"أولاد الناس" تعبير نطلقه للمديح أو للذم، دون أن نعلم أصوله المملوكية المثيرة

"أولاد الناس" تعبير نطلقه للمديح أو للذم، دون أن نعلم أصوله المملوكية المثيرة

"ولاد الناس"، هكذا تُقال بالعامية، تعبير مصري يعني أبناء الناس المحترمين "مركزاً وخُلُقاً" أو "أبناء علية القوم"، ومؤخراً تناثرت بعض الأقاويل المنتقدة لهذا المصطلح، ووصفته بـ"الطبقي" أو "العنصري"، باعتباره يميز فئات من المجتمع عن فئات أخرى.

المعارضون له يزعمون أن أصل "أولاد الناس" هو مسمى أطلقه المصريون في العصر المملوكي على "مجهولي" الأصول، بل وتطرف بعضهم فقال أنه يعني "أبناء الزنا" أو "أولاد الحرام" حسب التعبير الشعبي، أي أنه تعبير نابع من هوس المجتمعات العربية بالأصل والنسب، ويُقصَد به في واقع الأمر التهكم على من يُطلَق عليه والانتقاص من شأنه.

ولكن القارىء في تاريخ الحقبة المملوكية ومصطلحاتها يدرك خطأ تفسير هذا المفهوم، فحقيقة الأمر أن "أولاد الناس" هم إحدى فئات المجتمع المصري التي لم تكن قليلة الشأن ولا سيئة السمعة، فماهي قصة اللفظ الذي بدأ مع تاريخ القادمين إلى مصر من المماليك وأصبح اليوم مصطلحاً يستخدمه عامة الناس؟

عن المماليك والأصل والنسب

في العصر الأيوبي، وتحديداً في آخره، لجأ السلطان نجم الدين أيوب للاستكثار من شراء المماليك لتكوين فرق مسلحة تعد هي دعامة دولته، هذه السياسة كانت بداية صعود تلك الطبقة حتى إسقاط الدولة الأيوبية على أيديهم وإقامة الدولة المملوكية الحاكمة لمصر والشام (1250م – 1517م).

كان المصدر الرئيسي لامتلاك المماليك هو الشراء من "الجلّابين"، أي تجار العبيد، وكانت أجناسهم الرئيسية هي "الترك" الذين يعيشون في غرب آسيا (تركمانستان وكازاخستان وأوزبكستان حالياً) أو "الجركس" (الذين كانوا في ذلك الوقت متركزين في إقليمي أبخازيا والشيشان حالياً) والروم (اليونان) والمغول، فضلاً عن بعض الجنسيات المتفرقة من بعض مناطق أوروبا.

وكانوا إما سبيّ حروب متبادلة بين قبائل تلك المناطق فيقوم السابي ببيع أسراه أو أحياناً كانت بعض الأسر تبيع بعض أبنائها لإطعام بقية الأسرة، أو طمعاً في فرصة حياة أفضل للابن المُباع.

كان "المملوك" يحمل اسمه ويقال بعده "ابن عبد الله" لتحييد أبيه المنقطعة صلته به، أو كان يقال "مِن فلان" أي الذي باعه التاجر فلان، مثل الأمير "يشبك من مهدي"، أي الذي باعه التاجر مهدي، وأحياناً كان يحمل اسم بائعه في نسبته كـ"قايتباي المحمودي" نسبة لتاجر اسمه محمود.

في المحصلة، في الحالات كلها، كان النسب مغيباً، وكل سلاطين المماليك الذين جُلِبوا في صغرهم من الخارج كانوا على هذا الحال، عدا السلطان برقوق الذي كان أحياناً يحمل اسم "برقوق بن أنص"، ولكن بشكل عام فإن آباء وأمهات المماليك كانوا مغيبين، وإن لم يعنِ هذا، بالطبع، أنهم أبناء زنا.

لم يكن المماليك يجهلون نسبهم، ولم تنقطع علاقتهم مع أسرهم، ولكن تحييد أصلهم بمصطلح "ابن عبد الله" جاء في سياق تأهيلهم لمكانتهم الجديدة في مصر

ولكن على عكس الشائع من أن علاقة المملوك الذي يُجلَب عادة طفلاً في السابعة أو السادسة من عمره، تنقطع تماماً ونهائياً بأصله، فإن ثمة إشارات في بعض كتب المؤرخين المعاصرين للعصر المملوكي أن بعض سلاطين أو أمراء المماليك قد استحضروا بعض أهلهم إلى مصر، أو كانوا يعرفون من له صلة قرابة بهم من غيرهم من المماليك.

