ساميون ويهود وإسرائيليون وعبرانيون: نبذة عن المسميات المختلفة للشعب العبري

ساميون ويهود وإسرائيليون وعبرانيون: نبذة عن المسميات المختلفة للشعب العبري

أعادت أحداث سياسية عدة في الفترة الأخيرة، من بينها قرار الرئيس الأميركي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، التساؤل القديم المتعلق بالعلاقة التاريخية ما بين اليهود وأرض فلسطين، كما لفتت أنظار الكثيرين للضبابية التي تحيط بتاريخ اليهود وبتسمياتهم المختلفة التي وردت في الكتب المقدسة من جهة وفي المصادر التاريخية من جهة أخرى.

يعرج هذا المقال على بعض من أهم المصطلحات والمسميات التي ارتبطت بالشعب اليهودي قديماً وحديثاً، وأهم الفروقات والتمايزات فيما بينها.

السامية: الكلمة القديمة التي أخذت دلالتها في القرن التاسع عشر

من أكثر المصطلحات المعاصرة استخداماً للإشارة لليهودية، هو مصطلح السامية، الذي يرتبط بشكل وثيق بالعرق اليهودي تحديداً، لدرجة أن معاداة السامية، صار يُقصد بها اليوم معاداة اليهود.

كلمة السامية، ترجع في أصولها الأولى لواحدة من أشهر الشخصيات الدينية التي وردت في الكتاب المقدس وفي عدد من الأحاديث النبوية كذلك، وهي شخصية سام بن نوح.

ورد اسم سام في العديد من المقاطع في سفر التكوين، حيث تمت الإشادة به في الكثير من المرات، وكانت أهمها على الإطلاق ما ورد في الإصحاح التاسع «مُباركٌ الرَّبُّ إِلَهُ سَام. وليكُنْ كنعانُ عبداً لهُ".

شجرة عائلة نوح ويظهر فيها سام ابنه

بموجب تلك الجملة اعتبر سام أهمّ أبناء نوح وأعظمهم على الإطلاق، وارتبط ذلك بالاعتقاد بتفوقه على باقي أخوته، وامتداداً لذلك، كسب أبناءه بالتبعية درجة أهم من بني عمومتهم جميعاً.

ولا نغفل هنا أمراً هاماً، ألا وهو أنّ هذه المعتقدات، ككافة الأنساب التي تعتمدها الروايات الدينية، تتبنى مفهوم "شجرة الأصل"، أي أنها، إذا ما فسرت بشكل حرفي، تقوم على إلغاء آلاف التأثيرات والأصول، في محاولة لتجريد "النسب" إلى خطّ واحد، وتسلسل غير منقطع يعود عبر القرون والتواريخ—الموثق منها والمروي دينياً— إلى شخص واحد. وهو نسق من فهم الأصل والنسب تنتقده دراسة التاريخ والمنظور الثقافي، وكذلك علم الوراثة الأثري، فكلها تدعونا إلى إعادة النظر فيه، حيث أنّها تؤكد بأنّ لكل شخص منّا أصول لا تعد ولا تحصى وبأننا نجمع في تكويننا عناصر من ثقافات وأعراق وأديان امتزجت واختلطت عبر العصور.

وفي كتابه الشهير ديانة الساميين، يُعرف المؤرخ الإسكتلندي روبرتسن سميث، الشعوب السامية، بأنها هي "تلك المجموعة من الشعوب التي تنتمي إلى أصل واحد، وتشمل العرب والعبرانيين والفينيقيين والأراميين والبابليين والأشوريين والتي سكنت منذ القدم شبه الجزيرة العربية الكبرى بما فيها أراضي سوريا وبين النهرين والعراق من شواطئ المتوسط إلى سفوح جبال إيران وأرمينيا".

ورغم أن الاعتقاد التوراتي التقليدي يتفق مع الاعتقاد الإسلامي، على أن العرب واليهود ينحدران معاً من ذرية سام، إلا أنه وبحسب ما يذكره الباحث لورانس دافيدسون في كتابه الإبادة الثقافية، فإنه وتحديداً منذ أواسط القرن التاسع عشر، قد بدأ تخصيص مصطلح السامية للإشارة إلى اليهود الذين يعيشون في أوروبا، ويعانون من الاضطهاد الديني الذي تفرضه المجتمعات الأوروبية عليهم.

ومع وصول أدولف هتلر إلى الحكم في عام 1933م، وما رافق ذلك من تصاعد لنزعة تمجيد العرق الآري في ألمانيا، استقر مدلول كلمة السامية كمصطلح عرقي يكافئ ويضاد مصطلح الآرية، وبدأ الحديث عما أشتهر بمعاداة السامية، والتي صارت تعني معاداة اليهودية.

العبرانيون: الشعوب البدوية المهاجرة من أرض الرافدين إلى فلسطين

في الكثير من الأوقات يُطلق اسم العبرانيين على اليهود، لدرجة أن لغتهم تعرف باللغة العبرية، كما يعرف الشعب اليهودي بالشعب العبري.

مخطوطة عبرية

أصل تسمية العبرانيين يحيط بها الكثير من الشكوك والأقوال المتضاربة، ففي سفر التكوين ورد اسم أحد أجداد اليهود الكبار وهو عابر ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وعابر هذا هو الذي رجح ابن كثير في البداية والنهاية أنه هو نفسه نبي الله هود الذي ذكر أكثر من مرة في القرآن الكريم.

من جهة أخرى، فإن الدكتور أحمد شلبي في كتابه اليهودية، يقدم رأياً آخر، فهو يرى أن تسمية العبرانيين قد اشتقت من حياة النبي إبراهيم، الذي عبر في خلال رحلته من العراق إلى فلسطين عدداً من الأنهار، لعل أهمها نهري الفرات والأردن.

أما الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه تاريخ اللغات السامية، فيرجح أن لفظة عبري ليست خاصة بإبراهيم بقدر ارتباطها بالشعوب السامية التي تحركت وهاجرت من بلاد الرافدين إلى جنوب الشام، وأنه لما كانت تلك الشعوب هي شعوب بدوية قبلية تعتمد على التنقل والترحال من مكان لآخر، فإن الاسم الذي عرفت به قد اشتق من لفظة عبر، التي تدل على الهجرة وقطع الأراضي والفيافي.

وتُعد أقدم الإشارات التاريخية التي ذكرت العبرانيين، هي تلك التي وردت في رسائل تل العمارنة والتي ترجع لأواسط القرن الرابع عشر قبل الميلاد، حينما أرسل بعض الولاة التابعين لمصر، إلى امنحتب الرابع (أخناتون) لإبلاغه بهجوم قبائل العابيرو أو الخابيرو عليهم، طالبين منه الإسراع في تقديم المساعدات إليهم.

معنى ذلك كله، برأي ولفنسون، أنّ لفظة العبرانيين لا تعبر بشكل دقيق عن اليهود أو الإسرائيليين، ولا تصف مجموعة عقائدية أو عرقية على وجه التحديد، بل إنها على الأرجح تشير إلى حركة هجرات بشرية كبرى تمت منذ ما يزيد عن الثلاثة ألاف عام، وكانت محصلتها النهائية استقرار عدد من الشعوب المختلفة في فلسطين، وكان من أهم تلك الشعوب الآراميون والعموريون والأموريون بالإضافة إلى الشعب الإسرائيلي.

أقوال جاهزة

شارك غرديعرّف البعض الشعوب السامية بأنها "العرب والعبرانيون والفينيقيون والآراميون والبابليون والآشورين"

شارك غردلفظة "العبرانيين" لا توصف مجموعة عقائدية أو عرقية على وجه التحديد، بل تصف حركة هجرات بشرية كبرى قبل ثلاثة ألاف عام

إسرائيل: اسم النبي الذي تحول لاسم الدولة

من أكثر الأسماء التي التصقت باليهود على مدار التاريخ، هي تسميتهم ببني إسرائيل، حتى أن تلك الكلمة قد عرف بها الكيان السياسي الذي أقاموه على أرض فلسطين عام 1948م.

إسرائيل هو الاسم الذي اشتهر به النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وتكاد جميع المصادر الدينية الإبراهيمية تتفق فيما بينها على أن هذا الاسم خاص بيعقوب وأنه لم يطلق على أحد غيره.

الإشكالية الحقيقية تكمن في تفسير معنى ذلك الاسم، ذلك أن اليهودية والمسيحية من جهة والإسلام من جهة أخرى، نظرت إلى يعقوب بشكل مختلف بحيث أعطي الاسم تفسيراً مختلفاً في كلّ منها.

فيما يخص اليهودية والمسيحية، فقد ورد تفسير اسم إسرائيل بشكل واضح في سفر التكوين، عندما ورد أن يعقوب قد مُنح هذا اللقب من الله، بعدما صارعه وجاهده، فاستحق أن ينال هذا الاسم الذي يعني قوي مع الله أو الذي جاهد مع الله.

لوحة الرسام الفرنسي أوجين ديلاكروا تعرض صراع يعقوب مع الرب

أما في الإسلام، فقد ورد اسم إسرائيل أكثر من مرة في القرآن الكريم والحديث النبوي، ولم ترد تفسيرات مباشرة لذلك الاسم، وهو الأمر الذي جعل عدداً من المفسرين والعلماء المسلمين يحاولون البحث عن تفسير لغوي له يتفق مع النظرة الإسلامية العامة التي تنزه الإله وتنظر بعين التقديس والاحترام للأنبياء والرسل.

من تلك التفسيرات، تفسير مجمع البيان للطبرسي، الذي ورد فيه أن إسرائيل تنقسم إلى مقطعين، وهما "إسرا" بمعنى عبد، و"إيل" والتي تشير إلى الله، وكذلك قال البعض الآخر، بحسب الشيخ محمد حسان، أنّ مقطع "إسرا" مشتق من الإسراء، واستشهدوا على ذلك بما تواتر عن إسراء الله بيعقوب ليلاً.

فإذا ما ابتعدنا عن الكتب الدينية المقدسة والتفتنا للمصادر التاريخية، لوجدنا أن أقدم ذكر للشعب الإسرائيلي، يتمثل في لوحة مرنبتاح التي تعود للقرن الثالث عشر قبل الميلاد (والتي يحفظها لنا المتحف المصري في القاهرة). بحسب المؤرخ الفرنسي فلندرز بتري، الذي اكتشفها في الأقصر عام 1896م، الكلمة الواردة في آخر أسطرها هي لفظة إسرائيل، وإن كانت هناك ترجمات أخرى لنفس الكلمة، حيث يرى عددٌ من علماء المصريات أنها تشير إلى مدينة وواد شمال كنعان، ويعتقد البعض الآخر بأنها تعبير يصف ليبيا متابعة لما ورد قبلها في النص.

اليهود: الاسم الأكثر شهرة

من المؤكد أن اسم اليهود هو الاسم الأشهر لتلك المجموعات البشرية التي يعيش جزء كبير منها حالياً في فلسطين، ويتواجد الجزء الآخر منهم في شتى البلدان والدول حول العالم. تعود أصل كلمة يهود إلى يهوذا، وهو يهوذا بن يعقوب، وكان أحد الأسباط الإثناعشر الذين دخلوا مصر مع يعقوب ويوسف بحسب سفر التكوين.

يهوذا: لوحة لفرانشيسكو دي زورباران  يهوذا: لوحة لفرانشيسكو دي زورباران

يذكر العهد القديم في الكثير من مواضعه أهمية سبط يهوذا عن باقي الأسباط، فقد حظي هذا السبط تحديداً بمباركة كل من يعقوب ومن بعده موسى، كما أنه كان السبط الأكثر تكاثراً وعدداً وقوة من بين جميع أسباط بني إسرائيل.

