مثلثي أو شمسي أو على شكل بقرة: عن "العيش" المصري من عيون الآلهة إلى هتافات ثورة 25 يناير

مثلثي أو شمسي أو على شكل بقرة: عن "العيش" المصري من عيون الآلهة إلى هتافات ثورة 25 يناير

حين انطلقت الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير 2011 كان شعارها (عيش / حرية / عدالة اجتماعية)، ورغم أن ترجمة هذا الشعار إلى لغات أخرى، وحتى طريقة تناوله في البلاد العربية، فهمت كلمة "عيش" على أنها تعني الحياة الكريمة، أو القدرة على "العيش"، إلا أنه كان بكل بساطة يعني بالعامية المصرية "الخبز".

وبهذا تصدر "العيش" مطالب الثورة، فالخبز في مصر ليس أحد أنواع الطعام، وأسباب "العيش" فحسب، بل إن له مكانة جوهرية في الضمير المصري، لعل أوضح الأمثلة عنها، أنه يدخل في القسم، فيعتبر "العيش والملح" من أكثر العهود إلزاماً، والحنث به يعدّ خيانة كبرى لا تغتفر.

الحياة اليوم هي "أكل عيش" وقديماً كانت "خبز وجعة"

الخبز مرتبط عند المصري خلال تاريخه بالحياة نفسها، فالمصري المعاصر يرى العمل وكسب القوت على أنّه "أكل عيش" بينما كان المصري القديم ينظر إلى الحياة على أنها "خبز وجعة".

كما كان يحل الخبز محلّ أسماء الآلهة "تحوت" أو "جب" أو "أنوبيس" وكلها آلهة ارتبطت إلى حد كبير بالحياة الأخرى، كما جاء في كتاب "قراءة الفن المصري: دليل هيروغليفي للتصوير والنحت المصري القديم"، من تأليف ريتشارد هـ. ويلكنسون، وترجمة د. يسرية عبد العزيز (إصدار المجلس الأعلى للآثار).

وبحسب كتاب قواعد اللغة المصرية لـ"آلان جاردنر"، أنّ الخبزة المخروطية الكاملة فوق حصيرة هي رمز هيروغليفي ينطق حِتِب ومعناه سلام، أو راحة، أو (أن يكون المرء) في سلام، أو أن يسعد.

ووصلنا المزيد من الانطباعات عن أهمية الخبز في حياة المصريين من رواية المؤرخ فلوطرخس (أو بلوتارخُس) عن أسطورة إيزيس وأوزوريس، التي يفسرها بقوله أن المصريين كانوا "وحشيين من أكلة لحوم البشر"، وأن إيزيس هي من اكتشفت القمح والشعير، وأنّ أوزوريس نشر زراعته بين الشعب فتخلوا عن أكل لحوم البشر، وتعلموا أكل القمح، بحسب دراسة الدكتور أيمن عبد التواب، في كتابه "التأثيرات الشرقية في الحضارة اليونانية" (كلية الآداب جامعة عين شمس).

وعلى خلفية هذه الأسطورة، كان أوزوريس يعتبر أول من علم الناس صناعة البيرة من الشعير.

موسم الحصاد

الخبز الذي يتصدر لائحة الغذاء على كل الموائد، وفي كل مكان، يصنع في كل دولة من الحبوب المتاحة في أراضيها، ودائماً يعكس في انتاجه ومواده، الاختلاف والتمييز التي تعيشه الطبقات الاجتماعية، وتتغير أشكاله وألوانه بحسب درجة الغنى والفقر، فمثلاً، قديماً كان الخبز "الفاتح" مخصصاً للطبقات العليا، أما الطبقات الأقل يسراً، كانت تخبز الخبز "الداكن".

الأرغفة المقدسة في عين حورس

الإنسان البدائي في مرحلة ما قبل الحضارات تعرف على صناعة الخبز من الحبوب مباشرة، وتعلم طريقة طحن الحبوب المبللة بطريقة خشنة بمحض الصدفة. 

