ملكة البلدي فاطمة سرحان لمحتنا تحت الشباك، فتمتمت "خدك تفاح... دوقني يا جدع"

ملكة البلدي فاطمة سرحان لمحتنا تحت الشباك، فتمتمت "خدك تفاح... دوقني يا جدع"

"كل ما فيكي بيغني يا أم الدنيا يا حلوة مصر... ياللي عليكي تلاتة حراس الستر وفضل الله والنصر... مين يشبه لها ست الكل... النيل على صدرها عقد زمرد... والطرحة نجوم وسماء وفل، والفستان أخضر بيجرجر، والفاكهة حواليها بتطل".

علاقتها بالغناء بدأت من دكان صغير يقع على طرف قريتها بسيون في محافظة الغربية. لم يكن محلاً لبيع الحلويات التي تلهث وراءها الأطفال في ذلك العمر، ولكنه كان يضم شاشة صغيرة تخرج أصواتاً ملهمة وممثلين يضحكون ويبكون ويغنون. الدكان بمقاعده الخشبية الصغيرة كان هو السينما والحلم الجميل الذي جذبها لهذا العالم الساحر.

لُقبت فاطمة سرحان بملكة البلدي. كان لها صوت مميز بين المطربات الشعبيات، لا أحد ينسى غناءها "طلعت فوق... فوق السطوح أشكي للهوا منك... وأقوله علي علي جرى واللي حصل منك... تهجر وتشمت عزالي والناس تتصعب على حالي... لأ والنبي يا عبده".

"أتذكر هذه الأيام الجميلة كأنها الأمس، كان عمري 13 عاماً، لم يكن مصروفي يكفي ثمن تذكرة السينما البالغ قرش صاغ وثلاثة تعريفة، كان عليّ أن أحمل كوزاً من الذرة أو الغلة مقابل ثمن الدخول" تقول فاطمة سرحان، وتضيف: "حفظت كل أغاني ليلي مراد من الأفلام، وكانت هوايتي المفضلة تقليد غنائها لأبناء القرية على ترعة بلدنا".

تروي: "الغناء كان عيباً في قرى الريف. وقد كنت فتاة وحيدة، يتولى خالي تربيتي بعد رحيل أبي، وهو كان رجلاً محافظاً وصعب المراس، يلاحقني في الحفلات، كنت أهرب منه بالقفز بين سطح وآخر للوصول إلى دارنا".

"الغناء كان جوايا، مكنش حد يقدر يسكتني"

تُكمل "الست فاطمة": "رغم كل هذا الحصار المفروض من خالي، كنت أغني على السطح وأعتبره مسرحاً والجمهور أمامي يسمعني، كنت أحلم فقط بأنني مطربة مشهورة، حتى لو كنت أغني بمفردي أسفل شجرة التوت، إلى أن انفكت وصاية خالي تماماً عن حياتي بعد زواجي من الفنان عطية إسماعيل السفرتي، وكان أحد شروطه للزيجة الغناء بعيداً عن القرية".

أقوال جاهزة

شارك غردأغاني المهرجانات لا تمت بصلة للغناء الشعبي، هذه أغانٍ أشبه بوجبه تايك أواي سريعة بالكاتشب

شارك غردما أسمعه الآن من فنانين يطلقون على أنفسهم مطربين شعبيين، يضحكني

تقول إن فرقة "سيدة رمضان" كانت محطتها الفنية الأولى التي مهدت الطريق لمشوارها الفني. "كانت أشبه بتخت موسيقي متكامل، فالأب يعزف الربابة، والأخ يضرب على الطبلة، وسيدة تغني مع باقي أخواتها المواويل، وقصصاً من السيرة النبوية".

في إحدى السنوات، شاركت الفرقة بالسرادقات بمولد الحسين بالقاهرة، وبالصدفة كان يمر الأستاذ زكريا الحجاوي على الفرق القادمة من كل المحافظات والتي تتخذ المولد مستقراً لتقديم فنونها، واستمع إليها ووعدها خيراً.

"فوجئنا بزيارة الحجاوي لبسيون بصحبة الحاجة خضرة محمد خضر - مطربة شعبية - كنت أراقب حديثه مع سيدة رمضان والريس ابراهيم حنجل، رآني وسأل "مين البت دي؟" فردت الست سيدة "دي فاطمة غاوية غنا". طلب مني الغناء. استمع بإنصات، وقال "هاتوها معاكم".

فاطمة سرحان والقاهرة 1960

مسرح المقطم عام 1960، كان بمثابة محطتها الفنية الثانية. لم تنتقل فرقة "سيدة رمضان" وحدها للقاهرة آنذاك. جاب الحجاوي مصر ليلتقط الأصوات الأصيلة في الغناء الشعبي، واستقطب مواهب عدة منها جمالات شيحه من الشرقية، سيدة غريب من طنطا، شكرية السنباطية من الغربية، وإستقر الجميع لمدة عام بمسرح المقطم بالقلعة.

