مسيرة عمر الجيزاوي أو شارلي شابلن العرب: من الملاهي الليلية إلى علب الكبريت الفرنسية و"الشيوعية"

مسيرة عمر الجيزاوي أو شارلي شابلن العرب: من الملاهي الليلية إلى علب الكبريت الفرنسية و"الشيوعية"

"أنا قابع في المنزل، أقوم من النوم ثم أعود إليه، أغلقت على نفسي الباب في غضب، انتابني اليأس وأصابني الاكتئاب، ضاعت الابتسامة التي كانت تلمع كما فص اللؤلؤ فوق فستان غانية، لتبدو الآن على فمي كما جزء من قطعة صفيح صدئ، أحتفظ في ركن من إحدى حجرات منزلي بكل قطع الإكسسوار التي كنت أستخدمها، قدرة العرقسوس، العصا الصعيدية الطويلة، العمامة ذات الثلاث طبقات، أصبحت رؤيتي لهذه الأشياء المعطلة تزيد من أحزاني".

بهذه الكلمات العفوية، سرد الراحل عمر الجيزاوي النهاية المأسوية لمشواره الفني، بعد أن أدارت له الحياة ظهرها لدى طرده من الفرقة القومية للفنون الشعبية، في أوج توهجه، لتغلق بعدها الأبواب في وجهه، وينتهي به الحال مكتئباً، حتى أن مونولوجاته التي أضحكت الآلاف لم تعد قادرة على إعادة بسمته.

عام 1956، عاد عمر سيد سالم "الجيزاوي" من باريس، بعد رحلة فنية قدم خلالها عدداً من الأعمال المسرحية، محملاً بالعديد من الأفكار الحديثة، التي حاول تنفيذ بعضها على مسارح الدولة للارتقاء بمستواها التكنيكي، فتم تعيينه في الفرقة القومية بمرتب 50 جنيهاً شهرياً.

إلا أن أحلامه تبددت سريعاً بعد عام واحد، حين كانت الفرقة في طريقها إلى أداء عروض في الصين الشعبية وعدد من البلدان في الخارج، فطلب منه يحيى حقي، وكان مسؤولاً عن الفرقة، أن يضع عصا في "قفاه" ويهرش بها لإضحاك الأجانب، فرفض معتبراً أن الأمر قد يبدو إشارةً إلى الاستهزاء به وببيئته التي تربى فيها. بعد ذلك وصله ذلك الخطاب الميري الذي "قطعوا به عيشه" إذ تم الاستغناء عن خدماته في 11 سبتمبر 1957، بحسب ما يحكي الكاتب الكبير فؤاد معوض الشهير بـ"فرفور" لـ"رصيف 22"، عن آخر حوار صحفي مع الفنان الراحل.

من أكوام الرمل إلى الشهرة

لم يكن طريق الصعيدي ابن "درب الروم" الذي يمر 100 عام على مولده، 24 ديسمبر 1917، مفروشاً بالورود، إلا أن موهبته صعدت به إلى سلالم الشهرة، فيحكي في لقاء إذاعي قديم ببرنامج "جرب حظك"، أنه حين عمل مع والده في مجال المعمار، كان يغني مع العمال وسط أكوام الرمل ورائحة كراسي الدخان وأكواب الشاي الأسود لحثهم على مواصلة الجهد، فأعجب أحد المقاولين بصوته ودعاه لإحياء زفاف ابنته، مضيفاً: "بقيت كل ما أغني في حتة يصقفولي، ولما جيت للقاهرة قالوا أنت منين قلت من الجيزة فسموني الجيزاوي".

يحكي معوض أنه بعد ما ذاع صيت الجيزاوي، احترف الغناء في الأفراح الشعبية في ضواحي الجيزة وفي الملاهي الليلية بشارع الهرم، ومن هنا وقعت عين الفنان علي الكسار عليه فقرر إدخاله في السينما، وقدمه كمونولوجيست في فيلم "يوم في العالي" عام 1946، مع محمد الكحلاوي، وشكوكو، وماري منيب، لتنطلق بعدها مسيرته الحافلة، التي وصلت إلى المشاركة في عشرات الأعمال، اشتهر في كثير منها بشخصية "شطيطة" الصعيدي الساذج، مع الفنانين محمد التابعي "كبير الرحيمية قبلي"، والسيد بدير "عبد الموجود ولد عبد الرحيم".

