لقاء مع الفلسطيني الذي تعايش مع كيت وينسلت وإدريس إلبا 45 يوماً في درجة حرارة -38

لقاء مع الفلسطيني الذي تعايش مع كيت وينسلت وإدريس إلبا 45 يوماً في درجة حرارة -38

لم يكن يعلم هذا الصبي الصغير الذي كان يلهث مع رفاقه للحاق بمقعد فى تلك الصالة الوحيدة للسينما ببلدته "الناصرة" الفلسطينية، أنه يوماً ما سيكون أحد صناعها الكبار ، بل كاتب تاريخ جديد في السينما ليصبح أول عربي يُخرج فيلماً في هوليوود بعنوان The Mountain Between Us "الجبل بيننا" يجمع النجمة كيت وينسلت والممثل إدريس إلبا .


هاني أبو اسعد المخرج الفلسطيني الذي هاجر إلى هولندا في مطلع الثمانينيات ودرس في هندسة الطيران وعمل في مجالها لسنوات طويلة، لم ينسَ شغفه بالسينما لحظة واحدة، ليقدم أفلاماً قطفت جوائز عديدة من المهرجانات الأوروبية والعالمية.

لا شك أنّ هاني أبو أسعد فرض نجاحه حتى أوصله إلى هوليوود. فقد رُشح فيلماه "الجنة الآن" و"عمر" لجائزتي أوسكار عن فئة الفيلم الأجنبي، وحصد الأول جائزة غولدن غلوب عام 2006، وعرف النجاح في مهرجان برلين السينمائي الدولي وفي مهرجانات عدة. كما نال فيلمه الثاني جائزة لجنة Un Certain Regard في دورة عام 2013 من مهرجان كان السينمائي.

عن تجربته فى هوليوود والصعوبات التي واجهته والتعاون مع نجوم عالميين، يحكي هاني أبو أسعد لرصيف22.

كيف عشت مشاركتك كعضو لجنة تحكيم المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دروته 39 واختيار فيلمك "الجبل بيينا" لحفل الافتتاح؟

تعلقت بالسينما المصرية التي اعتبرها أم السينما العربية منذ كان عمري 15 عاماً، عندما تفتحت عيناي على هذه الشاشة الساحرة، كنت طفلاً ينتظر يوم الأحد من كل أسبوع للذهاب إلى صالة السينما الوحيدة بمنطقتي "الناصرة" بفلسطين، لمشاهدة الأفلام المصرية والأمريكية وغيرها، وكانت السينما وسيلتي لخلق عالم غير محاصر وغير محتل من الصهاينة. وها أنا اعود بفيلمي الهوليوودي الأول كعودة الإبن لأم الدنيا مصر ولبيته بعد زمن طويل من الغياب.

"الجبل بيننا" مأخوذ عن رواية لتشارلز مارتن، لماذا جذبتك هذه القصة تحديداَ؟

لم أخترها مباشرة، ولكن رشحها لي أستديو وشركة إنتاج توينتي سينشري فوكس، عن طريق مدير أعمالي "ديفيد دريفيزي" ، وأتذكر ذلك اليوم جيداً. كان يوم الأحد، وكنت أكتب سيناريو فيلم آخر، وعندما وصلني سيناريو الفيلم قرأته دفعة واحدة في السرير ثم عادوت قراءته ثانية، فغمرني الحماس الشديد وقلت "هذا فيلمي".

أقوال جاهزة

شارك غردكنت أكثر توتراً في العمل مع إدريس من كيت، لأن إدريس بالنسبة لي أيقونة

شارك غردلن تغيب فلسطين ولا القضية عن وجداني، سأظل مربوطاً بالشرق الأوسط وهموم المواطن العربي أينما ذهبت

فكرة الفيلم عن لقاء شخصين فقط لايعرف أحدهما الآخر على قمة جبل ثلجي في ظروف خطرة جداً، فيصارعان من أجل النجاة معاً. ولكن الأحداث لَم تقف عند الصراع للبقاء وتطورت لقصة حب بينهما.

هذا حقيقي، ذلك الدمج بين الخطين الدراميين، الصراع من أجل البقاء والحب، من أبرز التحديات التي واجهتني في إنجاز هذا العمل، فهو صعب جداً، لأن للقصة قواعدها الخاصة وبناؤها المختلف. فمثلاً، الحب يحتاج إلى الألوان الدافئة بينما الصراع للبقاء ألوانه باردة، وهكذا مع جميع عناصر الفيلم والتطور الدرامي للشخصيات وغيرها. ونظراً لكوني أعشق التحدي، وافقت على هذا السيناريو لأن ذلك الدمج غير موجود في السينما منذ فترة طويلة.

