"لا تستسلموا، تذكروا حقيقتكم وأحاسيسكم"... بصوت مكادي نحاس الذي ملأ فضاء المقهى

"لا تستسلموا، تذكروا حقيقتكم وأحاسيسكم"... بصوت مكادي نحاس الذي ملأ فضاء المقهى

"ماذا يمكن الفن أن يفعل؟ الكثير. الفن يرجعنا إلى مشاعرنا الحقيقية التي ننساها في زحمة العمل وظروف الحياة الصعبة في عالمنا العربي. نحن منكسرون من الداخل ومن الخارج، والفن هو الذي يعيد إلينا الألق ويخاطبنا في كل لحظة: لا تستسلموا، تذكروا حقيقتكم وأحاسيسكم وتاريخكم وحضارتكم من دون زيف أو تجميل".

كلمات ملأت فضاء المقهى الصغير وسط العاصمة الأردنية عمان، حيث التقى رصيف22 مع الفنانة الأردنية مكادي نحاس، ليكون لها حديث عن الفن بمعانيه المختلفة وخياراته الصعبة اليوم في عالم عربي مليء بالخيبات والأحزان على جميع الصعد.

العائلة. المنطلق

عمل والد نحاس ونشاطه، السياسي والكاتب الأردني سالم نحاس، كان لهما بالغ الأثر في فنها وخياراتها. فالحياة منذ الصغر داخل منزل ملتزم عروبياً وثقافياً ووسط عشرات الكتاب والأدباء اللامعين في العالم العربي، تركت بصمتها في إنتاج الفنانة لاحقاً.

"منذ الصغر، كنت أكتب الشعر والقصة، وكان والدي يقول لي: "سأجعل منك كاتبة عظيمة". صحيح أنني توجهت إلى الغناء في ما بعد، وأكتب كلمات معظم الأغاني التي أؤديها، إلّا أنني ما زلت أنشر بعض الخواطر والقصائد، إنما بخجل".

مرحلة الدراسة أيضاً، طبعت شخصية نحاس وفنها، وهي من مواليد عام 1977. فسنواتها الأولى في الجامعة كانت في كلية الأدب الإنكليزي بجامعة دمشق. وتصف الأمر بأنه "حظ رائع، فطلاب جامعة دمشق ينتمون إلى شرائح المجتمع المختلفة، وتتميز بجو ثقافي ومنفتح قلما نجد مثله في عمان. أمضيت حوالى عامين وسط المسارح ودور السينما والحلقات الثقافية، وكنت من مؤسسي فرقة موسيقية وجوقة غنائية في الجامعة. دمشق تعني لي الكثير".

في عامها الجامعي الثالث، عادت نحاس إلى الأردن وأتمت دراسة الترجمة. وخلال تلك السنوات، انضمت إلى فرقة "النغم الأصيل"، حيث أصبحت مغنيتهاالأساسية وهي تؤدي أغنيات لفيروز وأميمة الخليل ومارسيل خليفة في حفلات متنوعة ضمن المحافظات الأردنية وأيضاً في مهرجان جرش.

خطوة أخرى قادت الفنانة إلى بيروت، لتبدأ هناك مشواراً فنياً غنياً. عام 1999، شاركت نحاس في مسابقة أجمل صوت على محطة MBC عبر الهاتف، ووصلت إلى مرحلة التصفيات النهائية في بيروت. وعلى الرغم من عدم فوزها في المسابقة، إلا أن تلك الرحلة فتحت أمامها آفاقاً جديدة غير متوقعة، حيث سجلت أول أغنية لها في استديو إذاعة صوت الشعب من كلمات خالد الهبر وألحان أسامة الخطيب.

"انتشرت الأغنية وكان عنوانها مهضوم كتير عبر أثير الإذاعة، وأثارت تساؤلات الناس حول هوية هذا الصوت الجديد، والأهم أنها قادتني إلى لقاء الفنان زياد الرحباني في منزله، حيث أبدى إعجاباً بصوتي الذي شبهه بصوت السيدة فيروز. وأنا كنت طايرة من الفرح".

حينذاك، قررت نحاس البقاء في بيروت لدارسة الغناء الشرقي في المعهد العالي للموسيقى، وبقيت في لبنان ستة أعوام تصفها بأنها من أغنى التجارب التي عاشتها وأجملها.