تحول المسرح إلى مسكن ومكان للتدريب والعرض ليلاً أمام الجمهور. وهكذا أسس الحجاوي أول فرقة فن شعبي في مصر، تحت اسم الفلاحين.

وعن دور رائد الفن الشعبي في حياتها الفنية، تقول فاطمة: "الحجاوي كان رجلاً وطنياً، الوحيد الذي احترم الفن الشعبي، أفنى عمره في البحث عن أصول الفن الشعبي ولف العالم به وكان خير سفير لمصر. كان يعاملني كابنته، يُلقبني باسم "فاطمة ريكوردر"، لقدرتي على حفظ اللحن وتذكره بسرعة، رغم عدم معرفتي القراءة والكتابة. تعلمت منه الاعتزاز بالفن واحترام الجمهور".

المشوار الصعب بدأ برحيل الحجاوي

"الله يرحمك يا استاذ زكريا"، بحزن شديد تحكي "الست فاطمة" عن انهيار فرقة الفلاحين بعد قرار وزير الثقافة والإرشاد القومي عبد القادر حاتم بإلغائها.

تقول "لم تكن الفرقة مجرد مكان عمل، بل عائلة صغيرة، كنا نبذل مجهوداً كبيراً مقابل أجر زهيد، ولكن الحجاوي خلق في نفوسنا الإيمان بما نقدمه للجمهور. كانت الظروف أقوى من طموحه، حاصرته حتى سافر لقطر، ولقي تكريماً هناك، لم يحصل عليه في بلده".

"كانت فترة صعبة على المستوى الفني والشخصي، انفصلت عن زوجي وأصبحت مسؤولة عن طفلتين، منيرة وسوزان. لم يكن هناك سوى العمل ليل نهار لتوفير النفقات. تفرقت السبل بالجميع بعد إلغاء فرقة الفلاحين، وعادت كثير من أفراد الفرق لمحافظاتهم، وانضممت لفرقة الحاجة خضرة محمد خضر، وطفنا في القرى والنجوع من القاهرة للاسكندرية والصعيد"، تحكي سرحان.

تستطرد: "كلما زاد تعبي، شعرت أن المشوار يستحق مزيداً من العمل وبذل الجهد، صوتي أصبح معروفاً، والمتعهدون يطلبونني لإحياء الافراح والموالد في المحافظات، وبمرور السنوات أصبح لفاطمة سرادق سنوي بإسمها في مولد الحسين، يقصده كل الذواقة والفنانين، كنت أشاهد حلم الفتاة الصغيرة التي كانت تهرب من ملاحقة خالها يتحقق أمامي".

"حتى السينما التي تعلقت بها منذ طفولتي، أصبحت مشاركةً فيها، كانت تجربة ممتعة، تعلمت الكثير منها كالوقوف أمام الكاميرا، والجرأة، ويكفي أن صوتي سيظل موثقاً داخل علب الأفلام"، تقول فاطمة.

وهي كانت قد شاركت في عدة أفلام منها: حد السيف، احذروا هذه المرأة، الجوازة دي مش لازم تتم، وأنا الدكتور.

 

مواصفات المُغني للموال

تقول "لا يستطيع كل مطرب غناء الموال، فهو يحتاج إلى موهبة وخبرة، وليس بالضرورة قوة الصوت. مطربون أساتذة لم يستطيعوا غناء الموال. عبد الحليم مثلاً، أحبه الجمهور وبكى وثار متأثراً بصوته، لكنه لم يستطع غناء كلمات الموال بمفرده، بل كان يُلحن له".

برأي سرحان آخر جيلٍ غنى الموال بأسلوبٍ صحيح هو جيل الأساتذة محمد رشدي، محمد طه، حسن عبد الغفار، الريس حفني وأحمد ابو دراع.

وماذا عن حال الغناء الشعبي الآن؟

تجيب "متدهور جداً، لا يوجد اهتمام بالفن الشعبي الأصيل، ما أسمعه الآن من فنانين يطلقون على أنفسهم مطربين شعبيين، يضحكني. نحن من حفرنا في الصخر وقدمنا الفن الحقيقي. عليهم أن يعودوا لما قدمه زكريا الحجاوي وكل الفرق التي خرجت من رحم تجربته ليكتشفوا الفرق بين الأغنية الشعبية الآن وأغنية الماضي".

وعن رأيها في أغاني المهرجانات، ترد : "لا تمت بصلة للغناء الشعبي، هذه أغانٍ أشبه بوجبه تايك أواي سريعة بالكاتشب. بصفة عامة الأغنية المصرية في أسوأ أحوالها".

