الطنبورة: غناءٌ يملأ الرأس ورقصٌ يسلطن قعدة الصحبجية

الطنبورة: غناءٌ يملأ الرأس ورقصٌ يسلطن قعدة الصحبجية

في مطلع القرن الماضي، ظهرت أغانٍ أطلق عليها "العشق" في الوقت نفسه كانت تنتشر حضرات الطرق الصوفية في بورسعيد، وجاء فن "الضمة" مزيجاً من النوعين، يجمع بين الأداء الحركي وملامح طقس الحضرة وكلمات العشق والغرام.

"السلام بيقول.. حلوة وعال يا أم الخلول.. طازة..حلوة وعال يا أم الخلول"

تطور الوضع وخرجت مجموعات غير رسمية وراحت تقدم عروضاً بآلة السمسمية ورقص البمبوطية وفن الضمة في شوارع بورسعيد، وبعد أن ينتهي المطرب من الغناء والرقص يوجه السلام باسم أحد المشاهدين لتحيته، لكن من دون جمع نقوط (أموال) من المشاهدين، وقد أطلق عليهم الصحبجية.

ومعروف أن "الصُحبجية أو الحظّوية" تشير إلى المجموعة التي تحفظ أغنيات التراث وتحب القعدة والفرح والرقص.

El-Tanbura

وبعد حرب العام 1967، عانت محافظة بورسعيد مثل الإسماعيلية والسويس من آلام التهجير والشتات. وعقب عودة المواطنين إلى مدن خط القناة، جرى تغيير وضع السمسمية والصحبجية.

علماً أن عروض السمسمية والضمة تحوّلت إلى تجارة أكثر منها فناً. وفي العام 1980 كان زكريا إبراهيم (65 عاماً) يتجول في شوارع بورسعيد حين شاهد الاختلاف بين عروض قبل التهجير وبعده: يقول: "اختفى من الساحة كبار حفظة تراث الضمة والسمسمية، والمؤمنون بالفكرة والصُحبجية والحظوية، لسببين أولهما أنهم لا يفضلون الأداء التجاري الدي لا يشبع فنهم أو روحهم، وثانيهما وجود فئة سيطرت على الشوارع بعد توظيف شبان بمبالغ قليلة".

ويضيف: كنت من مهجرين بورسعيد وانتقلت إلى الدقهلية وانضممت إلى فرقة "مهجرين السنبلاوين"، فغنيت ورقصت البمبوطية من عام 1969 حتى عام 1971، ثم انتقلت إلى القاهرة للدراسة، وكانت السمسمية متعتنا في مأساة التهجير.

"هنعيد الحظ من تاني"

"فكرت في جمع كبار مطربي السمسمية وإنشاء فرقة لحماية التراث من الاندثار. حينها لم يصدق أحد أني أستطيع تجميع فرقة، قالوا لي اِنسَ، لن يحدث"، يقول زكريا.

أقوال جاهزة

شارك غردتؤدي الطنبورة رقصة البمبوطية: حركات يقوم بها البحارة على المراكب من صيد سمك وتجديف وتجميع شباك

شارك غردفن "الضمة" مزيجاً من أغاني "العشق" وحضرات صوفية، يجمع بين الأداء الحركي وملامح طقس الحضرة وكلمات الغرام

على إثر ذلك، نشر مقالاً في مجلة غير دورية في بورسعيد، عن أهمية الحفاظ على التراث البور سعيدي وكيف يمكن الاهتمام به، وترك اسمه وعنوانه في نهاية المقال، لكن أحداً لم يتصل به.

شعر زكريا بأنه تحت تكليف إلهي، يحثه على ضرورة تكملة طريقه، يقول: "مسكت أول خيط في 23 ديسمبر 1988 وبدأت في تجميع كبار الحفظة وكوّنت فرقة "بورسعيد للتراث الشعبي"، وبدأت أتنقل بين أقاليم مصر لإحياء حفلات، حتى أني طلبت من صديق لي تجميع معارفه للاستماع إلينا بشكل مجاني.

واستمر الوضع على حاله خمس سنوات من الحفظ والتدريب الشاق وعدد قليل من العروض، ثم حالفنا الحظ وبدأنا ننتشر في القاهرة، وانهالت علينا عروض من مراكز ثقافية عربية وأجنبية وشاركنا في مهرجانات عدة".

El-Tanbura2

البمبوطية رقص البحر على البر

"يلا يا بحرية يلا.. المركب يلا.. والدوّر على الزملاء يسافروا.. واحنا على الجاية". لعلّ الحياة في جوار البحر الأحمر وميناء قناة السويس أثرت على سكان بورسعيد تأثيراً كبيراً في طرق غنائهم ورقصهم.

تتميز فرقة الطنبورة بأداء رقصات البمبوطية، التي استوحتها الفرقة من الأجيال الأولى، وهي حركات يقوم بها البحارة على المراكب في البحر من صيد سمك وتجديف وتجميع شباك وتسويق البضاعة لركاب السفن والحاويات الكبرى التي تمر من قناة السويس، ولكن الإيقاع الحركي أسرع ومتجانس ومحترف، ويُقدم العرض بشكل فردي أو جماعي.

