"ستاتيكو" المسرح يهزّ سكون الحرب السورية

"ستاتيكو" المسرح يهزّ سكون الحرب السورية

"وداعاً أيُّها العالم الذي لا يستحقُّ مني أن يُرى حتى صباحُك" يقول "حَكَم" في تسجيلٍ صوتيِّ يوثِّقُ قرارَه بالانتحار، مكرِّماً فيه أطفالَ سوريا الذين يُقتَلون يومياً، مشهدٌ يستهلُّ عرضَ "ستاتيكو" الذي نجح في تقديم فُرجةٍ مسرحيةٍ عكستْ المشهدَ السوري المُثقلِ بأوجاعِ الحرب وسنينِها التي أغرقَتِ الحياةَ والفكر في جمودٍ لخصُه اسم العرض -ستاتيكو كلمة تعني السكون.

بدأت مسرحية "ستاتيكو" –نص شادي دويعر إعداد وإخراج جمال شقير– عروضَها في شباط/فبراير الماضي على "مسرح القباني" بدمشق، ثم في المركز الثقافي بمحافظة السويداء، وفي الشهر الماضي استضافتها خشبةُ "مسرح المدينة" ببيروت. في حين يستعد فريق العمل للمشاركة في الدورة الـ19 للمهرجان الدولي لأيام قرطاج المسرحية بتونس بدايةَ الشهر القادم، وقد استأهل العرضُ الدخول في مسابقة المهرجان الرسمية حسب ما أكدت لجنته في بيانٍ لها.

عام 2002 كتب شادي دويعر فكرة النص التي استهوت جمال شقير وقتها، لتسنح لهما الظروف بنقاشها بعد 12 عاماً، فأعادا هيكلة النص بما يتناسب مع رؤية شقير الإخراجية للفكرة حسب قوله. مع إبقاء تيمة العرض التي قوامها أنَّ "قراراتنا ليس ملكنا، بل هي بيد القدر حتى قرار الحياة والموت خارج عن إرادتنا بدليل أننا عندما نرغب بالحياة يخطفنا على غفلة".

INSIDE_Statico

"ستاتيكو" يقدمُ معالجةً لواقعِ الحرب السورية التي أنهكت الجميع، عبر شخوصٍ ضلوا الطريق إلى أنفسهم وإلى حياةٍ أوصدت أبوابها ولم تبقِ حتى مساحةً للتأمل، ليصبح الإنسان مجردَ دميةِ ماريونت في يد قدرٍ قابضٍ على البدايات والنهايات أيضاً.

فبينما يسجلُ حكَم (سامر عمران) رسالتَه الصوتية إلى الحياة –عبر مذياع- مبلغاً قراره بالانتحار، يقاطعه جاره (محمد حمادة) ويطرق الباب طالباً بصلة، لكن عبثية الجار دفعه إلى التعليق بفظاظة على حال البيت البائسة التي ربما تختصر المشهد بتفاصيله، لوحة "الغرينكا" لبيكاسو رمز الحرب الذي أصبح رمزاً للسلام بعد الحرب الأهلية الإسبانية، كإشارة إلى قدرة الفنّ على تقديم حيّز من السلام مقابل العنف والصخب السوريَين الظاهرَين أيضاً من النافذة المطلّة على المدينة المتعبة.

أقوال جاهزة

شارك غرد"قراراتنا ليس ملكنا، بل هي بيد القدر حتى قرار الحياة والموت" فكرة تقدمها مسرحية ستاتيكو

شارك غردتكاد تتلاشى ملامح تاريخ المسرح السوري في ظل الحرب، فهل تنجح عروض فردية بإنقاذه؟

خلوةُ حكَم مع مذياعه تنقطع مرةً أخرى، بدخول أمل (نوار يوسف) الفتاة الزائرة عند الجار وقد فوجئا بقدوم أهله فلم تجد سوى اللجوء إلى حكم ريثما يتبعها بفردة حذائها الأحمر التي بقيت عنده، وكأن حياتها كما الحذاء في بحث دائم عن الاكتمال، لتجد في قصة حكم رجاءً لها بالأفضل، فحسب نبوءة صديقتها في فنجان القهوة حياتُها ستستقر عندما ترى جثةً أمامها، الأمر الذي يدفعها بدايةً لتشجيعه على تنفيذ قراره.

العبث السوري يطالُ بيتَ حكَم في لحظة فوضى تقلبُ المكان بعد شِجارٍ بين أمل وعشيقها المتجبر الذي تبعها بعد وقتٍ كان كفيلاً بتعطيل قرار حكم بالانتحار بفضلِ كأسِ شايٍّ نجح في خلق بعض المشاعر بينه وبين أمل.

لكن قراراتِ الحياة أبقى وأقوى حتى لو شاء حَكم غيرَ ذلك، تعيدُ ترتيبَ الأحداث على غيرِ التوقع، فتلهو بمصيرِ حكم، ثم تذهبُ بأمل وعشيقها إلى عتمة المدينة، ويبقى المذياعُ ليرويَ القصصَ المخبأة فيه.

