بالقرب من المدينة عقب انتهاء الطوفان.

وقد احتوت مدينة النجف على قبور عدد من كبار رموز المذهب الشيعي في عهوده الأولى، مثل "مسلم بن عقيل بن أبي طالب" رسول الحسين إلى الكوفة، و"ميثم التمار" أحد كبار أصحاب الخليفة الرابع، و"محمد بن الحنفية" شقيق الحسن والحسين، و"المختار بن أبي عبيد الثقفي" الذي أخذ بثأر الحسين وانتقم من قتلته.

كما أن ضريح الإمام "زيد بن علي بن الحسين" يوجد بجانب تلك الأضرحة السالفة الذكر، ما جعل أتباع المذهب الشيعي الزيدي يجلون تلك المدينة ويبجلونها. 

أقوال جاهزة

شارك غردللشيعة خصوصية في تقديس المزارات والمقامات، فما هي أهم المدن المقدسة لديهم؟

شارك غردارتبطت المدن المقدسة عند الشيعة بتواريخ لا تنسى، تماهى معها التماهى التاريخ والحاضر

شارك غردما بين العراق والسعودية وايران، توزعت العتبات الشيعية المقدسة، وصارت مزارات تستقطب الملايين من المسلمين

مشهد: مرقد الإمام الرضا

تعتبر مدينة مشهد، ثاني أكبر المدن الإيرانية بعد العاصمة طهران، ويعيش فيها ما يزيد عن أربعة ملايين مواطن، وهي في الأصل امتداد تاريخي لمدينة طوس القديمة، التي لعبت دوراً فارقاً ومميزاً في تشكيل ملامح الثقافة الإسلامية في القرون الغابرة.

السبب الرئيس الذي أدخل مدينة مشهد ضمن المدن الشيعية المقدسة، هو أن الإمام الثامن علي الرضا قد توفي أثناء مروره بها في عام 203هـ/ 818م، ودفن بها، ليصبح الإمام الوحيد الذي يدفن في أرض غير عربية.

وقد لاقت مدينة مشهد، الاهتمام والعناية من قبل حكام الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري، الذين عملوا على تحويل إيران برمتها للمذهب الشيعي الإمامي، ووجدوا في ضريح الرضا فرصة سانحة لإسباغ القداسة على دولتهم ككل.

الأهمية الدينية لمشهد بقيت حاضرة بعد زوال ملك الصفويين، في عهود الدولتين القاجارية والبهلوية، ولكن بعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، تم توجيه مزيد من الاهتمام ناحية الضريح المقدس وما يحيط به من أبنية، فتم إنشاء جامعة العلوم الاسلامية الرضوية، وجرى افتتاح العديد من المرافق المهمة بالمدينة.

كما تم الاهتمام بتنشيط السياحة في مشهد، حيث صارت مقصداً لمئات الآلاف من الشيعة القادمين من شتى دول العالم، ونتج عن كل ذلك أن تضخمت الأوقاف الشيعية في المدينة، حتى صارت العتبة الرضوية لا تقتصر على الضريح والمسجد فقط، بل أصبحت كياناً اقتصادياً ضخماً يسيطر على مؤسسات متعددة، منها بنوك وشركات صناعية ونفطية متشعبة، كلها تشترك فيما بينها في كونها تحمل اسم الإمام الشيعي الثامن.

قم: مرقد السيدة فاطمة المعصومة

المدينة الشيعية المقدسة الثانية في إيران، هي مدينة "قم"، وهي المدينة التي استمدت قداستها من كونها المكان الذي دُفنت فيه السيدة فاطمة المعصومة، أخت الإمام الرضا في 201هـ/ 816م.

وقد ورد فضل زيارة مرقد فاطمة المعصومة في العديد من الكتب الشيعية، فعلى سبيل المثال يروي المجلسي في بحار الأنوار عن الإمام الرضا، أنه قال في فضل زيارتها: "مِنْ زارها عارفاً بحقها فله الْجَنَّة".

كما أن النوري الطبرسي يذكر في كتابه مستدرك الوسائل، أن الإمام جعفر الصادق قد قال "إنّ لله حرماً وهو مكّة، وإنّ للرسول حرماً وهو المدينة، وإنّ لأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة، وإنّ لنا حرماً وهو بلدة قم، وستُدفن فيها امرأة من أولادي تسمّى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنّة".

ومن المزارات المقدسة التي توجد في قم أيضاً، مسجد جمكران الذي يقع في الجنوب الشرقي من المدينة، والذي تروي الكتب الشيعية، أنه قد بُني بأمر مباشر من المهدي محمد بن الحسن العسكري.

وتوجد في قم حوزة علمية كبرى، حيث يقيم فيها العديد من آيات الله الكبار، ويدرس عليهم الآلاف من طلبة العلم الديني الشيعي.

البقيع: مرقد أربع من أئمة الشيعة

يشترك الشيعة الإمامية مع عموم المسلمين من أهل السنة والجماعة، في تقديس مدينتي مكة والمدينة، لكونهما المدينتان اللتان شهدتا البداية الأولى للدعوة الإسلامية وتأسيس الدولة في عهد الرسول وخلفائه من الراشدين.

ولكن المدينة المنورة تحديداً، تستأثر بقدر أكبر من القداسة والتبجيل عند الشيعة الاثناعشرية، وذلك لأن أربعة من أئمتهم، وهم على الترتيب الحسن بن علي، علي بن الحسين، محمد الباقر، جعفر الصادق، قد دفنوا في مدافن البقيع الموجودة فيها.