السمسمية والطنبورة

في مطلع العام 1994، كان خط القنال يستخدم آلة السمسمية فقط في العزف إلا أن الرّيس زكريا رغب في تطويرها، يقول: "بحثت في الآلات الموسيقية الأفريقية فوجدت آلة تسمى الطنبورة (آلة وترية أكبر من السمسمية) تستخدم في طقس الزار السوداني. مزجت الآلتين معاً، ثم غيرّت اسم الفرقة إلى الطنبورة بدلاً من فرقة بورسعيد للتراث الشعبي".

ومنذ ذلك الحين، انطلقت "الطنبورة" إلى إحياء حفلات على الصعيدين المحلي والدولي.

يا طالعين القصر لفوق

يا نازلين سلمولي

على غزال وعيونه السود

هو السبب لتّلف روحي

على الرغم من أن الاعتقاد السائد لدى الغالبية هو أن فرقة التراث الشعبي تُغني ألواناً محدودة من الموسيقى، مثل الحنين إلى الوطن أو أغاني العشق أو المونولوج، فإن الطنبورة طوال 30 عاماً استطاعت تقديم أكثر من لون موسيقي وغنائي بإيقاع حركي.

يرى الموسيقى محسن العشري، عازف السمسمية وعضو الفرقة، أن التراث البورسعيدي على أنغام السمسمية، مرّ بثلاث أزمان، اولها العدوان الثلاثي 1956، وثانيها التهجير من بورسعيد 1969، وثالثها أكتوبر 1973. ولم ينحصر الأمر في ذلك بل تطور إلى أغنيات صوفية، وعاطفية.

طوّر العشري موسيقى آلة السمسمية عبر صناعة أكثر من مقام وحصد على إثر ذلك جائزة من مجلة "Song lines" الإنجليزية كأحد أفضل 50 عازفاً في العالم.

ويضيف لرصيف22: "موسيقى السمسمية تشيع البهجة، وهو ما نشعر به في الدول الأجنبية الذين يتذوقون ما نقدمه ونجد استحساناً وإعجاباً على الرغم من عدم فهمهم الكلمات العربية.

يقول العشري: "إن سوق الموسيقى لا يهتم بالموسيقى الشعبية بالقدر الكافي، كما أن من يحصل على جائزة أو تكريم دولي لا يجد اهتماماً محلياً".

حفلة أسبوعية مجانية

من يوم التأسيس تداوم الفرقة على تقديم حفل مجاني كل أربعاء من التاسعة مساء حتى منتصف الليل، في كافتيريا "النجمة" في بورسعيد، ولم تتوقف إلا لظروف طارئة، حتى تستكمل إسعاد "الصحبجية".

تستخدم الفرقة آلات (السمسمية، الطنبورة، الصاجات، النادي، الشخاليل، المثلث، الرق، الطبل)، وتتكون من 15 عضواً منهم: الريس زكريا إبراهيم، سيد عزام، محسن العشري، مرسي لشين، مسعد موسى، أحمد العشري، فرج حسن، كريم رجب، محمد العربي، إيهاب سالم، أسامة العشري، سامي بكري.

ومن الأعضاء القدامى، الريس إمبابي توفي سنة 2001 عن 63 عاماً، الرّيس أحمد وليم توفي سنة 1992 عن 75 عاماً، السطي محمد القط توفي سنة 1993 عن 78 عاماً، سعد أبو الشحات توفي سنة 1994، جمال عوض توفي سنة 2015.

كما شاركت فرقة الطنبورة في مهرجانات عدة على الصعيدين المحلي والدولي، منهم مهرجان موسيقى الشعوب في إيطاليا 1997، وفي المهرجان الدولي للأغنية والموسيقى في ماريفيل 2000 وحصدت الفرقة الجائزة الأولى،  بالإضافة إلى مشاركتها في مهرجان Womad في إنجلترا ومهرجان WOMEX في إسبانيا.

سجلت الفرقة أكثر من 20 ساعة من التراث الغنائي الشفهي الذي لم يسبق له التدوين. وأنتجت الفرقة 3 ألبومات بعنوان "نوح الحمام" و" أهوى القمر" و"يناير26"، وبالتعاون مع شركة 30IPS الإنجليزية أنتج ألبومين بعنوان "بين الصحراء والبحر" و"أصحاب البمبوطي". وتحتفل "الطنبورة" بعيد ميلادها في 8 ديسمبر 2018 في دار الأوبرا المصرية بالعام الثلاثين من حفظ التراث الشعبي البورسعيدي.

وحفاظا على بناء جيل جديد، أنشأ الرّيس زكريا فرقة مدرسة أطفال (براعم الطنبورة) لتعليم الأطفال الرقص والغناء في العام 2003 وتتراوح أعمارهم من 6 إلى 16 عاماً.

التعليقات

المقال التالي