وأوضح نموذج لذلك هو السلطان قايتباي الذي جلب أخاه كبيراً من بلاده وجعله يسلم على يديه، وقيل بأنه ختنه، وكانت له أخت تعيش في مصر ماتت في الطاعون، وكان له قريب من جهة الأم اسمه "الأمير جانم الشريفي" وابن أخت اسمه "تمراز الشمسي"، أي أن المماليك كان منهم من يبحث عن أصوله وقبيلته الأم بل وأسرته ويصل إليها، وفي أضيق الحدود كان معروف الجنس أو العرق فيقال "التركي" أو "الجركسي" أو "الرومي"، وهكذا.

عندما أصبح المماليك مصريين

هؤلاء المماليك الذين نموا وكبروا في مصر، كانوا يتزوجون بها ويصبح لهم أسر وأبناء، فيكون الأب وافد أجنبي مصري المنشأ بينما الأم مصرية، والابن مصري المولد والمنشأ معاً، فنشأت طبقة من أبناء المماليك توغلت في المجتمع المصري وخاضت تلاطمات حياته، وهذه الفئة هي من اصطلح المصريون على تسميتها "أولاد الناس"، وهو بمصطلح علم الاجتماع اليوم، ما يسمى بـ"أبناء الثقافة الثالثة"، أي من ينشأ في بلاد غير بلاد أهله.

كانت مسألة جهالة النسب، في بداية حكم المماليك، موضع تهكم وازدراء من المصريين، حيث يشاع بأنه في بداية حكم أيبك كان يستوقفونه الناس في موكبه ويسألونه بسخرية "لمن ينتسب مولانا؟" أو كان بعضهم يصيح به "نريد سلطاناً حراً على الفطرة"، ولكن القراءة في كتب مؤرخي هذا العصر تبين نسقاً ثانياً، كان يستخدم فيه مصطلح "أولاد الناس" بشكل عادي لا يحمل استهزاء أو ازدراء، وكان معترفاً به رسمياً في سجلات السلاطين حيث كانت طبقة "أولاد الناس" مسجلة في دواوين الجُند في فئة "جُند الحلقة" (قوات الاحتياط) بنفس اسمها هذا.

إذاً القول بأن المصطلح كان "سُبة" يبدو مخالفاً لما تقدمه لنا كتب التاريخ.

أولاد الناس "الأسياد"... الفئة سيئة الطالع

وحتى هذه الفئة كانت منقسمة إلى فئات، تحديداً إلى فئتين، الأولى هي أولاد الناس من أبناء الأمراء والجند المماليك، والثانية هي "الأسياد" وهم أبناء السلاطين من المماليك.

الفئة "العادية" كانت متداخلة إلى حدّ كبير مع فئات متنوعة في المجتمع، فكان منها "أهل القلم" من الفقهاء والأدباء والمؤرخين والتجار وأرباب الصناعات، وكان منها "أهل السيف" من أرباب المناصب العسكرية المحيطة بالسلطان، أي أنها –بشكل أعمق– قد اندمجت مع نسيج المجتمع المصري.

أما فئة "الأسياد" فكانت حبيسة الوَسَط "السلطاني"، فكل منهم مرشح لولاية العهد، وقد بلغ بعضهم بالفعل منصب السلطنة، كأبناء الظاهر بيبرس وأبناء المنصور قلاوون وغيرهم. ولكن رغم تلك الحظوة للأسياد فإنهم كانوا، بحق، الفئة الأقل حظاً.

ومرد ذلك، بالمقام الأول، أنّه غالباً ما كان السلطان يموت مخلفاً وراءه أبناء صغار السنّ، هذا من ناحية، غير ضلعاء في لعبة السياسة والحكم، أو بلا "ظهير سياسي" يدعمهم فيها، هذا من ناحية أخرى، وكانت نتيجة ذلك أنهم كانوا يُستَخدَمون إما كـ"سلاطين دُمَى" يعينهم أمير قوي ويتخذ أحدهم ستاراً لحكمه حتى إذا ما استنفذ غرضه تخلص منه وأتى بغيره (وهو ما جرى مع أبناء الناصر محمد بن قلاوون).