توضح الناقدة الفنية ماجدة موريس لـ"رصيف 22" أن للجيزاوي أسلوباً خاصاً لم يقلد أحداً فيه، فكانت شعبيته نابعة من واقع بيئته البسيطة، "الكلام اللي بييجي من الناس بيوصل لهم"، وظهر تميزه لتقديمه نوعاً آخر غير الذي يقدمه شكوكو، الذي كان يحظى بشعبية واسعة.

أقوال جاهزة

شارك غرديعتبر نفسه من معتنقي حكمة الفيلسوف هنري برجسون "الضحك لا بد أن يمتزج بالفلسفة، ولا بد أن تكون له غاية"

شارك غردللجيزاوي أسلوبٌ خاصٌ لم يقلد أحداً فيه، فكانت شعبيته نابعة من واقع بيئته البسيطة

ويرى الناقد طارق الشناوي أن ظهور الجيزاوي في زمن كان إسماعيل ياسين وشكوكو، قلل إلى حد ما من حظوظه الفنية، إلا أن ذلك لم يمنع تعاونه معهما في عدد من الأعمال، كما كانت له محاولات كثيرة على الشاشة، إذ قدمه عباس كامل في الشخصية النمطية ذات الشارب الكبير والعمامة والأداء الصعيدي، والتي لاقت قبولاً كبيراً، لكن هذا اللون انتهى بعد فترة قصيرة.

كوّن ابن "درم الروم" فرقة استعراضية وجال بها على مسرح الأزبكية ومسارح الإسكندرية، والعديد من الدول العربية والأجنبية. وكان يأتي من محافظة السويس مشياً، حيث تقام عروض الفرقة على خط القناة، للحصول على أموال من أسرته وإنفاقها على فريق عمله.

زار الجيزاوي أكثر من 35 دولة أوروبية، وقدم عروضاً على مسارح كثيرة، حتى أن صورته طبعت على "علب الكبريت" في فرنسا، وأطلق عليه الكثيرون لقب "شارلي شابلن العرب"، وأصبح بشهرة "كرارك جابر"، أي كلارك جيبل الممثل الأمريكي الملقب بملك هوليوود، وكان يتغلب على عدم معرفته باللغات الأجنبية بالتحدث إلى الناس باللغة العالمية "لغة الخرس"، بحسب ما يحكي عن نفسه.

شيوعي ساخر من الملك

سخرية الجيزاوي وضعته في كثير من الأزمات، وفق ما قاله في حواره مع فؤاد معوض، إذ أدرج البوليس السياسي، الذي يشبه أمن الدولة حالياً، اسمه ضمن كشوفه على أنه "شيوعي"، لتناوله شخصية الملف فاروق، حتى أنه تم تهديده بالسجن والتعذيب "بتهم ملفقة"، في حال عدم إشادته بالملك، وهو ما رفضه "بالثلاثة"، وقرر الاعتزال حتى قيام ثورة 23 يوليو التي أطاحت بفاروق، ليعود مجدداً من خلال أعمال عدة.

تفاني الجيزاوي في فنه لم يمهله وقتاً حتى للحزن على والدته، التي توفيت في يوم إحدى حفلاته على المسرح العائم، ورغم ذلك لم يجد تقديراً لهذه التضحية كما كان يتوقع. عن هذه الواقعة، يقول: "ذهبت للاعتذار لأن والدتي توفيت، إذ ليس لائقاً أن أغني في يوم مماتها، فرفض المسؤول بسبب اعتذار الفنان شكوكو عن الغناء في  الحفلة نفسها أيضاً، فعدت للمنزل للتحضير للجنازة ظهراً وإقامة الحفل في المساء، لأفاجأ بأوردر فيلم مع الفنان محمود المليجي"، ويضيف: "قلت يعني أنتي تموتي يا أمي ويجي الشغل كتير بالشكل ده، في الآخر اكتشفت أن الراجل الجد في الفن مش هيعيش".

وعلى الرغم من أن كلمات أول مونولوج له كانت "اقرا وسمَّعني يا غلاَّب.. هيقرُّوك إيه في الكُتَّاب، راح أبيع المحرات والفاس، وأجيبلك مِخلَة وكُرَّاس"، لم يأخذ الفنان الراحل حظه من التعليم بسبب ظروفه الأسرية، إلا أنه عمل على تثقيف ذاته وتعلم "المزيكا" بالإيحاء والفطرة، كما يصف نفسه، ويقول عنه "فرفور":

"حين كنت أتحدث معه كنت أشعر أنني أمام عميد الفن الشعبي، على غرار عميد الأدب العربي طه حسين، فكانت موهبته ولباقته طريقه إلى قلوب الجميع، كما كانت الثقافة السماعية ومخالطة كبار المفكرين حينها ذات تأثير أكبر من التعليم ذاته في صقل مهارات الكثير من الفنانين وغيرهم".