بعض الكتابات النقدية اعتبرت أنك تركت قضية فلسطين عندما وصلت لهوليوود. ولكن بعد مشاهدتي "الجبل بيننا" شعرت بتماس مع أفلامك السابقة، حيث لمست نفس المفردات عن الصمود والعناد والحب وقبول الآخر والمقاومة من أجل البقاء.

الاستنتاج دقيق، أتعامل بنفس الحساسية مع موضوعات أفلامي، لم أرغب في أن تأتي معالجتي السينمائية للقضية الفلسطينية حماسية مليئة بالصراخ، كنت أميل دائماً للتعامل معها من الجانب الإنساني. فلسطين قصة إنسانية للعالم أجمع، وهكذا أتناول معظم أفلامي، البطل هو القصة. أضع أشخاصاً عاديين في ظروف غير عادية، ثم نختبر ما الذي سيحدث لهم، هل يمكن أن نخلق حباً في مكان لا يوجد به حب كما حدث في الجبال بين البطلين. وهو ما جذبني في سيناريو الفيلم لأنه كان ملهماً.

إذاً الإنسان قضيتك في فلسطين وعلى قمم كندا.

نعم، فيلمي يطرح كل الأسئلة البسيطة، ولكن الإجابة عليها في غاية الصعوبة، هل يتغير الإنسان؟ هل يفقد إنسانيته في الظروف الاستثنائية؟ هل يفقد محبته؟ وكيف يتغير؟ وهل "يعيش الإنسان عشان يحب أم يحب عشان يعيش"؟

الفيلم جعلني أبحث عن النفس البشرية وعن روحها التي يمكن أن تقودك للحب والحرب من أجل البقاء أو تجعلك شخصاً سيئاً، ولكن "الجبل بيننا" يميل أكثر لمخاطبة الفطرة الإنسانية النقية الشغوفة بالحب والمؤمنة بقبول الآخر.

"لأول مرة أشعر أنني مخرج" كلمات وردت في أول تصريحاتك بعد " الجبل بيينا". هل هذا يعتبر أبرز فروق التجربة الهوليوودية عن تجاربك السابقة؟

شغلي كمخرج لم يختلف من حيث إدارة الممثلين والصورة، ولكن اختلف التعامل مع الأستديو في هوليوود كثيراً. معظم القرارات المهمة توافقية مع فريق عمل أستديو "فوكس" من دون أن يسعى طرف للهيمنة على الآخر، فأي تعديل لا بد أن يكون قراراً جماعياً، أما اثناء التصوير فقد كان الموضوع متروكاً لي.

ولكن أبرز الفروق هو ضخامة الإمكانات والإنتاج المتوفر. إنتاج "الجبل بيننا" بلغ 45 مليون دولار، بينما إنتاج "عمر" بلغ مليوناً، هذه الإمكانات تمكنك كمخرج من تصوير أي مشهد يقفز في عقلك، فمثلاً مشهد تصوير سقوط الطائرة لولا الإمكانيات العظيمة لما نجحت في إنجازه في one shot.

وأخيراً شعرت أنني أقوم بدوري كمخرج فقط. أما المسؤوليات الأخرى في الأفلام السابقة كالانتاج والتسويق وتدبير النفقات فلم تعد موجودة في" الجبل بينا". لا يمكنكم أن تتخيلوا أن فريق العمل المسؤول عن اختيار اسم الفيلم والبوستر التسويقي يتكون من 80 محترفاً.

ألا ترى اعتمادك على ممثلين اثنين فقط بالفيلم مغامرة في أول تجربة هوليوودية؟

كان هذا تحدياً كبيراً ولكنه لذيذ، لقد نجحت في الحفاظ على انتباه المشاهد من خلال ممثلين فقط، وكان اختيار كيت وينسلت وإدريس إلبا موفقاً للغاية، كان لهما أداء ممتاز ساعدني أن أرسم به لوحة بصرية جيدة، إذ لوٰنت بتمثيلهم هذا الثلج الأبيض الذي يكسو الجبال ومعظم المشاهد، وأيضاً ساهمت الكتابة الجيدة للشخصيات في تكثيف الحوار وخلق الصراع ثم التوتر .