أقوال جاهزة

شارك غرداستخدم المصري القديم أربعين مصطلحاً وتعبيراً لمختلف أنواع الخبز والكعك

شارك غردبحسب الأسطورة الفرعونية، يعتبر أوزوريس أول من علم الناس صناعة البيرة من الشعير

شارك غردالخبزة المخروطية فوق حصيرة هي رمز هيروغليفي معناه "سلام"، أو "أن يعيش المرء في سلام"، أو "أن يسعد"

كانت ظروف زراعة الحبوب في حوض النيل جيدة؛ ومثّل الخبز أهمية كبرى في عصر الدولة المصرية القديمة إذ كان العمال يتقاضون أجورهم على هيئة عدد معين من الأرغفة ومقداراً معيناً من الجعة (البيرة)، وسجلت شواهد في المقابر أن عدداً من المزارعين في عهد رمسيس التاسع ثاروا عندما قلّ عدد أرغفة الخبز أو الجعة التي تقاضوها مقابل عملهم.

وكانت الطبقات الفقيرة والدنيا تعتبر الخبز غذاءها الأهم.

كما كان الخبز جزءاً في القرابين التي تقدم للآلهة وللموتى، فنجد الملك أحمس الأول يقدم خبزاً كقرابين للآلهة آمون رع، كما نجد أنّ الخبز كان من بين القرابين المقدمة لـ"رع حت" في "ستلا" تعود للأسرة الرابعة، محفوظة في المتحف البريطاني.

مخبز رمسيس الثالث

يقول ريتشارد هـ. ويلكنسون في كتابه "قراءة الفن المصري: دليل هيروغليفي للتصوير والنحت المصري القديم"، أنّ المصري القديم استخدم أربعين مصطلحاً وتعبيراً لمختلف أنواع الخبز والكعك. هذا ويشير ويلكنسون أن "الرغيف بالأسلوب المخروطي" يستخدم في مصطلحات العطاء والتقديم عند وروده ممسكواً بيد وذراع. كما يذكر الكاتب أن الأساطير المصرية القديمة أشارت إلى أن الأرغفة المقدسة وجدت في عين حورس. 

ومن العصور الأولى في مصر تعددت أنواع الخبز، فيشير كتاب "وصفات من المطبخ الفرعوني"، لماجدة المهداوي وعمرو حسين أن من بين أنواع الخبز: المخروطي هو المستخدم في القرابين، كما أن من بين أنواعه في مصر القديمة نوع على شكل مثلث وكان من الأنواع المفضلة حيث ظهر في قطع من هذه الفترة تحفظها المتاحف، وفي عدة نقوش، وهناك الخبز الدائري، الذي يشبهه بعض الباحثين بـ"العيش الشمسي" المستخدم حالياً في صعيد مصر.

وفي الدولة الحديثة ظهرت مخبوزات لها شكل أسطواني وأنوعٌ أخرى على شكل بقرة أو إوزة أو امرأة.

ومن بين العادات المرتبطة بالخبز، التي ذكرها الكتاب، هو وضع الطعام بين شطيرتي خبز كـ"الساندويتش" حالياً، أمّا المخبوزات على أشكال حيوانية وآدمية التي ظهرت في الدولة الحديثة، فكانت تقدم للأطفال، كما كانت تستخدم لكتابة التعاويذ عليها.

والخبز في مصر اليوم، رغم أنه من أساسيات الحياة، لا يخلو من آثار تراثه الغني وارتباطه بالماورائيات، فخلال عملية الخبز، بعد أن يتم تجهيز العجين وانتظار تخميره، يطلق الخبازون دعوات مختلفة مثل: "فات النبي عليا وقال اتشهدي يا وليه قلت اشهد إن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله".

وعند إيقاد الفرن فى بداية الإشعال يذكر الخباز البسملة ثم يقول "طريق طريق يا أصحاب الطريق، عمار عمار يا أصحاب المكان، خبوا عيالكم النار جايه لكم، الحامله تقوم بحملها والوالده تجر ولدها والعيان شيلوه والمكسح خدوه والأعمى اسحبوه"، وتؤكد الرواية على ضرورة هذه التمائم، لأن الفرن مسكون بالملائكة! ويقال في أماكن أخرى، لأنه مسكون بالجان، وفي بعض الأحيان يقال بالشياطين.

يعتبر ذلك نموذجاً لأدعية تختلف من مكان إلى آخر في مصر بحسب المعتقد الشعبي، إلا أنها كلها تدور حول فكرة واحدة، ترتبط بأهمية العيش من بدايات الحضارات فيها حتى اليوم، ألا وهي الدعاء بأن تكون عملية الخبز موفقة وأن يحمل مصدر الحياة، الخبز، البركة والخير.

التعليقات

المقال التالي