ولذلك، ينفرد الشيعة الذين يزورون المدينة المنورة عن بقية المسلمين بزيارة مراقد الأئمة الأربعة، وتلاوة بعض الأدعية المخصصة لزيارتهم، والتي وردت في بعض من أمهات الكتب الشيعية، مثل موسوعة بحار الأنوار لمحمد باقر المجلسي (تـ.1111هـ/ 1699م).

وقد أدى ذلك الإقبال على تلك الزيارات، إلى حدوث عدد من الصدامات الدامية بين الزوار الشيعة والأمن السعودي في الكثير من الأحيان، ولعل أبرز تلك الصدامات كان ذلك الذي وقع في عام 2009م، وعرف وقتها بأحداث البقيع. 

الكاظمية: التي نسبت إلى الإمام موسى الكاظم

في الأراضي العراقية، تتواجد أيضاً ضاحية الكاظمية المتاخمة للعاصمة بغداد، وهي لا تقل في قداستها عن مثيلاتها من المدن الشيعية المقدسة الأخرى.

تُنسب الكاظمية إلى الإمام السابع في سلسلة الأئمة الشيعة الاثناعشرية، وهو الإمام موسى الكاظم (تـ. 183هـ/ 799م)، وذلك لأن الكاظم كان أول من اشترى قطعة أرض في ذلك المكان، فاتخذ منها مدفناً.

وبعد سنوات قليلة من دفن الإمام الكاظم، لحق به حفيده الإمام التاسع محمد الجواد (تـ. 220هـ/ 835م)، فجاوره في ضريحه، الأمر الذي أدى إلى إضفاء صفة القداسة على تلك المدينة. فقد درج الشيعة على زيارة القبرين والتوسل بالإمامين والتبرك بهما.

ومع استيلاء الصفويين على بغداد في النصف الأول من القرن 16 الميلادي، زاد الاهتمام بالضريحين، وبدأ العمل في عمارتهما، واستكملت أعمال العمارة والزينة بعد استيلاء السلطان العثماني سليمان القانوني على العراق.

سامراء: مرقد الأئمة الشيعة العاشر والحادي عشر

تقع مدينة سامراء على الضفة الشرقية لنهر دجلة في محافظة صلاح الدين، وتبعد 125 كيلومتراً شمال العاصمة بغداد.

ورغم أن مدينة سامراء، واسمها الأصلي "سُرّ من رأى" كما ورد في كتاب المحبر لابن حبيب، قد بناها الخليفة العباسي المعتصم بالله في عام 225هـ/ 835م لتكون عاصمة جديدة لدولته، وفي الوقت نفسه سكناً ومستقراً لجنده الجدد من الأتراك القادمين من أواسط آسيا، لكن الأقدار شاءت أن تتحول هوية المدينة من التسنن إلى التشيع، وأن تتبدل طبيعتها من الشكل العسكري النظامي إلى السمت الديني المقدس.

ومثلها مثل الكاظمية، تحتوي مدينة سامراء على مرقدين من مراقد الأئمة الشيعة، الأول للإمام العاشر "علي الهادي"، والثاني لابنه الإمام الحادي عشر المعروف باسم "الحسن العسكري"، ويُعرف المرقدان باسم "مرقد الإمامين العسكريين".

الحلة وتاريخها العريق الذي يمنحها قدسية

على العكس من جميع المدن التي تعرضنا لها في السطور السابقة، فإن مدينة الحلة لا تستمد قداستها من المشاهد والأضرحة المتناثرة في أرضها، بل إنها تستمد أهميتها الدينية من تاريخها العريق، الذي شهد تواجد الكثير من القامات العلمية الشيعية التي عاشت فيها.

تقع مدينة الحلة في شمال العراق، وبالتحديد في محافظة بابل التي تعرف بكونها مهداً لواحدة من أهم الحضارات القديمة التي قامت في بلاد الرافدين.

تم تأسيس الحلة على يد سيف الدين صدقة بن منصور في 494هـ/ 1101م، وبدأت منذ لحظة تأسيسها في استقطاب العلماء والفقها الشيعة الكبار، حيث وجدوا فيها ملاذاً آمناً من الاضطهادات المذهبية التي كان العباسيون يمارسونها ضدهم في بعض الفترات.

وفي عام 656هـ/ 1258م، تعرضت الحلة لمحنة شديدة، عندما كادت جحافل المغول أن تجتاحها، إلا أنها قد نجت من مصيرها بعدما اجتمع عدد من كبار العلماء الشيعة بها وذهبوا لهولاكو قائد المغول، وأعلنوا عن خضوعهم وتسليمهم له، حتى ترفق بهم وكف يده عن مدينتهم.

ويمكن ملاحظة الدور الكبير الذي لعبته الحلة في تاريخ التشيع، إذا تتبعنا العلماء المعروفين المنسوبين إليها، إذ يناهز عددهم العشرات، وإن كان أهمهم على الإطلاق العلامة ابن المطهر الحلي (تـ. 726هـ/ 1325م)، صاحب كتاب منهاج الكرامة في إثبات الإمامة، والذي لعب دوراً كبيراً في تحويل دولة المغول الإيليخانيين إلى المذهب الشيعي الاثناعشري في القرن السابع الهجري.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي