ماذا يعني أن نفهم آيات القرآن في سياقها التاريخي؟

ماذا يعني أن نفهم آيات القرآن في سياقها التاريخي؟

إذا فتحنا المصحف وقرأنا: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم" (البقرة: 120)، ثم قرأنا: "ولتجدن أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى" (المائدة: 82)، سنقع في حيرة لأن الفهم الحرفي للنصين يظهر تناقضاً.

يختار الداعون إلى التعايش بين الأديان الآية الثانية، أما الرافضون للآخر فيرجحون الآية الأولى. ولكن يختفي التناقض إذا فهمنا كل آية وفق سياقها التاريخي. فمن الخطأ انتقاء إحداهما على أنها مقصد القرآن.

مناهج فهم القرآن السائدة

يقول الباحث في الدراسات القرآنية جمال عمر لرصيف22 إن مناهج المفسرين في فهم القرآن تختلف في ما بينها، فمنها التفسير الحرفي للكلمات والآيات وفق ترتيبها في المصحف وهو السائد، أو التفسير باختيار موضوع وتتبعه على طول النص القرآني، مثلما فعل محمد خلف مع موضوعي الجدل والقصص، أو تفسيرات السور وفق ترتيبها التاريخي لا بترتيب ورودها في المصحف مثل تفسير محمد دروزه، بجانب التفسيرات الحديثة التي تراعي السياق التاريخي.

ويؤكد أستاذ اللغة العربية المشارك بجامعة الأزهر عبد الباسط سلامة هيكل لرصيف22 أن "تفسير القرآن ارتبط بفهم المفسر وبيئته". فابن كثير يفسر "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" (الفاتحة: 7) بأنهم اليهود والنصارى، في حين أن الزمخشري يرى أنهم من ضلوا عن الصراط المستقيم الذي ذكره الله.

وعرف التفسير الحرفي مقاربات تاريخية عدة، منها: أسباب النزول وهي مرويات عن سياق نزول آيات معينة تعين المفسر على فهم المعنى، كما عرف ظاهرة النسخ وهو "رفع الشارع حُكماً متقدماً بحكم متأخر".

وينقسم النسخ إلى نسخ الحكم مع بقاء التلاوة مثل نسخ حكم آية "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج" (البقرة: 240) الذي حدد عدة من توفي زوجها بعام، لتصبح أربعة أشهر وعشرة أيام، وفقاً لآية "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً" (البقرة: 234)، إضافة إلى نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، ونسخ التلاوة والحكم معاً، كما ذكر كتاب "علوم القرآن" ليوسف المرعشلي.

إلا أن الباحث جمال عمر يرى أن هذه المقاربات التاريخية كانت لأجل الاستخدام الفقهي، وليس كمنهج لفهم القرآن. فقد رجح الفقهاء آية "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29)، في فقه القول بالبدء بالقتال، بدلاً من فهم الآيات في سياقها وهو حماية المسلمين أثناء تأسيس الدولة، ما يعني انتفاء الحاجة للقتال بتحقيق الأمن.

أقوال جاهزة

شارك غردمن الأخطاء الشائعة في فهم آيات القرآن الكريم البحث عن معنى الكلمة المعجمي منفرداً، واختيار الدلالة التاريخية المتأخرة

شارك غرد"نحتاج للتعامل مع القرآن كوحدات خطابية، بمعنى ألا نفسره كلمة كلمة، وآية آية، ولا نفسر السورة كاملة، بل نختار مجموعة آيات تشكل خطاباً مرتبطاً بموقف، أو سياقاً ونفسرها"

أزلية القرآن أم خلقه؟

في كتابه "مفهوم النص/ دراسة في علوم القرآن" يقول نصر حامد أبو زيد: "ظاهرة النسخ تثير في وجه الفكر الديني السائد والمستقر إشكالية هي، كيف يمكن التوفيق بين هذه الظاهرة بما يترتب عليها من تعديل للنص بالنسخ والإلغاء، وبين الإيمان الذي شاع واستقر بوجود أزلي للنص في اللوح المحفوظ؟"، ومعنى الوجود الأزلي للقرآن هو أنه كان موجوداً كاملاً كما هو بنصّه منذ قديم الزمان.

لذلك مثلاً، قال المعتزلة، وهم فرقة من المتكلمين، أعلوا من شأن العقل وقالوا إن الله عادل في قضائه، لذا فالإنسان حر في إرادته ويتحمل مسؤولية أفعاله، بخلق القرآن.

وقال القاضي عبد الجبار إن القرآن مخلوق محدث مفعول وإنه غير الله عز وجل وإن "إحداثه بحسب مصالح العباد". والقصد من أنه مخلوق هو أن صياغته لم تكن موجودة منذ الأزل بل نزلت على النبي في عهده بما يراعي البيئة التي توجّه إليها.

وقول المعتزلة إن القرآن مخلوق وليس صفة قديمة لله يأتي في إطار موقفهم الأوسع من قضية "أسماء وصفات الله"، إذ نزهوا الله عن أن يشبه البشر في الصفات. أما خصومهم من الأصوليين فقالوا إن القرآن كلام الله القديم، في اللوح المحفوظ.

يقول جمال عمر إن الصراع بين المعتزلة وخصومهم مرتبط بسؤال: من أجل مَن جاء الخطاب القرآني؟ "فإذا جاء من أجل الإنسان فعندئذ تكون سعادة الإنسان هي الغاية كما رأت المعتزلة، أما إذا كان ليعرفنا بالله وصفاته، كما يرى الخطاب الأصولي، فتصبح العلاقة هي علاقة عبد ورب، أعلى وأدنى، ويتم تغييب الإنسان المتلقي".

في كتابه "نصوص حول القرآن"، بيّن علي مبروك أن القول بأزلية القرآن يجعل النص مفارقاً للسياق الذي نزل فيه، ويلغي تاريخيته، بل إنه يختلف مع واقعة نزوله مجزأً، وفي سياقات متعددة، ولا يبرر كيف اختلفت أحكامه من مكة إلى المدينة أو ما عُرف بالنسخ، بل إن قدم القرآن يجعل دعوة النبي بكل ما فيها من أحداث ووقائع وتفاعلات وحركية مجرد نسخة لما تم إقراره وحفظه سابقاً.

اختلاف دلالات الألفاظ بتغيّر السياق

السياق هو ما يشكّل المعنى ولا يمكن فهم أي عبارة خارج سياقها، بحسب جمال عمر الذي يضرب مثل عبارة "الجو جميل" وهي جملة خبرية عن الطقس، لكنها تحمل معنى آخر بحسب سياق الكلام، فتختلف إذا قالها رجل لسيدة.

وتنسحب هذه القاعدة، بحسب عمر، على القرآن أيضاً، "فرغم أنه خطاب الله، إلا أنه خطاب الله للبشر، حسب قواعد تواصلهم اللغوي". لذلك اهتم القدماء بتجميع مرويات تربط بين القرآن والواقع.

ويشرح عبد الباسط هيكل أن دلالة اللفظ متغيرة، فمثلاً لفظة "المسجد" جاءت بدلالات عدة في القرآن. ففي "لنتخذن عليهم مسجداً" (الكهف: 21)، هو بناء فوق القبر، وليس المسجد بمفهومه الإسلامي كما في آية "فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام" (البقرة: 149).

ويضيف أننا بحاجة لترتيب تطور معاني الألفاظ، ثم نعيد إنتاج تفسير للقرآن يراعي تطور دلالاتها التاريخية، ما سيخلق حالة من الوعي بالنص.

ويؤكد علي مبروك في مرجعه السابق ذكره تاريخية القرآن: " الوحي لا يفرض نفسه كبنية مغلقة ومطلقة تعلو على البشر (تفكيراً وتاريخاً)، بل كتركيب يقوم على الحوار المفتوح مع تاريخهم ونظام تفكيرهم".

آليات فهم القرآن في حركية سياقه التاريخي

هناك آليات لفهم القرآن من خلال سياقه التاريخي، إحداها تتعلق بفهم دلالات الألفاظ وفق سياق النص. ويبيّن عبد الباسط هيكل ذلك: "من الأخطاء الشائعة في التعامل مع دلالات القرآن الكريم البحث عن معنى الكلمة المعجمي منفرداً، واختيار الدلالة التاريخية المتأخرة، والصواب حسم الدلالة من خلال السياق القرآني، لأن معاني القرآن تكون في سياقاتها اللغوية، وليس بعزل الألفاظ والبحث في دلالاتها الحديثة ثم إعادة إسقاطها على القرآن مرة أخرى".

ويوضح هيكل ذلك في تناول قضية "الخلافة" ويقول: "هل الخلافة نموذج شرعي ثابت أنتجه الوحي ويجب استعادتها أم نموذج تاريخي متطور أنتجه الإنسان؟"، وينتقل لبحث دعاوى الإسلام السياسي حول أن الخلافة واجبة بنص القرآن.

ويقول: "لفظة الخلافة لم ترد في القرآن إنما وردت مشتقات "خلف"، ولم تأت بمعنى السلطان والدولة في أي منها". وفي دراسته بعنوان "مفهوم الخلافة في القرآن وسلطة المفسر" المنشورة في موقع "مؤمنون بلا حدود"، بحث في دلالة كل لفظ من مشتقات "خلف" في القرآن.

فمثلاً في قول الله "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" (البقرة: 30)، معنى لفظة خليفة المعجمي: يحل محله، ويقوم مقامه، وهو معنى لا يستقيم مع الآية. إذ هل آدم بديل عن الله في الأرض؟ بالطبع لا، لأن الفهم المعجمي، ومحاولة إسقاط المعنى السياسي المستحدث على اللفظة هو ما قاد للخطأ.

وأما فهم اللفظة بدلالتها في سياق الآيات فتعني أن حقيقة استخلاف آدم، هي: تعمير الأرض، والتعايش بدون إفساد ولا سفك دماء، والتعبد بكلمات الله كما تسبح الملائكة وتقدس لله.

ويؤكد جمال عمر: "نحن بحاجة لإعادة بناء تصور لسياق نزول القرآن، من خلال المصادر الخارجية من مرويات وأحاديث وعلوم القرآن بعد تدقيقها، ودراسة القرآن من داخله، عن طريق الدلالات الأسلوبية وتطور أسلوب الخطاب".

ويكمل: "نحتاج للتعامل مع القرآن كوحدات خطابية، بمعنى ألا نفسره كلمة كلمة، وآية آية، ولا نفسر السورة كاملة، بل نختار مجموعة آيات تشكل خطاباً مرتبطاً بموقف، أو سياقاً ونفسرها، وعكس ذلك يكون تجزئة للآيات يؤدي لسوء الفهم".

فهم مسألة الحاكمية

يقدم كتاب "المنة/ شرح اعتقاد أهل السنة" لياسر برهامي مثالاً للفكر السلفي في فهم مسألة "الحاكمية" من خلال القرآن. يقول برهامي: التحاكم إلى مَن يحكم بغير شرع الله شرك في الألوهية.

ويستشهد برهامي بعدد من الآيات لبيان أن التفسير الفقهي هو الوحيد الحقيقي، وهو الشريعة التي يكفر كل مَن قال إنها لا تصلح، أو إنها جيدة لكن يمكن التحاكم بغيرها. ومن هذه الآيات، آيات سورة المائدة من 43 حتى 50، ومنها: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" (44)، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" (45)، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" (47).

يقضي التفسير الحرفي للنص بموافقة برهامي في زعمه بضرورة الحكم بما أنزل الله، ولفعل ذلك، نبدأ في استخراج أحكام عديدة لكل شيء من الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين، كما فعل الفقهاء، بدون اعتبار الفهم السياقي للآيات.

في المقابل، يتناول جمال عمر مسألة الحاكمية في إطار الوحدة الخطابية، ويأخذ آيات سورة المائدة السابقة مثالاً لوحدة خطابية، ويبدأ بتحديد دلالة لفظة "حكم": فهل هي الحكم بمعناه السياسي أو القضاء الحديث أم غيرهما؟

يقول عمر إن "حكم" في نصوص المصحف تعني الفصل بين المتخاصمين بشكله العرفي لا بمعنى القضاء، ولم يعرف الصحابة "حكم" بمعناها السياسي، فقد أطلقوا لفظ "خليفة الرسول"، وأمير المؤمنين" ولم يقولوا "حاكم المسلمين".

وبرأيه، يضع دعاة الحاكمية قاعدة تقوم على إهدار سياق الآيات لفرض تصورهم لمقاصد القرآن. ويختم عمر: "وقع دعاة الحاكمية في عدة أخطاء هي: تجزئة الآيات، وتحريف دلالات الكلمات، وإهدار سياق تواصل الآيات بعضها مع بعض، وإهدار السياق الخارجي".

وكان الصحابة أسبق إلى فهم القرآن في إطار سياقه وبيئتهم. ففي عام "الرمادة" الذي اشتد فيه الجوع، أوقف عمر بن الخطاب تطبيق قطع اليد على السرقة من أجل الطعام.

حامد فتحي

​حامد فتحي، صحفي مصري، مقيم في القاهرة، حاصل على بكالوريوس في الإعلام جامعة القاهرة، وطالب دراسات عليا فلسفة جامعة القاهرة، مهتم بالأدب نقدا وكتابة، ليبرالي

كلمات مفتاحية
الإسلام القرآن

التعليقات

المقال التالي