جنة مفقودة أم عصر بائد؟ تاريخ الخلافة الإسلامية من منظور حياة الفلاحين

جنة مفقودة أم عصر بائد؟ تاريخ الخلافة الإسلامية من منظور حياة الفلاحين

جنايتان في حق التاريخ: التشويه والتقديس. والإنصاف أن نقرأ التاريخ وفق عصره، لا وفق عصرنا. وإحدى مسائل التاريخ الإسلامي الشائكة هي الخلافة التي يمجّدها التيار الديني ويتباكى على أمجادها الزائلة، ويستحضرها كأنها حل لمشاكلنا.

ولا يرى هؤلاء في الخلافة سوى مخاطبة هارون الرشيد للسحاب بأن يُمطر في أي أرض، ليأتيه خراجها، ولا يتساءلون عمّا إذا كان الرشيد يزرع الأرض بيده أو عمّا إذا كان يأخذ الخراج لينفقه على مصالح الفلاحين أو على الجواري والشعراء والحروب.

كانت الخلافة إمبراطورية زراعية يُنتج الفلاح أغلب الثروة فيها، ولم يكن يحصل إلا على الفتات الذي يبقيه حياً ليُكمل العمل. ولم تكن الخلافة الإسلامية في ذلك مختلفة عن الإمبراطوريات التي سبقتها وعاصرتها. أمم كثيرة باتت تدرك أن الماضي لا مكان له في المستقبل، أما أغلبنا فيرى الماضي الذي يجهله عصراً ذهبياً يجب استعادته.

أوضاع الفلاحين قبل الخلافة الإسلامية

يقول جرجي زيدان في كتابه "تاريخ التمدن الإسلامي" إن "الأرض في الممالك القديمة ملك للملك، والأهالي إنما يتمتعون بريعها، وللحكومة حصتها وهو الخراج".

مثلت الزراعة المورد الأول للثروة في العالم حتى وقت قريب، وعرفت البشرية أنماطاً عديدة للملكية الزراعية، إلا أن امتلاك الحاكم للأرض كان النمط الأكثر شيوعاً في مناطق الحضارة في مصر وفارس وآسيا. وعمل الفلاحون في الأرض نظير الضرائب، وكانت لهم حقوق اختلفت من مكان لآخر، ومن زمان لآخر.

وأصدر الإمبراطور البيزنطي قسطنطين قانوناً عام 332 ينص على أن الفلاح إذا ترك أرض سيده أُعيد إليها قسراً، ويصير عبداً. وكان الفلاحون في الدولة الساسانية في فارس مرتبطين بالأرض، ومُجبرين على القيام بأعمال السخرة، والخدمة في الحرب كمشاة تحت لواء النبلاء، كما ذكر محمد ريان في دراسة بعنوان "الإقطاع العسكري في العهدين المملوكي والعثماني".

الفلاح في عصر صدر الإسلام

عندما ظهر الإسلام وبدأ يتخذ شكل الدولة، وُضعت أسس سياسية ومالية للتعامل مع غير المسلمين، ففرضت عليهم الجزية والخراج مقابل بقائهم في أرضهم وعلى دينهم.

وبعد غزوة خيبر، على سبيل المثال، تحوّلت أراضي المهزومين إلى فيء للمسلمين، إلا أن النبي محمد أبقاهم فيها لزراعتها مقابل حمل نصف خراجها إليه. وظلوا كذلك حتى خلافة عمر بن الخطاب الذي أجلاهم إلى الشام، ووزع أرضهم على المسلمين، وفق ما ذكره الحبيب الجنحاني في كتابه "المجتمع العربي والإسلامي: التاريخ الاقتصادي والاجتماعي".

أقوال جاهزة

شارك غرديطالب كثيرون بعودة الخلافة الإسلامية باعتبارها نظاماً يجب استعادته بحذافيره. لننظر إلى أوضاع الفلاحين في عهد الخلافات المتعاقبة...

شارك غردكانت الخلافة إمبراطورية زراعية يُنتج الفلاح أغلب الثروة فيها، ولم يكن يحصل إلا على الفتات الذي يبقيه حياً ليُكمل العمل

وجرى الأمر بنفس الطريقة في المناطق التي فتحها المسلمون. أُبقي الفلاحون في أرضهم لزراعتها فقط بدون امتلاكها. ومنع عمر بن الخطاب المقاتلين العرب من التملك، رغم أن الأرض المفتوحة بالقوة كانت تُعتبر فيئاً، يُوزّع على المقاتلين، ومنحهم عوضاً عن ذلك أعطيات، وذلك للحفاظ عليهم كمقاتلين، ولضمان دخل مالي ثابت للحكومة من زراعة الأرض. وتبعه في ذلك الحكام المسلمون.

باختصار، ظل الفلاحون يدفعون المال للسلطة التي لم تكن تقدم لهم خدمات مقابل ذلك. فقد كان مفهوم الضرائب قديماً أقرب إلى الأتاوة وامتيازاً للحكام.

وفي كتاب "تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية" يقول المستشرق الألماني يوليوس فلهوزن: "كان موقف غير العرب بالنسبة للأرستقراطية الحربية العربية هو موقف الرعايا الخاضعين، وكانوا هم الدعامة المالية للدولة، فكان لا بد لهم من أن يُهيئوا الحياة لسادتهم عن طريق الخراج المفروض عليهم، والضرائب التي يدفعونها كرعايا، والتي كانت تُشعر بالغضاضة، وكانت وطأتها عليهم أشد من وطأة الزكاة التي كان يدفعها المسلمون".

الفلاحون في عهد بني أمية

اتسم عهد الأمويين بالتحيّز للعرب على حساب الموالي المسلمين، فضلاً عن أهل الذمة. وكان الفلاح الذمي إذا أسلم يسقط عنه الخراج، ويدفع العشر، إلا أن الأمويين أبطلوا ذلك، بل إن الحجاج الثقفي، والي العراق في عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد، لم يُسقط الجزية عمّن تحول إلى الإسلام من الفلاحين، كما ذكر أمبارك فرج في بحث بعنوان "تطور نظام ملكية الأراضي في الإسلام".

فلئن مَن يدخل الإسلام تتحول أرضه إلى أرض عشر لا أرض خراج، أدى تحوّل الناس إلى الإسلام إلى قلة الخراج، فأمر الحجاج بألا تسقط الجزية عن المسلمين الجدد كي يبقى دفع الخراج، وتابعه عدد من ولاة بني أمية في خراسان وسمرقند وغيرهما في ذلك.

ولكن هذا أدى إلى عودة بعض الناس إلى دينهم القديم، لأن دخول الدين الجديد لا يحقق فوائد لهم. ولما جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز أمر بإسقاط الجزية عمّن أسلم. وحفاظاً على الخراج قرّر أن الأرض ملك لبيت المال، ويُفرض عليها، لا على المزارع، خراجاً، وبالتالي لا يسقط الخراج عمّن أسلم وأمر مَن يريد الانتقال إلى المدن الإسلامية من المسلمين الجدد بإعطاء أرضه لأبناء قريته من أهل الذمة كي يستمر دفع الخراج، بعد أن كان الحجاج قد منعهم من التنقّل.

ويقول جرجي زيدان إن بني أمية اعتبروا أن ما يملكه أهل البلاد التي فتحوها رزق حلال لهم، ويدل على ذلك قول سعيد بن العاص عامل العراق "ما السواد إلا بستان قريش، ما شئنا أخذنا منه، وما شئنا تركناه" وقول عمرو بن العاص لـ"صاحب اخنا" في مصر (متولي جمع الجزية والخراج في إحدى المناطق) "إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا كثرنا عليكم، وإن خف عنا خففنا عنكم".

كما ذكر زيدان أن عبد الملك بن مروان استكثر على أهل الجزيرة في العراق أن يدخروا شيئاً لأنفسهم، فقام بحسابات وألزمهم بدفع جزية تعادل كل ما يمكن أن يدّخروه.