وفي رواية العقد القديم، بعد دخول اليهود فلسطين في عهد يشوع بن نون، تم تقسيم الأرض على كل سبط، واستطاعت عشيرة يهوذا أن تفرض سيطرتها شيئاً فشيئاً، وأن تدعم من قوتها ونفوذها، وهو ما وضح في عصر الملك داوود وابنه سليمان اللذان كانا من أحفاد يهوذا.

بعد انقسام المملكة الموحدة عقب وفاة سليمان، وقع الانقسام بين أسباط بني إسرائيل، فأقيمت الدولة الشمالية المعروفة باسم إسرائيل وتكونت من جميع الأسباط تقريباً. بينما أقامت عشيرة يهوذا الدولة الجنوبية التي عُرفت بالاسم ذاته.

ولما كان عمر دولة يهوذا أطول من أختها الشمالية التي تم تدميرها على يد الأشوريين في 697 ق.م، فإن العادة قد جرت بعدها على نسبة جميع ذرية الأسباط الإثناعشر إلى يهوذا، فصارت تسمية يهودي تسمية عامة على جميع الإسرائيليين الذين يشتركون في خلفيات عقائدية وتاريخية وفكرية معينة. 

الصهيونية: الحركة السياسية الأكثر قوة وتأثيراً بين اليهود

يستمد مصطلح الصهيونية —مثله مثل مصطلح السامية—مادته اللغوية من اسم ديني قديم، وإن كان المصطلح نفسه لم يأخذ دلالته المستقرة إلا في العصر الحديث. يًنسب مصطلح الصهيونية إلى جبل صهيون، الذي يقع جنوب غرب مدينة القدس، وتُعتبر تلك البقعة بالذات أحد أهم المناطق المقدسة عند اليهود، لأنها باعتقادهم المكان الذي بنى فيه سليمان هيكله ونقل إليها تابوت العهد.

وقد ورد ذكر جبل صهيون في عشرات المواضع في الكتاب المقدس، وارتبط بذكريات وأحداث مهمة وعظيمة في التاريخ الإسرائيلي.

كل تلك العوامل احتشدت وتضافرت مع بعضها البعض في أواخر القرن التاسع عشر، لاختيار تلك البقعة الجغرافية تحديداً مكاناً لحركة سياسية دينية ترى أنه يفترض على جميع اليهود في شتى بقاع العالم، أن يرفضوا الاندماج في مجتمعاتهم وأن يعودوا مرة أخرى إلى ما اعتبرته وطنهم الأصلي في فلسطين.

الحراك الصهيوني ابتدأ بشكل عملي على يد المفكر اليهودي النمساوي تيودور هرتزل، عندما تم عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897م، حيث بدأت الدعوة بشكل صريح لحشد التبرعات والمساعدات المادية والسياسية للتأثير على الدولة العثمانية وإجبارها على تسليم أرض فلسطين لليهود.

معنى ذلك، كما هو معروف لأغلبية الناس، ولكن لا ضير في التأكيد عليه، أن الصهيونية ليست مرادفاً لليهودية، وأن كون الفرد يعتنق الديانة اليهودية، أو يعتبر نفسه يهودياً، أو ينتمي لأسرة يهودية، لا يلزم بالضرورة أن يكون صهيوني المعتقد، والأمثلة كثيرة، لعل أشهرها حركة ناطوري كارتا، والتي يعني اسمها حراس المدينة، وهي حركة سياسية معارضة للصهيونية بشكل كامل تم تأسيسها في سنة 1935، وتعارض إقامة وطن لليهود في فلسطين، وتدعو الإسرائيليين للرحيل إلى بلادهم الأصلية التي هاجروا منها، كما تنادي بخلع أو إنهاء سلمي للكيان الإسرائيلي.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي