كيف تجاهل الأوروبيون أنساق الآثار الإسلامية، وكيف تعامل المسلمون أنفسهم مع آثارهم

كيف تجاهل الأوروبيون أنساق الآثار الإسلامية، وكيف تعامل المسلمون أنفسهم مع آثارهم

ثمة رؤى مختلفة وربما متضاربة بشأن التعامل والنظرة إلى الآثار على مدار تاريخ التمدن الإنساني، تطرح العديد من التساؤلات حول ماهية رؤية الأقدمين للآثار وهل كانت تحظى بتقديرهم وتوقيرهم؟ وكيف اختلف التعامل معها من عصر إلى أخر ومن حضارة إلى اخرى؟

وفي دراسة هذه التواريخ، يتحتم علينا الاعتراف بالقفزة التي حققتها الإنسانية في هذه المجال، فأصبح هناك اتفاقيات دولية ومنظمات ومبادرات لا تعد ولا تحصى تهدف إلى حماية الآثار ودراستها، ويعود الفضل الأكبر للدول الأوروبية التي بدأ فيها هذا التوجه، وساهم في تطوير النظرة للآثار واعتبارها إرثاً حضارياً وتراثاً إنسانياً لكامل البشرية.

ولكن ضرورة الاعتراف بالدور الأوروبي في نشأة علم الآثار وتوسيع الاهتمام بالمعالم الأثرية، لا تنفي حقيقة أنّ التركيز على "الأصول" الأوروبية لعلم الآثار غالباً ما يغيب التواريخ المحلية للشعوب غير الأوروبية، وعلى رأسها شعوب العالم الإسلامي: فهناك أنساقٌ وممارسات عديدة تفاعلت من خلالها المجتمعات مع آثارها وقاربتها بطرق تماشت مع ميولها الثقافية ومع التطور الحضاري لمناطقها.

في هذه المقالة، نبحث في التوجهات المتنوعة التي تبدت في كتابات وممارسات الشعوب تجاه التاريخ المادي، ونركز على الجوانب المغيبة في هذا المجال من التاريخ الإسلامي.

طقوس حماية الآثار الأولى

مع بداية التمدن الإنساني في أعقاب نهاية العصور الحجرية، والانتقال من حياة الصيد والترحال لحياة الاستقرار والزراعة، بدأت معتقدات الإنسان ترسخ وبدأت مرحلة عبادة الآلهة.

صفة التقديس التي تمتعت بها التماثيل والتصاوير في العهود الأولى للإنسان وفرت حمايه لها لارتباطها بعبادة الآلهة في المعابد المقدسة

في هذه الفترة، عرف الإنسان مسألة التصوير وما لبث حتى بدا يكتب ويصور حياته التي كان يعيشها عبر مخطوطات وتماثيل تمتعت بصبغة دينية، فكانت حمايتها مستمدة من المعتقد، ومن هنا تُعد المعابد أول الأماكن التي خزنت فيها الآثار واكتسبت صفة التقديس وهذا ما وفر لها الحماية لأنها جزء من المعابد المقدسة التي لا يجوز المساس بها، وذلك بحسب ما جاء في "الحماية الجنائية للآثار والتراث: دراسة في ضوء أحكام قانون الآثار والتراث العراقي" (2002).

إلا أنّ الحماية الدينية للآثار لم تكن سائدة في العصور القديمة على الدوام وفي كل البلدان والحضارات، وفق ما يؤكده لرصيف 22 الدكتور محمد عبد الودود، الأستاذ المساعد بكلية آثار بجامعة الفيوم المصرية، مشيراً إلى أنه في مصر الفرعونية، كان الفرعون الجديد يهدم معابد من قبله ليقيم معابده مكانها.

وكان ذلك التقليد المعماري، في هدم وإعادة استخدام آثار السابقين، سائداً في العصور الإغريقية والرومانية كذلك، فكثير من المعابد الإغريقية واليونانية والرومانية بنيت على أنقاض معابد من قبلها، لتتحول تلك المعابد إلى كنائس في العصور المسيحية. وذلك التقليد المعماري، برأي عبد الودود، أفقد الإنسانية الكثير من الإرث الحضاري والمعالم الثقافية لبعض الحضارات السابقة.

اتبع الفراعنة تقليداً معمارياً مع بداية كل حكم: فكان يتم هدم المعابد القائمة، لبناء معابد جديدة للحاكم الجديد

وبرأي الدكتورة فاطمة الزهراء الجبالي، الباحثة المتخصصة في الآثار المصرية، في مقابلة لرصيف22، أنّ بناء الفراعنة لمعابدهم وآثارهم فوق معابد أجدادهم، قد يرجع، بالأساس، لاعتبارات اقتصادية. ولكن يجب أن نغفل أنّ بناء المعابد كان جزءاً من إعلان شرعية الحاكم الجديد، وأنّ إعادة بناء المعابد في نفس المكان، كانت تعلن، بصورة رمزية، استمرارية الحاكم الجديد مع حكم من سبقه، وبداية جديدة في نفس الوقت.

كما تضيف الجبالي أنّ هدم هذه الآثار في العصور التالية جاء تجاوباً مع أسباب مختلفة، ففي مصر، في العصر القبطي، اعتبر بعض المسيحيين تلك الآثار رمزاً للوثنية، فحاولوا هدم الكثير منها، وقاموا ببناء الكنائس والأديرة فوق عدد من المعابد الفرعونية.

ويؤكد الدكتور أيمن فؤاد، أستاذ التاريخ الإسلامي ورئيس الجمعية المصرية للدراسات الإسلامية لرصيف 22، أن فكرة أن يأتي حاكم ليمحو آثار من قبله ويهدمها كانت قاصرة على الفراعنة.

وبعيداً عن مصر الفرعونية، لم تخلُ العصور القديمة، وفق الدكتور عبد الودود، من نظرة احترام وتوقير للآثار، فيعدّ الملك البابلي نابونيد في القرن 6 ق.م من بين الأمراء الذين اهتموا بجمع الآثار والتحف القديمة، حتى أنه قد رممّ تمثالاً لأحد الحكام الذين سبقوه.

نبو نيد، ملك بلاد بابل في القرن السادس قبل الميلاد، عرف عنه احترامه واهتمامه بآثار من سبقوه (من المتحف البريطاني)

كما يعد هوميروس الذي عاش خلال القرن 5 ق.م أباً لعلم الآثار ومن أوائل من ضمّن كتاباته معطيات ووصفاً هاماً للمعالم الأثرية، ثم زاد الاهتمام بالآثار خاصة عند المؤرخين، مثل الكاتب بلينوس في القرن الأول ميلادي، وديدور الصقلي، واسترابو، وفيترو فيوس.

كما كان يوليوس قيصراً مولعاً بجمع التحف القديمة، كما يعد الإمبراطور الروماني هادريان من المهتمين بالآثار القديمة، وقام بتجديد وتزيين منشآت معمارية كبرى إغريقية، وبنى في قصره مدرسة وأكاديمية ورواقاً لحفظ الرسوم، وكان أول من أنشأ متحفاً للهندسة المعمارية ومتحفاً للنحت. وإذا ما بحثنا في تاريخ الشرق، نجد أن حكاماً كثر في تاريخ الصين قد عمدوا إلى توثيق آثارهم واهتموا بحمايتها.

الآثار ... نظرة عربية وإسلامية

اختلفت نظرة العرب لآثار الأقدمين في البلاد التي انضمت إلى الخلافة الإسلامية، واختلف معها أسلوب تعاملهم مع تلك الآثار، وما بين الاهتمام والإهمال والهدم وإعادة البناء والبحث عن الذهب والكنوز، والوصف والدراسة ومحاولة الاستكشاف، كان للعرب والمسلمين مع الآثار الكثير من المواقف التاريخية.

"وما زالت الملوك تراعي بقايا هذه الآثار وتمنع من العبث بها وإن كانوا أعداء لأربابها، وكانوا يفعلون ذلك لمصالح منها لتبقى تاريخاً يُنتبه به على الأحقاب، ومنها أنها تدل على شيء من أحوال من سَلف وسيرتهم، وتعداد علومهم، وصفاء فكرهم"، بتلك العبارة يصف الرحالة الشهير موفق الدين عبد اللطيف البغدادي (1162 - 1231م)، في كتابه "الإفادة والاعتبار"، موقف حكام العرب والمسلمين من الآثار السابقة.

"وما زالت الملوك تراعي بقايا هذه الآثار وتمنع من العبث بها وإن كانوا أعداء لأربابها"، مقتطف من الإفادة والاعتبار للبغدادي

وقبل البغدادي، كما ورد في الموسوعة العربية، ذكر المؤرخون والجغرافيون والرحالة العرب نبذاً عن المناطق الأثرية، من حدود الصين إلى الأندلس، كما كانت لدى العرب بعثات استكشاف، منها بعثات أرسلها الخليفة الواثق لاستكشاف سواحل بحر الخزر، كما احتفظ العباسيون بتحف تاريخية من مخلفات الأمويين، بينما جمع الأمويون في الأندلس قطعاً وآثاراً من المشرق، وخصص الفاطميون بيوتاً للتحف التاريخية سموها «خزائن» كخزانة الجوهر، وخزانة الأسلحة، وخزانة الفرش.

ووفق كتاب "الموجز في علم الآثار" للدكتور علي حسن، فإن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، أنشأ متحفاً اثرياً، توفرت فيه أهم خصائص المتاحف الأثرية. وثمة شواهد، من عهود الأيوبيين والمماليك والعثمانيين بدمشق، على تدخل السلطة أو الأهالي أحياناً لإزالة المخالفات الأثرية، ومنع تغيير معالم الآثار.

وهناك بعض المؤلفات التاريخية العربية لها قيمة أثرية وصفية واضحة مثل كتاب «الأصنام» لابن هشام الكلبي، وكتاب "الإكليل" للهمداني عن آثار صنعاء، ومن الرحالة والجغرافيين والمؤرخين الذين عنوا بوصف الآثار ابن خُردادْبة في وصفه روما، واليعقوبي في وصفه بغداد، وابن بطوطة الذي وصف معظم أقطار العالم المعروف في عصره. كما يضيف الدكتور عبد الودود أنّ نصوص الرحالة والجغرافيين المسلمين، جاءت مطعمة بأوصاف لمعالم أثرية وأطلال مدن قديمة وأوصاف دقيقة لمنشآت معمارية.

الهدم كشكل من أشكال إعادة التدوير

رغم الاهتمام العربي والإسلامي بالآثار القديمة، لم تخلو العصور الإسلامية، من أعمال هدم لبعض الآثار وشغف بنهب كنوزها وتفكيك لبعضها وإعادة استخدام أحجارها وأعمدتها في مباني جديد وتحويل الكثير من المعابد والكنائس إلى مساجد. 

أقوال جاهزة

شارك غردهدم صلاح الدين العديد من الأهرامات الصغيرة في مصر واستعان بأحجارها في بناء قلعته الشهيرة، ولكن للقصة وجوهٌ أخرى

شارك غرديعتبر الخليفة الفاطمي المستنصر بالله أول من أنشأ متحفاً أثرياً توفرت فيه أهم خصائص المتاحف الأثرية

شارك غردبحث عن الكنوز واهتمام وإهمال وهدم وإعادة تدوير وتجميع ودراسة وتوثيق: هكذا تعامل المسلمون مع آثارهم

ويروي البغدادي في كتابه "الإفادة والاعتبار" عن هدم عدد من الأهرامات الصغيرة بالجيزة، لبناء قلعة صلاح الدين، ويقول المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكرى الخطط والآثار": "كان هناك عدد كبير من الأهرامات، هدمها صلاح الدين بأكملها وأخذ حجارتها ليبني بها قلعته، والسور المحيط بالقاهرة".

كما يضيف البغدادي في هذا الخصوص أنّ "الملك العزيز عثمان بن يوسف، وهو خليفة صلاح الدين حاول هدم الأهرام كلها عام 1193م، فبدأ بالهرم الصغير، فأوفد إليه النقابين والحجارين، وجماعة من عظماء دولته وأمراء مملكته، وأمرهم بهدمه ووكلهم بخرابه، فخيموا عندها، وحشروا عليها الرجال ووفروا عليهم النفقات، وأقاموا نحو 8 أشهر بخيلهم يهدمون كل يوم بعد بذل الجهد، واستفراغ الوسع الحجر والحجرين".

ولم يكن هدم صلاح الدين الأيوبي للعديد من الأهرامات الصغيرة، وفق الدكتور عبد الودود، بالأمر المستنكر في عصره، فقد كان هدم الآثار والاستعانة بمكوناتها في بناء جديد تقليداً معمارياً شائعاً، سواء في البلدان الإسلامية أو في أوروبا، حيث كان ينظر إلى المناطق الأثرية باعتبارها مناطق مقفرة وموحشة لا يستفيد منها الأحد، ومن ثم كانت هناك اعتبارات اقتصادية في الاستعانة بأحجارها ومكوناتها.

والاتهامات التي تلاحق صلاح الدين الأيوبي بهدم الآثار المصرية غير صائبة لحد بعيد، برأي الدكتور أيمن فؤاد، أستاذ التاريخ الإسلامي ورئيس الجمعية المصرية للدراسات الإسلامية، فصلاح الدين استخدم فقط أحجار بعض الأهرامات الصغيرة التي كانت متهدمة ومتهالكة بالأساس.

كما ينفي الدكتور فؤاد بحديثه لرصيف 22، أية محاولات جدية من جانب المسلمين لهدم أهرامات الجيزة الثلاثة، مشيراً إلى أنه كانت هناك محاولة أيام الخليفة المأمون لفتح مجرى داخل الهرم الأكبر لاستكشاف ما داخل الأهرام، ولاحقاً في القرن الثامن الهجري أجريت دراسات كثيرة على الأهرامات.

ويقول الدكتور عبد الودود: "رغم ما شهدته العصور الإسلامية من انتشار لتدوير الاثار، إلا أنّه كان أقلّ مما كان عليه الأمر في أوروبا، فالإسلام كدين لم يأمر بهدم الآثار القديمة بل نادى بالنظر إليها واستلهام العبر منها".

أطلق العرب على الكنوز التي أودعها المصريون القدماء في مقابرهم اسم (المطالب)، واعتبرت ذخائر الملوك ومقصداً للبحث والتنقيب

غير أن العصور الإسلامية ، وفق الجبالي، شهدت تحويل الكثير من المعابد والكنائس لمساجد يصلي فيها الناس، تلبية لاحتياجات عصرهم، ولمعاودة تدوير تلك الآثار التي كانت مهملة مقفرة في تلك العصور، وأفضل مثال على ذلك مسجد الإمام أبو الحجاج المشيد فوق الفناء المفتوح لرمسيس الثاني في معبد الأقصر، جنوب مصر. ووفق ما يوضحه الدكتور فؤاد، أنّ أغلب الأعمدة "الكوارتزية" في الجوامع التاريخية بالقاهرة الإسلامية مأخوذة من الكنائس، لكن تلك الظاهرة لم تكن مقصدها إهانة الآثار وتحقيرها بل نشأت نتيجة حاجة اقتصادية بحتة ووفق منطق العصر السائد آنذاك.

ويعد المسجد الأموي بدمشق أكبر دليل على إعادة تدوير الآثار، فكما تبين الدكتورة نانسي خالق، فإنه قد تحول من معبد للإله جوبيتر، إلى كنسية ليوحنا المعمدان، ثم مسحداً، في المقابل تحولت مساجد إلى كنائس وخصوصاً بعد نهاية عصر المسلمين في الأندلس.

وفي العصور الإسلامية، لم يقتصر الأمر على إعادة تدوير الآثار، بل هناك حالات للهدم والنهب وإنْ كانت محدودة، فوفقاً لموقع مكتبة الإسكندرية، أنّ آثار الدولة الإخشيدية التي حكمت مصر منتصف القرن العاشر ميلادياً، تعرضت للهدم من قبل الفاطميين، كما قام العثمانيون عقب دخولهم مصر، بنقل أجزاء من الرخام والعناصر المعمارية المنهوبة من القصور المصرية إلي العاصمة العثمانية.

وفي الهند قام الفاتحون المسلمون من الغزنويين أول الأمر بإزالة المعابد البوذية والهندوسية، واستخدموا أعمدتها وحجارتها، وأمكنتها أحياناً، في إنشاء المساجد.

فيما أطلق العرب على الكنوز التي أودعها المصريون القدماء في مقابرهم اسم (المطالب) و"هي ما يوجد في الدفائن من ذخائر الملوك التي استودعوها الأرض"، كما يذكر المقريزي، وكانوا يعتبرون تلك الأشياء بمثابة كنز عظيم قد يظفرون به إذا ما اكتشفه أحدهم، ولهذا تعددت محاولات البعض التنقيب عنه في باطن الأرض.

النسق الإسلاميّ المغيب في تاريخ حماية الآثار

دراسة الآثار القديمة لم يعرفها الأقدمون ولم يهدفوا إليها، برأي الدكتور احمد حسن في كتابه "الموجز في علم الآثار"، بل هي ثمرة من ثمرات المدنية الأوروبية الحديثة، وظهرت أولى خطوات تلك الدراسة في أول الأمر في جمع التحف المختلفة. وهو الرأي الأكثر شيوعاً بين أوساط المختصين، والأوساط الشعبية على حدّ سواء.

ويتفق مع هذا الرأي الدكتور عبد الودود، مؤكداً أن اهتمام الكتاب والرحالة في العصور القديمة والوسطى، انصبّت فقط على وصف الآثار ولم يرقى لدراستها أو التنقيب عنها، فيما بدأ الاهتمام الصريح بدراسة الآثار في إيطاليا خلال القرنين الخامس والسادس عشر ، عندما بدأ الاهتمام  بالآثار الإغريقية التي شكلت أساساً لنظرة جديدة للهوية الأوروبية وثقافتها.

في المقابل يشير الدكتور عكاشة الدالي في كتابه "علم المصريات: الألفية المفقودة، مصر القديمة في كتابات العرب"، إلى وجود نسق إسلاميّ غير منقطع للاهتمام بالآثار، والبحث في معالمها، إلا أنّه لا يلق اهتماماً كافياً لدى الباحثين، ولا يؤرخ له في الحديث عن تاريخ الاهتمام بالآثار في العالم العربي.

وفي هذا الصدد يعطي الدالي مثالاً من الكتب التي ألفها علماء عرب في العصور الوسطى، في محاولة منهم لفك طلاسم اللغة المصرية القديمة منها: ذو النون النبطي الصوفي في كتابه "حلّ الرموز وبرء الأرقام في كشف أصول اللغات والأرقام"، وأيوب بن مسلمة في كتابه "أقلام المتقدمين"، وجابر بن حيان في كتابيه "كشف الرموز" و"الحاصل"، وأبو بكر بن في كتابه "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام".

نظرة على كتب علماء العصور الوسطى الإسلامية تدحض نظرية قطيعة العرب مع تاريخ من سبقهم، وتبيّن اهتمامهم بالآثار القديمة ودراستها

كما يؤكد الدكتور علي خشيم في كتابه "العرب والهيروغرافية" أن العرب المسلمين كانوا على معرفة بأغلب حروف الكتابة الهيروغليفية وكان بينهم من يعرف قراءة هذه اللغة ونصوصها المنقوشة على المعابد المصرية القديمة، وذلك قبل أن يقوم الفرنسي شامبليون بفك رموز الهيروغليفية في القرن 19 م، ويكشف خشيم أن كتاب "شوق المستهام" لابن وحشية من أهم ما استعان به الفرنسي شامبليون لفك رموز الكتابة المصرية القديمة، حيث كشف ابن وحشية عن معرفة واسعة بالكتابة التصويرية المصرية، وأورد رسماً للعديد من حروف الهيروغليفية مع إشارات لمعانيها لا تبتعد كثيراً عما انتهى إليه علماء اللغات المصرية القديمة.

ومتابعة لمصر كمثال في هذا الصدد، انبهار الغرب بآثارها بدأ قبل 3000 سنة ولم ينقطع حتى اليوم. وقد يكون هناك اتفاق على أنّ الاهتمام بالآثار بشكل علمي تنامى مع الحملة الفرنسية التي استقدمت عشرات الخبراء إلى مصر، إلا أنّ المصريين أنفسهم، كما يبين الدكتور إليوت كولا في كتابه Conflicted Antiquities: Egyptology, Egyptomania, Egyptian Modernity، سرعان ما تبنوّا فكرة البحث في تاريخهم القديم، وأعادوا إحياء معالمه الثقافية والمادية، حتى أنهم اعتبروه، ولو لفترة قصيرة، جزءاً من هويتهم الوطنية.

ولعل غياب الاهتمام بقيم العرب وممارساتهم عبر العصور في الحفاظ على الأثار، مردّه إلى التفاوت في درجة اهتمام الشعوب العربية بالآثار المادية من جهة، وبالتاريخ وشخصياته وأحداثه وآثاره الأدبية من جهة أخرى، ولكن ذلك نقاش لمقالة آخرى.

التعليقات

المقال التالي