إبراهيم الكوني: وريث الصحراء يروي أساطير الأمازيغ باللغة العربية ولغات العالم

إبراهيم الكوني: وريث الصحراء يروي أساطير الأمازيغ باللغة العربية ولغات العالم

طفلٌ فى العاشرة من عمره، يركب دابة إلى جوار الأب، يهيمان تيهاً فى رمال صحراء تمتد على مرمى البصر. تـُوقظ أبدية الصحراء بداخله إحساساً قاسياً بالضياع، وتحيي هيمنةُ الظلمة لهفةَ الاستكشاف، كان على الطفل أن يواجه شبح الموت هذا، ولم يكن أمامه من مفر لقهر هذا الموت غير "أن يروى ليعيش"، وهي الوصية التى تركتها شهرزاد للأجيال وبرهنت بها على أن الإنسان يستطيع أن يحقق الخلود لو تحلى بالشجاعة ليروي إلى الأبد... أو لم يكن شعارها "القصّ أو الموت!"

بهذا المعنى يجاهد الروائي إبراهيم الكوني ذاكرته ويستهل مذكراته، ليبعث أمة اسمها الأمازيغ في أعماله، ويلعب في سيرة أساطير الصحراء الكبرى دور الراوي، الذي سيصبح مع الزمن أسطورة وحده، تتنافس لغات العالم إلى ترجمتها والحرص على وجودها في ثقافتها.

والكوني، كاتب ليبي أمازيغي، مواليد سنة 1948، ولد بواحة غدامس في ليبيا، درس الآداب في معهد جوركي للآداب بموسكو، ويجيد ثماني لغات، هي: الأمازيغية، والعربية، والروسية، والإنجليزية، والبولندية، والألمانية، والإسبانية، واللاتينية، وعمل بالصحافة في روسيا وبولندا.

أقام منذ تسعينيات القرن العشرين في سويسرا، إلى أنْ انتقل مؤخراً إلى إسبانيا، أصدر حتى الآن 81 نصاً، وترجمت أعماله إلى أكثر من 40 لغة، وفاز بعضها بعدة جوائز عالمية، تنوعت بين السويسرية واليابانية والفرنسية والأمريكية والعربية، وأشادت به الأوساط الثقافية والنقدية والأكاديمية والرسمية فى أوروبا وأمريكا واليابان، ورشحته لجائزة نوبل مراراً.

أما الأمازيغ (أو الطوراق أو البربر أو الليبيون أو الأفارقة)، فهم السكان الأصليون لشمال إفريقيا، يمتد وجودهم من البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى الصحراء الكبرى جنوباً (قسمها الاستعمار الفرنسي فى ستينيات القرن العشرين إلى أربعة بلدان هي ليبيا، والجزائر، ومالي، والنيجر)، ومن واحة سيوة المصرية شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً (ليبيا، والجزائر، وتونس، والمغرب، وموريتانيا)، وهي المنطقة التي كان يطلق عليها الإغريق قديماً اسم نوميديا، يبلغ تعدادهم من 45 إلى 55 مليون نسمة، ويتحدثون اللغات الأمازيغية والعربية والفرنسية والإسبانية.

من المفارقات التي تحيط بالكوني أن عالمه الذي انفرد به، وقضى حياته فى الكتابة عنه باللغة العربية وهو الذي يعيش في أوروبا منذ سبعينيات القرن العشرين، لم يعرف طريقه إلى القارئ العربي، نسبياً، بل ضلّت الرسالة طريقها إليهم، فبينما اختزل بعض القراء والنقاد العرب منجز الكوني في وصفه بـ"أسير الصحراء"، التقط الغرب رسالته التي قدّمت للإنسانية وللأدب تراثاً عريقاً وثرياً ترجمه إلى لغات العالم الحية، بعدما استطاع الكوني استرداده وإعادة خلقه.

الرواية ليست ابنة المدينة فحسب

وقع مشهد الطفل الذي يواجه شبح الموت، بالتقريب في خمسينيات القرن العشرين، تحديداً عام 1958، أي بعد مرور 10 أعوام على مولد الكوني، ورغم هذا الزمن البعيد، فإنه يظل مشهداً رئيسياً فى حياة طفل أوحى له حدسه من يومها المقاومة بالحكاية، ليصير الحفيد الذي يُمسك بيد الصحراء الجَـدَّة، ليـُخبر العالم عن حكاياتها الثرية والمتنوعة التي ورثها عنها، ويـَدخل بها حرم الرواية العالمية مُتوجةً بجواهر لغته، فخورة بهويتها.

