"أدوار" الشيخ المسلوب، الموسيقي المبدع الذي ساهم في صناعة تراث غنائي مصري محلي

"أدوار" الشيخ المسلوب، الموسيقي المبدع الذي ساهم في صناعة تراث غنائي مصري محلي

ليس هنالك سجل واضح لمسيرة الشيخ المسلوب الفنيّة. هنالك فقط بضعة ألحان له تتردد بأصوات من جاؤوا بعده، وتأثروا بفنّه، كما أنّ التراث الموسيقي المصري مدين له، لأنه طوّر وجدّد في التلحين والغناء، وفي أشكال الموسيقى، وعلى رأسها "الدور".

من الكتّاب والموالد في الصعيد إلى دراسة الموسيقى الشرقية في القاهرة

في مدينة قنا في الصعيد، ولد محمد عبد الرحيم (بحسب التاريخ المتفق عليه) سنة 1793، وفي فترة من حياته عُرف بلقب "الشيخ المسلوب". علماً أن التواريخ لم تترك لنا تفسيراً لأصل التسمية وظروف منحها، ولكن ما يعرف عنه أنّه عاش حياة مثيرة حتى وفاته سنة 1928، فشهد القرن التاسع عشر وعصر النهضة أيّام حكم محمد علي (بين عامي 1805 و1840)، والثلث الأول من القرن العشرين.

حتى بداية القرن العشرين، كانت الكتاتيب هي الشكل السائد للتعليم في مناطق عدة من العالم الإسلامي، بينها مصر وصعيدها. وقد تلقّى الشيخ المسلوب تعليمه في الكُتّاب، فدرس أساسيات القراءة والكتابة علم الحساب، بالإضافة إلى حفظ القرآن. وكان صاحب ذائقة فنية تكوّنت مع سماع المنشدين الجوالين، وحضور مولد سيدي عبد الرحيم القناوي، أحد أكبر الموالد في الصعيد.

لم تكن الموالد في مصر احتفالاً دينياً فحسب، بل أخذت أيضاً جانباً ترفيهياً وفنياً، ويعود الفضل لها في الحفاظ على الفنّ المصري الشعبي وإحيائه، إذ كانت تقام الحلقات التي تُروى فيها السِيَر الشعبية، ومن أكثرها انتشاراً في الصعيد، سيرة الظاهر بيبرس والسيرة الهلالية وسيرة عنترة بن شداد.

كما كانت تقام في الموالد حلقات للغناء وخاصةً الموال الشعبي بجميع أنواعه، وعلى رأسها الموال الملحمي، وهو، كما يقول عنه الدكتور زين نصار في كتابه "عالم الموسيقى"، موال يستخدم في سرد أحداث قصصية تروي بطولات معروفة، منها ما يتعلق بالحب والغزل والسياسة. وقد تصل شطرات بعض هذه المووايل إلى 400 شطرة ومن أشهر المواويل (أدهم الشرقاوي—ياسين وبهية—شفيقة ومتولي). هذا بالطبع بالإضافة إلى الإنشاد الديني، والمدائح النبوية والتي كانت تؤدّى في الموالد، وفي الأيام العادية.

لاحقاً، انتقل الشيخ المسلوب إلى القاهرة لكي يكمل تعليمه في الأزهر، وهناك تعرّف على مجموعة من الدارسين المهتمين بالموسيقى، فكانوا يؤلفون القصائد والأزجال ويلحنونها، وعلى أيديهم تعلّم وتدرّب قبل أن يدرس الموسيقى الشرقية، ومن ثمّ التلحين والغناء.

هنا نموذج من "أدوار" (مفردها "دور") للشيخ المسلوب، من مكتبة صديق إلياس عويكة الموسيقية – اللاذقية، سوريا:

يقول الدكتور زين نصّار، أستاذ النقد الموسيقي في أكاديمية الفنون بالقاهرة، إنّ تعليم الموسيقى في تلك الفترة كان يتم على يد أحد المحترفين، إذ لم تكن هناك أماكن لتعليم الموسيقى. ويضيف أنّ الموسيقى كان لها شيخ طائفة، كأغلب المهن في ذلك الوقت، هو المسؤول عن السماح بمزاولة المهنة، وجمع الضرائب من مزاوليها وإعطائها للحكومة. وفي إحدى الفترات، كان الشيخ المسلوب هو رئيس طائفة الموسيقيين، أي ما يعادل نقيب الموسيقيين حالياً.

ويعلّق نصّار بأنّ المتاح عن الشيخ المسلوب قليلٌ، بسبب عدم وجود تدوين لسيرته، حتى أن سرّ لقبه "المسلوب" غير معروف.