لمن تَسمع فاطمة سرحان؟

تقول: "أحمد سعد صوت قوي ولكنه يحتاج لتدريب طويل على الموال. لا أفهم كيف تدعي إحداهن أنها فنانة شعبية "وهي ترتدي فستاناً مكشوفاً. هذا أكبر دليل على عدم الفهم لطبيعة هذا الغناء، الفنانة الشعبية تشبه الناس في الغيط والقرية والصعيد، لم ارتدِ يوماً "نص كم". كنا نرتدي جلاليب وفساتين واسعة وطرحة، وليس فساتين سواريه ونغني "لا والنبي يا عبده"، فهل يعقل أن يرتدي رجلاً بدلة ويجمع محصول الأرض؟".

تعبَر سرحان عن حزنها من غياب صوت نسائي يحمل ميراث المطربات الشعبيات في مصر، وتضيف: "رحل زكريا الحجاوي وانتهى مشروعه، ويُنظر الآن لنا كمساكن شعبية فقط، وليس من أبناء الكومباوند الفاخرة. هناك حالة من الاحتقار للفن الشعبي، مع تراجع دور وزارة الثقافة واهتمامها بالفنون".

تتأمل قليلاً في شهادات التقدير المجاورة لها وتقول بحنين: "مفيش زي أيام زمان. الجمهور كان سميع بجد، حتى في الأفراح الشعبية وبالنجوع كان يقدر الكلمة، وينصت للموسيقى، ويتفاعل معها بحماس، لكن الآن الجمهور يرقص ويصفق مجرد ما تدق الطبلة، بغض النظر عن صوت المغني أو الكلمات والألحان".

محطة الغناء مع الراقصتين نجوى فؤاد ودينا

"كانت تجربة فريدة. نجحنا في تقديم تابلوهات إستعراضية راقصة على الأغاني الشعبية والمواويل. أكثر أغنياتي انتشاراً كانت في هذه المرحلة" تقول سرحان.

وتُكمل: "نجوى فؤاد لم تكن مجرد راقصة، كانت فنانة حقيقية، مولعة بالموسيقى والألحان والكلمات الجديدة. عملت معها لمدة 8 سنوات منتصف التسعينيات. قدمنا عروضاً في أمريكا، وكان أبرز التابلوهات التي قدمناها تابلوه الحجالة الذي يحكي قصة عزيزة وحُسنها. كانت تُنفق على عملها بسخاء، ولحّن لها كبار الفنانين مثل حلمي بكر ومحمد عبد الوهاب".

"تحت الشباك لمحتك يا جدع... وطالتني شباك من عينك ياجدع"

تدندن ملكة البلدي إحدى أغنياتها الشهيرة، وتقول: "هذه ليست أغنيتي وليست حتى من التراث الشعبي. غناها المطرب عزيز عثمان في فيلم "لعبة الست"، وكان يؤديها بطريقة كلاسيكية، ولكنها أعجبتني جداً، فألبستها ثوب فاطمة سرحان الشعبي، حتى أخذت هذا الشكل. كانت من أنجح الأغاني التي رقصت عليها دينا، ولم يصدق أعضاء فرقتها أنها اغنية قديمة".

أغنية "لا والنبي يا عبده"

هذه الأغنية من تراث السنابطة بمحافظة الغربية، إستلهمتها فاتمة سرحان من الذاكرة وأعادت إحياءها خلال تجربتها الفنية مع الراقصة دينا.

"الكلمة هي الأهم والمعيار الوحيد لاختياري للأغنية. الكلمة أمانة أمام الجمهور، وغالباً ما يعتمد الفن الشعبي في كلماته على الحكم والأمثال والتفاخر بالعادات والتقاليد وشيم الرجال والأخلاق" تحكي سرحان عن فلسفتها في الغناء.

تعود لتدندن "ياقلبي ليه اللي باعك تشتريه غالي وتعلي سعره ليه وهو مرخص الغالي، لو اشتريت الأصيل بالغالي ميبقاش غالي لو اشتريت الخسيس أصله يُرد عليه".

اعتزال الملكة

رغم المسيرة الحافلة بالعمل والنجاح التي تجاوزت 50 عاماً، وبعد قرار الاعتزال عام 2001، لم تستطع الست فاطمة التخلي عن مسؤوليتها تجاه المواهب الشبابية.

تقول "أتولى التدريب بفرقة النيل للفنون الشعبية، نستقبل عشرات المواهب من مختلف الأعمار، هناك أصوات جيدة، ولكن عظامهم ما زالت ضعيفة، ينقصهم الحماس والحب للغناء".

وتختم "فرقة النيل آخر حارس للفن الشعبي بمصر، لكنها لا تلقى الدعم من وزارة الثقافة، بُح صوتي وأنا أطالب المسؤولين بتسجيل عروضها أو تسجيل ورش العمل لتستفيد منه الأجيال المقبلة، ولا أحد يسمع. أخشى على مستقبل الفن الشعبي".

التعليقات

المقال التالي