وظهرت في العصر الأموي فئة عُرفت باسم "فلاحي الخليفة" كانوا يعملون في أرض الصوافي التي امتلكها البيت الأموي، وكانت أوضاعهم المعيشية سيئة وفق ما ذكره أمبارك فرج. وساهم ظلم بني أمية في إثارة سخط أهل خراسان، والمسلمين الجدد عليهم وانضمامهم لثورة العباسيين.

الفلاحون في الدولة العباسية

لم يشهد وضع الفلاحين تحسناً في عهد العباسيين إلا خلال فترات قليلة، حين خفف المأمون عبء الخراج عن أهل العراق.

واستمرت معاملة الفلاحين القاسية في جمع الخراج. وفي دراسة بعنوان "الخراج في الموصل والجزيرة في العصر العباسي"، ذكر أحمد الجبوري أنه في عهد هارون الرشيد استعمل والي الموصل يحيى الحرشي القسوة في جباية الخراج، وطالب أهل الموصل بخراج سنتين، ما اضطر قسم كبير من الفلاحين إلى ترك ديارهم، وأراضيهم لعدم قدرتهم على الدفع.

وذكر القاضي أبو يوسف في كتاب "الخراج" المظالم العديدة التي ارتكبها عمال الخلافة بحق الفلاحين، وشملت التعذيب والقتل، مثلما حدث لأهل خراسان على يد واليها في عهد هارون الرشيد، علي بن عيسى بن ماها.

ونصح الرشيد بإلغاء نظام "القبالة" وهو أخذ قيمة من المال مقابل منح حق جباية الخراج من الفلاحين، وهو نظام عانى الفلاحون منه. ورغم ذلك بقي هذا النظام من أشهر طرق جمع الضرائب في الدولة الإسلامية التي عجزت أغلب الوقت عن ضبط تجاوزات موظفيها.

وأوضح جرجي زيدان أن مصدر الثروة العباسية جاء من خراج الأرض الزراعية، الذي حرم الفلاح ثمرة كده، فقد كان أهل المدن عالة على الخلفاء بما يصل إليهم من أموال الجباية والتجارة.

يقول المؤرخ المصري جاك تاجر، في كتابه "أقباط ومسلمون"، عن ظلم الولاة العباسيين في مصر: "أدت هذه السياسة إلى تعدد الثورات في البلاد، واستفحال أمرها، فقد قامت خمس ثورات ما بين عامي 739 و773، وفي عام 831، أيام المأمون، ثار عدد كبير من الفلاحين، وانضم إليهم بعض المسلمين، وذلك بسبب الضرائب الباهظة، وسوء المعاملة، والاعتداء على نسائهم، فيما عُرف بثورة البشموريين". وانتهت الثورة بقمعها عسكرياً بقيادة الخليفة المأمون، ولكنه وقف على أسباب الظلم، ورفعها عن فلاحي مصر.

وتوسع الإقطاع في عهد العباسيين، وكانت الإقطاعات تُمنح للفئات العسكرية التركية مقابل خدمة الخليفة، واستمر هذا النظام الذي عُرف باسم "الإقطاع العسكري" في الدول المستقلة تحت حكم العباسيين.

وفي كتاب "نظرات في الإقطاع" بيّنت آن لامبتون أنه في القرن العاشر الميلادي بدأ الإقطاع الإسلامي يتحوّل إلى شكل مشابه لما هو قائم في أوروبا، وذلك بالترافق مع تغيّر طبيعة الجيش. فمع استجلاب الجنود الأتراك خاصة في عهد المتوكل، تزايدت الحاجة للإنفاق عليهم، فمُنحوا إقطاعات نتيجة لخدمتهم العسكرية، وهذه المرة كانت الإقطاعات تعطى من الأرض جميعها، بعد زوال التفرقة بين أراضي الخراج والعشر.