أو كانوا يُبايَعون بالسلطنة لفترة قليلة ثم ينقلب عليهم أمير متغلب بحجة "شرعية" هي صغر السن وبالتالي انعدام الكفاءة للحكم، ويكون مصيرهم النفي أو الإقامة الجبرية وهو ما جرى مع كلّ من "السعيد بركة خان" و"سلامش" ابني الظاهر بيبرس، وأبناء السلاطين المؤيد شيخ والظاهر ططر والظاهر جقمق وغيرهم.

من بين 55 سلطاناً مملوكياً، لم يستقر الحكم  لأيّ من "أولاد الناس"، بل كان مصيرهم الخلع أو الاغتيال أو الحبس أو الإقامة الجبرية

يستثنى من هذه الحالة من يسعفه الحظ بسلطان لين الخُلُق يكتفي بتحديد نطاق سكنهم أو ترك حرية الحركة لهم تحت نظره.

والواقع أنّ من بين 55 سلطاناً مملوكياً، لم يستقر الحكم  لأيّ من "أولاد الناس" إلا السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وحتى هذا فإنه قد خُلِعَ مرة لصغر سنه، ثم أعاده بعض الأمراء ليحكموا باسمه، ثم خلع نفسه للتضييق عليه، ثم رجع واستطاع أن يسيطر على الحكم نحو 30 سنة بعدها.

فكان مصير أولاد الناس من السلاطين كالتالي: المنصور علي بن أيبك خُلِع وحُبِس على يد قطز.

السعيد بركة خان بن بيبرس ثم أخوه سلامش خُلِعا على التوالي ونُفيا لبيزنطة على يد قلاوون.

الأشرف خليل بن قلاوون تم اغتياله في رحلة صيد.

أبناء وأحفاد الناصر محمد بن قلاوون (أبو بكر، كجك، وأحمد، وشعبان، وحاجي، وحسن، وصالح، ومحمد بن حاجي، وشعبان بن حسين، وعلي بن شعبان بن حسين، وحاجي بن شعبان بن حسين) قضوا بين تحديد إقامة أو قتل أو إعدام أو اغتيال.

فرج بن برقوق اغتيل بعد خلعه. أما عبد العزيز بن برقوق دبر أخوه قتله رضيعاً.

وإبراهيم بن المؤيد اغتيل بالسم خلال ولاية عهده وقيل أن ذلك بتدبير من أبيه.

وخمسة منهم خلعوا، هم: أحمد بن المؤيد شيخ، ومحمد بن ططر ويوسف بن برسباي وعثمان بن جقمق وأحمد بن إينال.

أما محمد بن قايتباي فقد تعرض للاغتيال.

أولاد الناس من أهل السيف والقلم

إن كان حظ فئة "الأسياد" من أولاد الناس عاثراً على طول تاريخهم، فإنه لم يكن بالضرورة كذلك بالنسبة لغيرهم ممن انضموا لأرباب السيف أو أرباب القلم.

فأما من انضموا منهم لأرباب السيف وتولوا الرتب العسكرية والمناصب الإدارية، فقد تفاوتت حظوظهم وفقاً للأحداث، وبحسب انحيازهم للجانب الرابح أو الخاسر في الصراع.

وإن كانت تلك الفئة قد مرت بمحنة خلال فترة حكم السلطان قايتباي، فكما سلف الذكر فإن أولاد الناس كانوا مسجلين في دواوين الجند، وبالتالي كان لكل منهم أجراً أو "جامكية" وإقطاع يتعيش منه، وهذا باعتبار أنهم يمثلون قوة الاحتياط في الجيش المملوكي.

INSIDE_WladEnnas2

فلما جاء قايتباي وكان شديد النشاط عسكرياً، حيث أرسل 16 تجريدة/حملة في عهده لحماية الحدود وقمع المتمردين، واحتاج إلى تمويل حملاته، فاستدعى أولاد الناس إلى القلعة وقرر أن يختبر كفاءتهم الحربية، فاختبرهم في الرماية، فمن أجاد منهم أبقاه على درجته ومن لم يجد الرماية عنّفه ونزع إقطاعه أو أمره أن يموّل إرسال مقاتل محله للحرب.

كما قطع قايتباي رواتب كثيرين منهم أو فرض عليهم غرامات حربية لعدم جدواهم رغم تسجيلهم في الجند.