ويرى الشناوي أن المونولوجيست الشهير وجد عزاءه في حرمانه من الدراسة بأداء أغانٍ تحث على القراءة والتفكير، وكانت لديه موهبة كبيرة فى هذا الأمر.

ويصف الجيزاوي نفسه بأنه من معتنقي حكمة الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون بأن "الضحك لا بد أن يمتزج بالفلسفة، ولا بد أن تكون له حكمة وغاية"، مؤكداً أن مونولوجاته لا تقل في مستواها عن مسرحيات "برنارد شو"، فإذا كانت الأخيرة علماً اجتماعياً مدروساً فستجد شيئاً ذا قيمة في ما يقدمه هو أيضاً، "في إمكانك أن تطلق عليه لقب مصلح اجتماعي، وليست مهرجاً يقدم مجموعة نكات".

اكتئاب بسبب "بنت الجيران" وعزاء في الجمهور

لم يتخلَّ عن جلبابه الصعيدي وعصاه إلا عندما حاول خطب ود الفنانة شادية في فيلم "بنت الجيران"، لكن جمعتهما واقعة كانت سبباً في اكتئابه في أواخر حياته.

وهو فوجئ بعد غنائه "ياللي من البحيرة ومن آخر الصعيد" خلال العدوان الثلاثي بجمال سلامة يأخذ لحنه ويعطيه لشادية في أغنية "مصر اليوم في عيد"، ليزداد حزنه مع انتشار الأغنية وعدم تقديره، ويدخل في نوبة ضيق حتى وفاته، حتى أن القضاء لم ينصفه بشكل كامل بعد رحيله، فاعتمد اللحن مناصفة بينهما، وعندما اكتشفت شادية خداع سلامة لها، لم تفضل التعليق على الأزمة لحساسية موقفها، وفق ما يؤكده "فرفور".

لم يأخذ المونولوجيست الراحل حقه في التكريم أسوة بآخرين من جيله، باستثناء تكريم عبد الناصر له لاشتراكه في المجهود الحربي، وشهادة الزمالة الفخرية من أكاديمية الفنون التي منحها له السادات، إلا أن عزاءه كان في محبيه الذين حافظوا على تراثه حتى عصرنا الحالي.

حتى أن بعض الفنانين استعانوا بمقاطع من مونولوجاته في قوالب فكاهية في أعمالهم الحديثة.

من ينقذ المونولوج من الاحتضار؟

تتحسر ماجدة موريس على أزمة تناسي المبدعين، الذين ساهموا في إثراء الحياة الفنية في مصر، على الرغم من تضخم عدد الإذاعات والفضائيات في عصرنا الحالي، مؤكدةً أن البعض لم يعد يهتم بالتراث الإنساني، فلا تتذكر الإذاعة الفنان إلا في ذكرى وفاته، وقد تتناساه إذا تزامنت ذكراه مع ذكرى فنان أكثر شهرة منه، فهناك العديد من المطربين الذين حاولوا أن يسلكوا الفن الشعبي، لكن العالقين في الذاكرة منهم ليسوا كثيرين، لذا يجب إعادة تكريم جميع نجوم الفن المنسيين تقديراً لعطائهم الكبير.

ويخشى فؤاد معوض من وصولنا إلى حالة "الإفلاس الفني" بعد وفاة جيل العظماء وجيل الوسط، وتأثير ثقافة العصر الحالي على تضاؤل المواهب، حتى أصبحنا الآن أسرى "جيل الزراير"، "العيال فاتحة الموبايل ومقضية كل وقتها في الألعاب وسوبر مان"، داعياً الدولة إلى إعادة البرامج التي تهتم بالمنسيين في الفن المصري، على غرار برنامج "السنيد" الذي كان يقدمه يوسف معاطي في السابق، تقديراً لعطائهم.

في نهاية حياته، أبدى الجيزاوي تخوفه من احتضار المونولوج، وحذر من السماح بانقراض هذا اللون، لأن "الفن عايم ملوش حتة يسكن فيها"، داعياً إلى تهيئة سوق من المسارح المتجاورة للجمهور على غرار شارع عماد الدين للحفاظ على هذا التراث، "هتلاقي كل الناس دخلت تتفرج، ومن هنا يحدث التنافس والتطور، الواحد لما يرجع من شغله عاوز ملهى جميل، السينما لم تعد مسلية، أما المسرح فيه تجاوب، وفي المجمل الفن هو اللسان الأول والذخيرة الأولى".

التعليقات

المقال التالي