وعن وضع الفلاحين في ظل هذا الإقطاع العسكري، يقول سليمان خرابشة في دراسة بعنوان "الإقطاع السلجوقي في بلاد الشام": "اتخذ المقطَعين حق السيادة على الفلاحين والزراع، الذين أصبحت حركتهم محدودة في الغالب، إذ كانت تُفرض عليهم رسوم إضافية، وقد يجبرون على العمل بالسخرة أحياناً، وكثرت التجاوز بحقهم".

الفلاحون في عصر المماليك

ساءت أوضاع الفلاحين في ظل الإقطاع العسكري الذي ورثه المماليك عن الدولة العباسية، ورغم أن الزراعة شهدت تحسناً، فإن هذه الإجراءات لم تساهم في رفع مستوى المعيشة للفلاحين، بل ظل الفلاح مرتبطاً بالأرض، يحصل على فتاتها، كما ذكر سعد هجرس في كتابه "الزراعة المصرية".

ويقول ستانلي بول في كتابه "تاريخ مصر في العصور الوسطى": لم يجرؤ الفلاحون على جلب محاصيلهم وماشيتهم الريفية إلى أسواق القاهرة، خشية أن يتم الاستيلاء عليها بواسطة المماليك، أو أن تُؤخذ بواسطة الحكومة بسعر إلزامي لإمداد القصر.

الفلاح في الدولة العثمانية

لم يشهد وضع الفلاح تحسناً في عهد العثمانيين، بل ساء بفرض نظام الالتزام في جمع الضرائب، الذي كان يقوم على بيع حقوق جمع الضرائب مقدماً، ما جعل الفلاحين تحت تعسف الملتزمين.

وفي دراسة بعنوان "الرسوم والضرائب على الأرض الزراعية في فلسطين 1516 – 1831" بيّن زهير غنايم أنه حين دخل العثمانيون الدول العربية اعتبروا جميع الأراضي خراجاً، تعود ملكيتها للدولة، سواء كان الزارع ذمياً أم مسلماً، وحصّلوا الضرائب العينية والنقدية.

وينقل عبد الرحيم عبد الرحمن في كتابه "فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني" نصاً من العصر العثماني للشيخ يوسف الشربيني (ت. 1686) فيه: "يقوم الرجل بكلفة جميع مَن يكون من طائفة الملتزم، ويلتزم بأكلهم وشربهم، وجميع ما يحتاجون إليه من عليق دوابهم، وما يتمنونه من المأكل من اللحم والدجاج، ولو كان فقيراً ألزموه بذلك قهراً عليه، وإلا حبسه المشد (جامع الضرائب) وضربه ضرباً موجعاً، وربما هرب من قلة شيء يصنعه".

وذكر غنايم أن الفلاحين عانوا من ظلم الملتزمين وجباة الضرائب، وقاموا بهجر قراهم، وترك العمل في الزراعة.

إقرار ملكية الفلاحين للأرض

عرف العالم الإسلامي أنماطاً من الملكية الخاصة، لكن مساحتها كانت ضئيلة. وشهد القرن التاسع عشر في عهد محمد علي باشا في مصر والشام نظام الاحتكار، فكانت الأرض مملوكة للحكومة، ويزرعها الفلاح مقابل الضرائب، كما في السابق. إلا أن تحكم محمد علي في الأسعار زاد من بؤس الفلاح. كما أن التجنيد الإجباري والسخرة أنهكا حياة الفلاحين في مصر، وتسببت بمقتل عشرات الآلاف منهم.

وفي عهد سعيد باشا، صدر قرار عام 1858 بإقرار الملكية الخاصة للفلاحين، وتابعه السلطان العثماني بقرار همايوني في نفس المعنى، ثم شهد وضع الفلاحين تحسناً لاحقاً في حقوق الملكية، وإلغاء العقوبات البدنية، والسخرة في نهاية القرن التاسع عشر.

حامد فتحي

​حامد فتحي، صحفي مصري، مقيم في القاهرة، حاصل على بكالوريوس في الإعلام جامعة القاهرة، وطالب دراسات عليا فلسفة جامعة القاهرة، مهتم بالأدب نقدا وكتابة، ليبرالي

التعليقات

المقال التالي