رغم ذلك فإن أرباب السيف من أولاد الناس كان لهم حظ كبير من الحظوة فمنهم من تولى الرتب العسكرية الكبرى ومنهم من بلغ المناصب السلطوية العالية كأتابكية العسكر (قيادة الجيش) ونيابة السلطان والدوادارية (صاحب سجلات ورسائل السلطان) والأستادارية (القائم بمتطلبات البيوت السلطانية) والولايات وغيرها، ولكن احتفاظهم بمناصبهم وترقيهم فيها كان يتوقف دائماً على اتخاذهم الانحياز للمنتصر في الصراعات المملوكية التي لم تكن تنتهي.

وفي كتابه "أولاد الناس في عصر سلاطين المماليك"، يقدم لنا الباحث التاريخي السيد صلاح الدبيكي قوائم بأبرز من تولوا المناصب العليا من أولاد الناس خلال العصر المملوكي، فنجد منهم نحو 35 حملوا رتبة "أمير مئة مقدم ألف" (أمير مئة في السلم ومقدم ألف جندي في الحرب)، و51 منهم حملوا رتبة "أمير طبلخانة" (أمير عدد لا يقل عن 40 مقاتل ويحق له ضرب الطبول في تحركاته)، و56 "أمير عشرة"، و4 نواب للسلطنة، و2 في الأتابكية، وحوالي 150 اسماً بين ولاة وحُجّاب وأمراء سلاح (قائم بالأسلحة السلطانية) ومسؤولين عن مناصب مختلفة في الدولة.

أما أهل القلم الذين لم يميلوا للحياة السياسة والحكم والإدارة وما يحيط بها من مخاطر ومؤامرات وصراعات، فاتجهوا للحياة العلمية خاصة الأداب والفقه والتاريخ.

بل أن منهم من تعتبر كتاباته من مصادر التاريخ المملوكي، كابن إياس الحنفي صاحب كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، وابن تغري بردي الأتابكي (أبوه كان أتابك العسكر) صاحب كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، وابن أيبك الدوادار صاحب "كنز الدرر وجامع الغرر" وابن دقماق صاحب "الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين".

هذا فضلاً عن أسماء بارزة في مجالات علمية أخرى مثل ابن مغلطاي في علم الحديث، والقاسم بن قطلوبغا في الفقه، وابن خليل الصفدي في الأدب صاحب أشهر مؤلف من نوعه "الوافي بالوفيات"، وابن المجدي في الرياضيات والفلك، وعبد الباسط بن خليل في الطب، وناصر الدين بن البابا في الموسيقى، وغيرهم كثر.

نهاية أولاد الناس

مع دخول الغزاة العثمانيين إلى القاهرة، اختل التوازن السياسي فيها، ووقعت مداهمات لمطاردة المماليك الجراكسة، فكان من ضحايا تلك المداهمات والمضايقات أولاد الناس، حيث كانوا يستوقفونهم ويتهمونهم أنهم جراكسة، فإما أن يفتدوا أنفسهم بشيء من المال أو أن يكونوا عرضة للقتل العشوائي الذي طال غير المماليك كذلك.

في هذه الفترة، وضمن هذه الظروف، اضطر هؤلاء للذوبان بين العوام والتغلغل في طبقات الشعب، خاصة أنهم بطبيعة الحال كانوا قد فقدوا حظوتهم بزوال الدولة الراعية لهم. وبذلك اندثر "أولاد الناس" كطبقة منفصلة، لكنهم أصبحوا جزءاً من الشعب المصري، في كل مكوناته وطبقاته، أما الاسم، فقد تغيّر، بعد أن ذابت صلته المباشرة والحصرية بهم، فبقي مستخدماً للدلالة على صاحب المقام الاجتماعي "العالي"، أو ذلك الذي يدل سلوكه على خلق كريم.

المصادر: عصر سلاطين المماليك، قاسم عبده قاسم؛ أولاد الناس في عصر سلاطين المماليك، السيد صلاح الدبيكي؛ مصر المملوكية، هاني حمزة؛ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن تغري بردي؛ بدائع الزهور في وقائع الدهور، ابن إياس؛ دولة المماليك في مصر وبلاد الشام، محمد سهيل طقوش؛ دم المماليك، وليد فكري.

وليد فكري

صحافي مصري وباحث في التاريخ. يمارس الكتابة التاريخية منذ عام 2009 في عدد من المواقع الإلكترونية العربية. صدرت له كتب "تاريخ شكل تاني" (2010)، "تاريخ في الظل" (2012)، "مصر المجهولة" (2015)، "دم المماليك" (2016)، "دم الخلفاء" (2017)، "أساطير مقدسة" (2018)

التعليقات

المقال التالي