وبذلك زعزع الأسطورة القائلة بأنّ "الرواية ابنة المدينة"، وهو ما ساد فى بدايات القرن العشرين، فبرهن أنها، أي الرواية، عمل إنساني قبل أن يكون حكراً على المدينة، ويتيح للصحراء أن تسجل كلمتها عبر نصوصه التي وثق وأبدع من خلالها المجهول عن "عالم ظلّ مهمشاً ومنفياً، ليس جغرافياً فحسب، بل ورُوحياً (أي ميثيولوجيّاً، وتاريخياً، ودينياً، وطقسياً). عبر استنطاق كائنات هذا الوطن المنسي الذي لم ير العالم فيه سوى خيالات عابرة لأمة ابتليت بالضياع، ما أسهم فى اغتراب ثقافتهم اغتراباً تراجيدياً وعمَّـق عزلة تراثهم"، حسبما سجل فى كتاب (صحف إبراهيم "متون").

الرواية قفاز التحدي فى وجه الموت

دوَّن الكوني واحداً وثمانين كتاباً بين عامي (1971 ــ 2016)؛ في التاريخ الأول كان "ثورات الصحراء الكبرى" وفي الأخير "أهل السُّرى"، تنوع منجزه بين مجموعات قصصية، تدخل ما يسميه بـ"المتون"، (وهي تدوينة قصيرة تتضمن بعض الحكم بلغة أدبية مكثفة)، أحياناً بين دفتيها، منها (الصلاة خارج الأوقات الخمسة، وشجرة الرتم، والقفص، وديوان النثر البري، ووطن الرؤى السماوية، والوقائع المفقودة من سيرة المجوس، وخريف الدرويش، والصحف الأولى).

وأحياناً أخرى تمثل هذه "المتون" سفراً كاملاً: (صحرائي الكبرى، وديوان البر والبحر، وأبيات، وصحف إبراهيم، والمحدود واللا محدود)، كما قدّم روايات منفردة (التبر، ونزيف الحجر، والفم، و واو الصغرى، وعشب الليل، والدمية، والفزاعة، والدنيا أيام ثلاثة، وبيت فى الدنيا وبيت فى الحنين، والبحث عن المكان الضائع، وأنوبيس، ومراثي أوليس)، وسبع روايات ملحمية (سداسية الأسلاف والأخلاف، وخماسية الناموس، وثلاثية سأسري بأمري لخلاني، ورباعية الخسوف، وثنائية المجوس، وثنائية السحرة، وثنائية خضراء الــــدِّمن).

وانتهاء بالمؤلفات النظرية، حيث شرع فى سبعينيات القرن العشرين بتدوين "ثورات الصحراء الكبرى" و"نقد ندوة الفكر الثوري" التي كانت وراء خروجه إلى موسكو فراراً من بطش القذافي، و"ملاحظات على جبين الغربة" هذا بالإضافة إلى كتاب "بيان فى لغة اللاهوت... لغز الطوارق يكشف لغزي الفراعنة وسومر"، بأجزائه السبعة حتى الآن، والمعنونة أيضاً بـ"موسوعة البيان"، أضف إلى هذا "سيرته الذاتية" الصادرة فى أربعة أجزاء تحت عنوان "عَدوس السُّـرى.. روح أمم في نزيف ذاكرة" أعوام 2012 و2013 و2014، و2016، ورواية ناقة الله الصادرة عام 2015، معزوفة الأوتار المزمومة 2016، وأهل السرى 2016.

"خفايا الصحراء" فى ضوء الترجمة

منذ عام 1983 بدأت لغات العالم تنتبه إلى سرديات الكوني، كان البولنديون أول من التقطوا نصوصه، فقدمت مجموعة من المترجمين مختارات قصصية له تحت عنوان "خفايا الخلاء"، بعدها اتجهت إليه كثير من اللغات (الروسية والألمانية والإيطالية والهولندية واليابانية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية والسويدية والدنماراكية)، هذا إلى جانب "نصوص وقصص وفصول من روايات منشورة بمختلف الدوريات الأدبية فى كل القارات بلغات عالمية مثل الصينية والبنغالية والتركية والجورجية والكازاخية والأوزبكية والأوكرانية والرومانية والمجرية"، وفقما ذكر الكوني لكاتب المقال.