كيف كانت التجربة مع ممثلين عالمين وفريق عمل محترف جداً؟

(ضاحكاً) في بعض الأحيان، كنت أنظر إلى فريق العمل وأتعجب ماذا نفعل هنا! ولكن قمنا بالعمل على أكمل وجه، وأنا سعيد بل فخور بذلك، والتحدي الأكبر كان كيفية الوصول بالشخصية لتعيش داخل الحدث. فالتصوير كان مرهقاً في درجات حرارة منخفضة على قمم ثلجية. كان يهمني شعور الممثلين بالحدث واستشعار هذا الخطر الذي يعيشانه حتى يؤثر بعد ذلك على الجمهور، لأن المتفرج يجب أن يستشعر الحدث، وهذا كان أكبر تحدٍ لي.

كان اختيارهما توافقيً أيضاً مع شركة "فوكس"، ولكنني أُغرمت بهما منذ مشاهدتي صورة تجمعها في تقديم حفل توزيع جوائز "البافتا" بلندن عام 2016، شعرت من صورتهما أن عملهما معاً في فيلم واحد سيكون ملهماً، وعندما اقترحت اسم "إلبا" وافق فريق عمل فوكس عليه، فهو ممثل ساحر، لعب شخصية شديدة التركيب، ونجح أن يهضم مشاعرها المتضاربة. كنت أكثر توتراً في العمل معه من كيت، لأن إدريس  بالنسبه لي أيقونة.

معروف إن "وينسلت"، وهي الفائزة بالأوسكار والبافتا وغيرهما وتعاونت مع مخرجين كبار مثل (بيتر جاكسون) و (وودي آلن)، ستظهر أيضاً في فيلم يعرض خلال الأيام المقبلة وعنوانه  Wonder Wheel؟

من المؤكد كان التعامل مع ممثلة كبيرة مثل وينسلت صعباً، فهي مخضرمة وغنية بخبرات عديدة اكتسبتها من مخرجين كبار، وأنا شخصياً استفدت منها، فهي شديدة التركيز والتحضير للشخصية، كان صعباً توجيهها بطريقة مباشرة نحو تنفيذ مشهد معين، كان يجب أن يسبق ذلك نقاش وتبادل وجهات النظر، وكان ذلك تحدياً آخر ولكنني تجاوزته.

في تصريحات سابقة، ذكرت "نحن مجبورون على التعامل مع الاحتلال بشكل ما". أنت الآن في هوليوود، هل توافق على العمل مع ممثلين يهود من أصول إسرائيلية، ولديهم أفكار ضد القضية الفلسطينية؟

أرفض أي تعامل مع صهيوني، لست مجبراً على فعل ذلك في هوليوود، أما ما قصدته في التصريح فهو أنني عندما كنت أصور أفلامي بفلسطين، كنت مجبراً على استخراج تصاريح من الاحتلال، واستئجار بعض الكاميرات والآلات منهم. في فلسطين تتعامل مع أمر واقع، فالاحتلال يسيطر على  المياه والكهرباء، وأنت مضطر على استخدامهما.

هل ستعود بأفلام عن القضية الفلسطينية خلال الفترة المقبلة؟

لن تغيب فلسطين ولا القضية عن وجداني، سأظل مربوطاً بالشرق الأوسط وهموم المواطن العربي أينما ذهبت. ولكن أفضٰل تكملة مسيرتي في هوليوود للانتهاء من مشروعي كمخرج يطور نفسه ويتوجه لجمهور أكبر. أما فلسطين فهي موجودة في "الجبل بينا"، لكونها قضية إنسانية أكبر من فكرة تعلقكم بإقليم معين. فقضية فلسطين قضية الانسان أينما كان، ووجوده على الأرض، وتحديه للمظالم والبقاء، فالإقليم أكبر هنا في "الجبل بيينا"، حيث البحث عن قوة الحب، وعن الإنسانية، والروح الطيبة، وعلاقة البشر بعضهم ببعض وعلاقتهم بالطبيعة ثم بالتمدن والحضارة.

أخيراً، كيف تُقيّم مكانة السينما المصرية الآن؟

إنها تعاني الخفوت، ومكانتها بالعالم العربي توارت، لأنها غيّرت سياستها تجاه الأمة العربية وأصبحت شديدة الاهتمام بأمورها الداخلية.

التعليقات

المقال التالي