سيّد درويش عبقرية موسيقية، ولكنه بنى على إبداع من جاء قبله

لا ينكر أحد أنّ سيد درويش هو من العبقريات في تاريخ الموسيقى الشرقية، وأنّه بمثابة "طفرة" موسيقية لا تزال منهلاً للموسيقيين، ولكنه اعتمد على إبداع من سبقوه من الفنانين الذين تم إغفال ذكرهم.

ولعل غياب أسماء أولئك المبدعين يعود لأكثر من سبب، أهمها عدم وجود تدوين موسيقي لأغلب أعمالهم، إمّا لأنهم كانوا أميين أو لأنهم لم يتلقوا أيّ تعليم موسيقي. ومن العوامل التي حالت دون شهرتهم عدم تمكنهم من تسجيل أعمالهم، لافتقارهم لأدوات التسجيل. لذا لم يصلنا من أعمالهم إلا القليل الذي تمّ تناقله سماعياً، ويُعامل على أنه من الفلكلور.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف انتقلت الموسيقى المصرية من التأثير التركي في القصور والسرايا إلى محاكاة المزاج الشعبي المصري المحلي

شارك غرد"الدور" قالب من قوالب الغناء المصري، ظهر في القرن 19م، كلماته نوع من الزجل وموضوعه الغزل والتشبيب

من القصور والسرايا إلى المزاج الشعبي المصري المحلي

في ظلّ الحكم العثماني لمصر، سادت الموسيقى التركية التي امتازت بزخارفها الشديدة، وكانت تتطلب جهداً وتكلفاً في الأداء، مما كان يرهق أصوات المطربين، بحسب قول عزيز الشوان في كتابه "الموسيقى للجميع". ومع أنّ هذا النوع من الموسيقى والغناء كان شائعاً في القصور والسرايا، فلم ينتشر انتشاراً واسعاً في المجتمع، لأنّه لم يتفق مع المزاج الشعبي الذي كان يفضل الموال، وأغاني الصهبجية، والموسيقيين الجوالين.

من هذا المنطلق، يمكن تلمّس أهمية ما قدمه الشيخ المسلوب، الذي شبّ على تقدير الموسيقى الشعبية قبل أن يحترف التلحين والغناء، مما مكنّه من صناعة موسيقى تحاكي الحسّ الشعبي. وقد غيّر الشيخ المسلوب من شكل الألحان التركية السائدة، واعتمد على الموسيقى المصرية الخالصة في التلحين والغناء، كما فعل في "الدور" على سبيل المثال، و"الدور" قالب من قوالب الغناء ظهر في أوائل القرن التاسع عشر، وكلماته زجلية.

علماً أن تجديد الشيخ المسلوب جاء في المرحلة الثانية في شكل الدور، الذي مرّ، بحسب تصنيف الخبراء، بأربع مراحل: المرحلة الأولى شهدت عصر الخضراوي والمقدم، وكان الدور يتكون من مذهب ومجموعة من الأغصان بكلمات مختلفة تؤدّى بلحن واحد، ولا يشترك فيها مرددون مع المطرب. للمثال دور "يا حليوة يا مسليني":

أمّا المرحلة الثانية فقسّم فيها الشيخ المسلوب الدور إلى قسمين، الأول يتكون من شطرين، والثاني من غصنين على الأكثر. ويبدأ اللحن بنغمات من الشطرة الأولى من المذهب على كلمات مختلفة، ثم يتابع بأداء بعض الجمل في إطار المقام الأساسي، وينتهي الغصن الثاني بتكرار الشطرة الثانية من المذهب بكلمات مغايرة، ومن الأمثلة على هذه المرحلة، دور "العفو يا سيد الملاح":

المرحلة الثالثة هي مرحلة محمد عثمان، وتعتبر ذروة تطور الدور، إذ حافظ على شكل دور الشيخ المسلوب، وأضاف إليه الإيقاع المصمودي الكبير، وأدخل الآهات إلى القسم الثاني منه، فضلاً عن الحوار بين المغني والمنشدين، أي ما يعرف عند أهل الصنعة بـ"الهنك".

وأخيراً، المرحلة الرابعة وهي الأشهر، لمع فيها سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وامتازت بالتعبير عن المعنى بما يناسب روح الشعر وتجاوزت التطريب وإظهار البراعة، إلى الانتقال بين المقامات الموسيقية، محاولةً تصوير المعاني كما فعل سيد درويش في دور أنا هويت وأنا عشقت.

سار على نهج الشيخ المسلوب الكثير من المطربين كمحمد عثمان وعبده الحامولي. ولم يجدد الشيخ المسلوب في الدور فحسب، بل جددّ أيضاً في الطقطوقة والموشح، واعتبر لحنه في أغنية "يا حليوة يا مسليني" أيقونة في الغناء، حتى أن زكريا أحمد استلهم منها لحن "حبيبي يسعد أوقاته" لأم كلثوم.

التعليقات

المقال التالي