من بين النصوص المترجمة أيضاً، بحسب قائمة حررها الكوني لرصيف22، رواية "التبر" إذ نقلت إلى أربع لغات؛ الإيطالية والألمانية واليابانية والإسبانية أعوام (1996 ــ 1997 ــ 1998)، وترجمت رواية "نزيف الحجر" إلى خمس لغات (الألمانية والهولندية والفرنسية والإنجليزية والسويدية) أعوام (1995 ــ 1997 ــ 1999 ــ 2001 ــ 2003)، ولاتزال الترجمة تلاحق سردياته وليس آخرها "المجوس" إلى الروسية 2010.

اللغة، أزمة وجود

المتأمل سيرة الكوني يجد أن اللغة دائماً ما وقفت فى حياته حجر عثرة رغم مولده فى "وادي آوال"، الذى يعني وادي الكلم في لسان الأمازيغ، بسبب رطانات أشباح الجن التي كان يسمعونها في الأمسيات، بحسب ما سجّل الكوني في مذكراته المعنونة بـ"عَدوس السُّرى... رُوح أمم في نزيف ذاكرة"، والصادرة في 4 أجزاء حتى الآن، والتي تعني: "عابر الليل"، وكما يقول الكوني، في تفسير اختياره للعنوان: "فما هي رحلة الإنسان فى هذا الوجود إن لم تكن عبوراً دامياً لليل؟"

وبحسب ما سجل ابن منظور أيضاً في "لسان العرب"، هذا المعنى من بين شبكة المعاني الكثيرة، مستشهداً ببيتين شعر للكميت وجرير، وخلص منهما إلى "عَدُوسُ الليل"، وهو القوي على السير ليلاً.

يروي الكوني عن وادي أوال: أنه وادٍ هائل الاتساع، ينحدر من أعالي جبل "تينغرت"، وهو مفر أهل الصحراء نهاراً، ووطن لأشباح الجن في الأمسيات، وما إن يخالف أحد أهالي الصحراء العهد الذي بينهم وبين أهل الخفاء، فيهبط الوادي ليلاً حتى تنهال عليه الحجارة من كل اتجاه، تصيبه بكدمات موجعة طوال الليل، تزول آثارها ما إن يطلع النهار"، وفقاً لروايته فى مذكراته.

وقعت أولى عثرات الكوني مع اللغة بعدما هاجروا من الوادي إلى واحة غدامس التي تربى بها، فبعدما أتقن لغة الأمازيغ بحسب شهادة عقلاء القبيلة، كان عليه أن يتعلم العربية بعدما التحق بمدرسة الواحات في زمن حديث العهد باستقلال ليبيا، هنا طاردته عزلة اللغة التى يقول عنها:

"جلست بين أقران يتعاطون اللسان المطلسم بدليل إجابتهم عن الأسئلة، فى حين لم يسعفني فضولي في فكّ عقدة لساني، وهو ما رآه المُعلِم نوعاً من البلاهة والغباء"، ولقبوه بـ"الأبكم"، ليكتشف الكوني مبكراً "أن العزلة الأسوأ ألف مرة ليست عزلة الصحراء الأبدية، ولكنها عزلة اللغة، وعجز إنسان فى التواصل مع أخيه الإنسان".

واصل التعليم فانفكت عقدة اللغة في شهور، ونال الشهادة الابتدائية في عاصمة الواحات سبها، بعدها أنهى المرحلة الإعدادية، عمل موظفاً في وزارة الشؤون الاجتماعية عدة أشهر عام 1965، وانتقل للعمل بالصحافة في العديد من الجرائد الليبية لمدة 5 سنوات، أوردته مهالك المساءلة السياسية مرات عديدة زمن الملك إدريس السنوسي وزمن حكم معمر القذافي، اُتهم بالشيوعية تخلصاً منه، وهو الذي لم يعتنق الأيديولوجية طوال حياته، رغم الهوس الأيديولوجي الذي أصاب هذه الحقبة ومثقفيها بين اليسار واليمين، فضلاً عن أنه لم يكن يدرك آنذاك ما الشيوعية، بل على العكس فقد أثارت عداوته بعدما أدركها لاحقاً في موسكو، حسبما يروي في مذكراته.

ذهب إلى موسكو عام 1970، فواجهته أزمة اللغة من جديد، حصل على الثانوية السوفييتية من مدرسة مسائية، وتقدم بعدها لمعهد جوركي فى الآداب، كان بصدد إعداد رسالة دكتوراه عن أدب دوستويفسكي، بعدما فتن به، ما لبث أن تخلى عنها. سافر إلى بولندا، ومنها إلى سويسرا، التي سجلت اسمه في كتاب يخلد أبرز الشخصيات التي تقيم على أراضيها، قبل أن ينتقل مؤخراً للاستقرار في إيطاليا.

يذكر الكوني أنّه في خريف 1972 التقى الروائي العراقي غائب طعمة فرمان، و"إليه يرجع الفضل فى تنبيه الكوني إلى الصحراء لا في بعدها التقليدي الشائع كمكان، ولكن كقضية روائية يغترب عنها المكان، بعد أن قرأ مجموعته "الصلاة خارج نطاق الأوقات الخمسة"، وكان هذا قبل دخول عبد الرحمن منيف إلى مسرح الصحراء بسنوات". 

أقوال جاهزة

شارك غردغيّر الكوني الاعتقاد بأنّ الرواية هي "ابنة المدينة"، فأعاد خلق عوالم الصحراء في رواياته

شارك غرد"كل ما من شأنه أن يقودنا إلى الحقيقة ليحقق لنا الخلاص هو رسالة الرب المعنونة فى المتون المقدسة باسم الرحمة"

شارك غرد"الأسلاف والأخلاف" رواية عن سيرة آل القرمانلي، الأسرة التي حكمت ليبيا طوال قرن وربع (1711ــ1835)

شارك غردأضاف إبراهيم الكوني "الصحراء" إلى مدونة الرواية العالمية 

انقطع الكوني عن الكتابة لمدة 9 سنوات بين عامي (1974 ــ 1983)، ويقول عنها في "وطني صحراء كبرى": "منعتني الرواية عن نفسها يوم اغتربت عنها، أنكرتني لأني أنكرتها. أنكرتها لأني لم أدرك يقيناً حقيقتها كوصية، حقيقتها كرسالة لا تختلف عن أي رسالة علوية، لا تختلف عن أي نداء سماوي؛ لأن كل ما من شأنه أن يقودنا إلى الحقيقة ليحقق لنا الخلاص هو رسالة الرب المعنونة فى المتون المقدسة باسم الرحمة".

المدهش حقاً أنه عقب عودته إلى الكتابة في منتصف الثمانينيات غمر صحراءه روائياً، فنجده في عام 1990 ينشر 5 نصوص (التبر ـ نزيف الحجر ـ القفص ـ المجوس بجزءيها)، وفي عام 1999 قدم 8 نصوص، ولم يكن الأمر مصادفة، فقد تكررت هذه الظاهرة عبر سنوات أخر، في محاولة منه لاستعاضة الزمن الضائع، حسبما كشف فى كتابه "وطني صحراء كبرى".

تتسم روايات الكوني بلغة عربية كلاسيكية نستطيع أن نصفها بلغة الاستعارة، أو التورية، بعبارة أخرى هى لغة رُوحية شبيه بتلك التى كتب بها كبار المتصوفة أسفارهم، بخيال ثري، بحثاً عن الله، وربما تكون لغته هذه إحدى العقبات التي وقفت بينه وبين القارئ العربي.

عالم الكوني، الذي بناه على "الرمز" فى جوهره، جاء وفق تقنيات سردية خاصة تمرس عليها، وفي ظل حبكات متفردة أهلته لأن يكون مدرسة سردية لها عالمها وقوانينها ولغتها الخاصة، بعيداً عن صخب وبؤس المشهد الروائي العربي فى مجمله، ولو جاز لنا استعارة لغة المتصوفة: فقد صنع الرجل مقاماً روائياً خاصاً مليئاً بأساطير وديانات وبطولات الأمازيغ، وحكايات البشر، والحيوانات وكائنات الصحراء الكبرى بخيال ومفردات ثرية، سجل عبرها أسرار الأمازيغ التى استردها من قبضة الضياع والتيه.