"كانت سنوات زاخرة بالحفلات داخل الجامعات والنوادي الجامعية، وفي المخيمات الفلسطينية والمدن اللبنانية المختلفة. بدأت تشكيل النمط الخاص بي، ولأنني كنت معجبة بالتراث، خصوصاً العراقي وأهتم بإحيائه وغنائه، قررت التوجه إلى بغداد لتسجيل أول ألبوم خاص بي، ففي بيروت كان من الصعب العمل على هذا التراث بطريقة تحافظ على هويته".

أردنية في العراق

سافرت نحاس إلى العراق عام 2000 مع والدها، والتقت قائد الأوركسترا العراقية محمد أمين عزت الذي ساعدها في اختيار الأغاني وتوزيعها. "أثار وجودي في العراق ورغبتي في تسجيل أغانٍ تراثية، استغراب كثيرين يعتقدون أن العمل على التراث هو مرحلة ثانية تلي تسجيل ألبومات خاصة. بالنسبة إلي التراث هو المصدر الأساسي، لذلك قررت الانطلاق منه"، تقول الفنانة في حديثها.

تلك الأغنيات شكلت مادة الألبوم الأول لنحاس، والذي عنونته "كان يا ما كان"، فإنتاجه بعد الحرب العراقية، وعدم معرفة الفنانة مصير الموسيقيين الذين شاركوها هذا العمل دفعاها إلى إطلاق تلك التسمية. وهي تتمنى ألا تكون الحرب قد مستهم بسوء. "انتشر الألبوم بسرعة عبر الإنترنت وراسلني عراقيون يعيشون في المهجر كي أرسل إليهم نسخاً منه. كثر لم يصدقوا أنني أردنية وكانوا على يقين بأنني عراقية واعتبروا هذا العمل جرأة كبيرة مني".

الحرب التالية في العالم العربي عام 2006، في لبنان منعت نحاس من العودة إلى بيروت، فقررت الاستقرار ومتابعة العمل من عمان.

أقوال جاهزة

شارك غردنحن منكسرون من الداخل ومن الخارج، والفن هو الذي يعيد إلينا الألق ويخاطبنا في كل لحظة: لا تستسلموا، تذكروا حقيقتكم وأحاسيسكم وتاريخكم وحضارتكم من دون زيف أو تجميل

شارك غردمداواة الانكسارات واسترجاع هوية الإنسان العربي الحقيقية، رسالة الفنانة الأردنية مكادي نحاس

شارك غردالإهمال الثقافي في الأردن يدفع بكثرٍ إلى ممارسة فنهم وملاحقة أحلامهم خارجه بحثاً عن مستويات جديدة من التفكير

ألبومات أخرى. نمط جديد

الألبوم الثاني كان بعنوان "خلخال" عام 2007، جمعت فيه نحاس أغنيات من تراث بلاد الشام، تبعه ألبوم "إلى سالم"، وكان تحية إلى والدها بعد وفاته عام 2011، حيث تضمن أغنياتها كافة حتى المغناة دون آلات موسيقية.

في رابع ألبوماتها، اختلف توجه الفنانة، حيث سجلت أغنيات للأطفال في أسطوانة حملت اسم "جوا الأحلام"، وهو ما تحدثت عنه بقولها: "أثناء عملي التطوعي ضمن مراكز أردنية تهتم بالأطفال، صدمت من نمط الموسيقى المشوه الذي يستمعون إليه في التلفاز والإذاعة، والذي يبعدهم بشكل أو بآخر من طفولتهم. قررت تأليف "جوا الأحلام"، وتوزيعه على تلك المراكز بالتعاون مع وزارة الثقافة وأمانة عمان في محاولة لتغيير ثقافة الأطفال الموسيقية".

أما الألبوم الأخير، والذي صدر عام 2014، فحمل عنوان "نور" واختلف بعض الشيء عن سابقيه، فأغنياته بمعظمها من تأليف نحاس وتلحينها، وتعاونت فيه مع شعراء وموسيقيين سوريين ولبنانيين، منهم عدنان العودة وهاني نديم ويزن الهجري ومايك ماسي، كما لحنت نصاً للشاعر الفلسطيني محمود درويش، ونصاً آخر من كلمات جدتها تخليداً لذكراها. "ألبوم نور خلاصة تجربتي الفنية منذ البداية وحتى اليوم".

تتحدث نحاس عن نمطها الموسيقي، حيث تصف تجديدها الأغاني التراثية بأنه توليفة موسيقية تحافظ على الروح نفسها من دون تغيير اللحن أو القالب، وإنما بتوزيع مبتكر مع آلات جديدة بعضها غربي كالغيتار والبيانو، يجدد القالب الشرقي البحت من دون المساس بجوهره.