عن بناء العرض وتحدياته

نجح أبطال العرض بأدائهم اللافت في خلق مساحة مع المتلقي ملؤها التفاعل والتأمل، عزّزَ ذلك المؤثرات البصرية والصوتية التي خلقها درامز سيمون مرييش وإضاءة أدهم سفر وقد تواءمت تلك العناصر مع فكرة العرض ورؤيته الإخراجية كلوحةٍ أُنجِزَت بدأب.

هي التجربة الإخراجية الأولى لجمال شقير والتي لم تجرِ تحضيراتها بسهولة، تحديات كثيرة واجهتهم كما يقول، لعل أصعبها دوام انقطاع التيار الكهربائي والبرد القارس في مكان البروفات التي بدأت الشتاء الماضي.

رغم ذلك سعى مع باقي فريق العمل ليخرجَ العرض بهذا الشكل ويترك انطباعاً جيداً لدى المتقلين. مؤكداً لرصيف22 أنَّ فكرة العمل والشكل الذي طرحت به هما سبب نجاحه، إلى جانب أداء الممثلين الذين آمنوا بالفكرة وعملوا جاهدين لتقديم فُرجةٍ تليق بتاريخ المسرح السوري الذي كادت ملامحه تتلاشى في ظل ما يعصف بنا.

أغرق شقير في واقعيته ضمن إطار عبثي يعكس المشهد السوري، محاولاً توظيف مفرداته–النص، الممثلين، السنوغرافية–فيما يخدم بينة العرض الدرامية، ساهم في ذلك الحوار المستمر مع الكاتب بداية ثم الممثلين وباقي الفريق حسب قوله.

يضيف "حاولت اختصار السرد متكئً على أداء الممثلين الخلاّق وعناصر السينوغرافية التي جسدت واقعية العرض، فالمسرح عبارة عن غرفة مطلة على دمشق المدينة الصاخبة والمثقلة بأصوات الحرب، كل ذلك حقّقَ الصورة التي شكلتُها في ذهني عن العرض مسبقاً".

INSIDE_Statico2

زخمٌ فني آخر حققته مستوياتُ الإضاءة التي بناها المصمم أدهم أسفر فأغنت العرض وعطفت الممثلين والمتلقين مع الخط الدرامي المضحك في آن والمبكي في آن آخر.

عن رؤيته البصرية يقول "اعتمدَتِ الإضاءة تيمةَ العرض التي تركز على قضايا الإنسان، فكان مناخُها العام بسيطاً ومرسوماً بشكل يعايش حالات الممثلين وتغييراتها، فشملت الإضاءة فضاءَ الخشبة بمستوياتٍ تتفاوتْ بتفاوت إيقاع العمل، الأمر الذي عزّزَ التواصل مع المتلقين".

يعرج سفر على التحديات التي واجهتهم خلال التحضير والعروض أيضاً، مضيفاً: "تجاوزناها لإيماننا بفكرة العرض وبأننا نقدم ماهو مختلف، خاصةً أننا في زمنٍ يفقتر إلى أعمال تحمل فكرةً قويةً لبناء عرضٍ يحترم عقلية المشاهد". 

المسرح السوري في ستاتيكو أيضاً

"المسرح السوري في حالة تأخرٍ لأسبابٍ عديدة"، يقول أدهم سفر على اعتباره مديراً لـ"مسرح الحمراء" بدمشق، مضيفاً أن مفهوم الشللية سيطر مؤخراً على العروض المسرحية "هي مجموعةٌ من الأسماء المكررة التي تقدم عروضاً موسمية دون أي تبني لفكرة أو قضية أو مشروع".

INSIDE_Statico3

يضيف أنَّ بعض نجوم الدراما السورية يقدمون عروضاً مسرحية بعقليةِ التلفزيون التي بدورها تختلف تماماً عن المسرح "المسرح له ثقله وفِكرُه المختلف بعيداً عن مفهوم النجم".

يتابع سفر أنَّ دائرة المسرح الجماهيرية لا تزال ضيقةً، فباستثناء مشاركة بعض النجوم في العروض التي تُوسِّع عددَ المتابعين ليشملَ طلبة الجامعة ومرتادي المسرح، يبقى جمهور بقيةِ العروض محدداً ومكرراً.

جمال شقير لا يذهب بعيداً عن رأي زميله في تردِّي حال المسرح السوري، لافتاً إلى أن وزارة الثقافة تنتج كمَّا جيداً من العروض سنوياً لكن "ما يهمُّ هو جودة تلك الأعمال وليس عددها، فلو خضع بعضها لإشراف مختصين ورقابةٍ مهمتها تقويم سوية العرض، لكان المسرح السوري بحالٍ أفضل".

يضيف أنه ورغم ذلك، فإن هذا الكم من العروض يعني أن الممثلَ السوري لايزال حاضراً رغم الظروف، فثمة ناس حريصون على العمل في هذا المكان الذي يعشقونه.

التعليقات

المقال التالي