تقنيات الرمز واللغة والقوانين الخاصة هذه فرضت على عالمه غموضاً، وحمّلت لغته دلالات وأبعاداً فلسفية بخيال ثري تستعصي على أفهام كثير من جمهرة القراء، أبعده هذا بالطبع عن دائرة القراء العرب، والحق إن الأوروبيين أكثر منا معرفة بمنجزه، ففي حين عده بعض النقاد "أسير الصحراء"، رأى الأوروبيون فى الصحراء وسيلة فنية لا غاية، "فدائماً ما يقرأ لنا الأغراب بالإنابة ليكتشفوا كنوزنا الدفينة ويكشفونا لأنفسنا، حدث هذا مع طواسين الحلاج التي لم تكن لترى النور لو لم يحققها ماسينيون، وهذا ما كان سيحدث مع النـِّفرى لو لم يحققه آرثر" بحسب ما قال الكوني لكاتب المقال. 

الكوني يدخل المدينة من بوابة "الأسلاف والأخلاف"

عكف إبراهيم الكوني منذ عام 2006 إلى عام 2011 على كتابة ملحمة الأسلاف والأخلاف فى ستة أجزاء، غيــَّر فيها مسرح الأحداث من الصحراء إلى البحر بعدما أشبع الأولى أسطرةً وتأويلاً، بعبارة أخرى بهذه السداسية غادر أساطير الصحراء ودخل أبواب المدينة.

تتكون الملحمة من ستة أجزاء هي (نداء ما كان بعيداً، وفي مكان نسكنه في زمان يسكننا، ويعقوب وأبناؤه، وقابيل أين أخوك هابيل؟ ويوسف بلا إخوته، وجنوب غرب طروادة جنوب شرق قرطاجة)، واعتمدت على تاريخ أسرة آل القرمانلي الحاكمة ليبيا طوال قرن وربع القرن (1711 م ــ 1835 م)، بدءاً من القرمانلي الأكبر انتهاء بـ"على بن يوسف القرمانلي" آخر من حكم طرابلس من الأسرة قبل أن تستردها الأستانة مرة أخرى في النصف الأول من القرن التاسع عشر عام 1835م.

أسس الكوني بنية الملحمة على الصراع القائم بين الحرية التي تعتنق التخلي والترحال وصية دينية يتوارثها أهل الصحراء والبحر، وبين مغريات السلطة (خطيئة الاستقرار)، مستلهماً شخصية أحمد القرمانلي، التي تنتمي إلى البحر من الأب، وإلى الصحراء من الأم، ليعكس عبره وورثة العرش دراما الصراع بين السلطة والحرية ويكشف أوهام وخطايا السلطة التي أودت بهم إلى الانتحار أو الانتهاء بهم مـُشرَّدين فى شوارع وأزقة طرابلس، منتصراً للحرية وصية الصحراء والبحر ودينهما في مقابل عبودية السلطة وقيودها، وفي ظل هذه الجدلية تدور دراما الأحداث بين أجيال آل القرمانلي الخمسة.

الكوني: أضاف الصحراء إلى مدونة الرواية العالمية

يحظى الكوني اليوم بسيرة ومكانة عالمية في عالم الرواية الرحب؛ إذ كيف لهذا الطفل في صحراء شاسعة، أن يدرك الوجود باكراً، ويتخذ من الصحراء كنزاً روحياً يخلق عبره عوالم قومه من الأمازيغ إلى العالم، فيصل دويها إلى 40 لغة حية، لعلّ الإجابة تأتي من وعيه بمفهوم الهوية، الذي كان دافعاً هاماً في حرصه على تسجيل حيوات الأمازيغ روائياً: ميثيولوجياً وتاريخياً ودينياً وطقسياً، ليعيد تصور العالم عن الصحراء التي تعود ثقافة أهلها إلى فجر التاريخ.

يحسب للكوني أيضاً أنه أحكم مشروعه الروائي بإدراك أساليب الأدب كافة، وتلمسه لقيمة ما دوَّنه الرحالة والمؤرخون، وإطالة النظر فى مصادر الفلسفة، والفهم العميق لروح الأديان السماوية وأديان الهند والشرق الأقصى والأديان البدائية، حسبما تشير سداسية "الأسلاف والأخلاف" على وجه التحديد، ليثري بها أعماله التي أضافت كلمة الصحراء إلى مدونة الرواية العالمية، تماماً كما "قالت المدينة كلمتها من خلال بلزاك ودوستويفسكي، وقال البحر كلمته بقلم هرمان ملفيل وهيمنجواى، وقالت الغابات كلمتها بقلم كنوت هامسون".

مصطفى سليم

صحفي وكاتب مصري، حصل على درجة الماجيستير في الأدب العربي، مؤلف رواية "سـِفر المرايــــا" الحائزة على جائزة دبي الثقافية للإبداع.

التعليقات

المقال التالي