نعم، للفن الملتزم مكان

 

تشعر نحاس بالحزن والأسف على المشهد الثقافي العربي اليوم، والذي تصفه بأنه غير صحي، مع تكرار الوجوه نفسها منذ أعوام طويلة، وإصرار شركات الإنتاج على تبني نوع واحد من الفن دون غيره، لاعتقادها أنه المصدر الوحيد للربح.

"طريق الفن الذي نقدمه صعب وشائك، فشريحة واسعة من الناس لم تعد تتذوق سوى الفن التجاري وفقدت الثقافة والوعي اللازمَين لاختبار أنماط جديدة، وهو ما أراه نهجاً مقصوداً ومتعمداً إلى حد ما. عندما نبيع الناس الخبز العفن كل يوم سيعتقدون بعدم وجود نوع آخر من الخبز وسيقتنعون به، لا بل سيتناولونه بكل رضا".

مواقع التواصل الاجتماعي والمشاريع الفنية المشتركة تشكل اليوم فرصة أمام نحاس وفنانين آخرين يشاركونها توجهها الفني الملتزم لاختبار تجارب جديدة، والتواصل مع الجمهور بشكل مباشر ويومي وأكثر قرباً، ولعل الفن التجاري مفيد في بعض الأحيان هنا، حيث يفسح في المجال للمقارنة والتمييز وتفضيل نوع من آخر مع انفتاح الجمهور على جميع هذه التجارب الفنية الجديدة.

الأردن والعالم العربي

بعد هذه التجربة الغنية، يبقى الأردن بموسيقاه وتراثه ومعانيه حاضراً في فن مكادي نحاس، حيث يضم مخزونها الموسيقي أغاني تراثية وأخرى خاصة تتحدث عن البلد وأهله وناسه، "فالأردن بلدي حيث أعيش ويعيش أهلي وأمتلك ذكريات لا تحصى. هو المكان الذي لا يستطيع أحد فيه محاسبتي أو المساس بي وبعملي".

ولأنه بلدها، تتمنى نحاس أن ترى مشهداً ثقافياً واجتماعياً أفضل في الأردن، وأن تتم رعاية شباب مبدع يملك شيئاً مختلفاً خارج إطار القوالب التقليدية، يود الحديث عنه، وكذلك أنماط المسرح الجديدة التي تحكي عن هموم الأردنيين وأحلامهم، وليس تلك المعلبة، والتي لا قيمة فنية لها.

"الإهمال الثقافي في الأردن يدفع بكثرٍ إلى ممارسة فنهم وملاحقة أحلامهم خارجه، بحثاً عن مستويات جديدة من التفكير والطموحات والآمال، وأخشى من أنني بدأت التفكير في الرحيل للحياة في بلد آخر، حيث أجد صعوبة في تحقيق طموحاتي الفنية هنا مع اهتمام وزارة الثقافة والهيئات الثقافية بما هو بعيد من توجهاتي في هذا المجال".

"أخشى من أنني بدأت التفكير في الرحيل للحياة في بلد آخر، حيث أجد صعوبة في تحقيق طموحاتي الفنية هنا مع اهتمام وزارة الثقافة والهيئات الثقافية بما هو بعيد من توجهاتي في هذا المجال"

خارج الأردن، وبعد الغناء في دول وعواصم عربية وأوروبية عدة، منها فلسطين والكويت والبحرين وتونس والجزائر وهولندا وكندا وبلجيكا وبريطانيا، تحلم نحاس اليوم بالغناء في بغداد التي احتضنت المشروع الغنائي الأول لها، وأيضاً في دمشق التي عاشت فيها مرحلة ثقافية في غاية الأهمية.

وتتمنى الفنانة لو أن الحرب لم تطاول العراق ولبنان، فلربما شكل واحد منهما بالنسبة إليها وجهة محتملة للاستقرار بعد عمان. "لم يعد لدينا مكان في الشرق الأوسط نتمكن فيه من ممارسة حريتنا الثقافية وتنميتها ونشرها. الحياة في عالمنا العربي باتت محزنة بل مزرية، لذلك أسمي الفن الأمل الذي يمكنه أن يعيد شعلة الحياة إلينا".

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

كلمات مفتاحية
الأردن الفن

التعليقات

المقال التالي