"تونس السكر، انا": عندما يصبح الخمر حيلة سردية لكشف التغيرات التي تعيشها تونس اليوم

"تونس السكر، انا": عندما يصبح الخمر حيلة سردية لكشف التغيرات التي تعيشها تونس اليوم

في حدود سنة 1933، ابتكر الأديب التونسي علي الدوعاجي (1909 - 1949) فكرة طريفة لارتياد بعض المدن المطلة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط تتمثل في وصف العوالم المدهشة للحانات والخمارات.

ومن شأن طرق هذه الزاوية الصاخبة من حياة الناس أن تكشف طبيعة المرح والدعابة لديهم وهي في الوقت ذاته تبيان للجوانب الأخرى المعتمة والمليئة بالقساوة والغموض والمكابد والحيرة الوجودية.

يحاول الروائي حسن بن عثمان توظيف هذه التجربة الفريدة لفهم التحولات الكبرى التي يشهدها المجتمع التونسي ما بعد موجة ثورات الربيع العربي. وباستثناء سرد رحلة إلى الخليج العربي والسويد وذكر أحوال السكر فيها، يجول حسن بن عثمان في مدينة تونس العاصمة ومدن الداخلة أو الوطن القبلي التي ينحدر من إحدى قراها، ألا وهي الصقالبة المتاخمة لمدينة منزل تميم.

بعدما نشر حسن بن عثمان ما يزيد عن عشرة مؤلفات قصصية إرتأى أن يدون هذه التهويمات الفكاهية في كتاب ينزله ضمن جنس "الخمريات السردية" ويحمل عنوان "تونس السكر، انا"، وهو صادر حديثاً لحساب دار "نحن" وناشرتها ابنته زينب بن عثمان.

سكر وترنح وبوصلة ضائعة

INSIDE_TunisiaAlcoholيستثمر حسن بن عثمان رابطاً آخر بالغ الأهمية من حياة هذا الأديب الفذ وهو التصوير الساخر، إذ كان علي الدوعاجي رساماً كاريكاتورياً إضافة إلى اشتغاله على كتابة القصة وتحرير المقال الصحفي النقدي اللاذع.

والدوعاجي أديب بوهيمي عصامي لم يدخل المعاهد العليا بل درس فترة قصيرة ثم عانق التشرد والتمرد وشرب التكروري (الحشيش) وتعلم من صميم الواقع ومن مجالسة الأدباء والفنانين في مقهى "تحت السور" من أمثال محمود بيرم التونسي وأبو القاسم الشابي والحدّاد ومحمد الصالح المهيدي وغيرهم.

ويبدو أن حسن بن عثمان مثله مثل علي الدوعاجي، يعد حالة استمرارية لرفض الأدباء والفنانين لمنظومة المجتمعات المتمادية في أخطائها والمنغلقة على نفسها، الرافضة للنقد.

ويسعى حسن بن عثمان من خلال عنوان كتابه الجديد إلى النأي قدر الإمكان عن ذهنية التحريم التي تكتنف موضوع الخمر في المخيال الإسلامي. وقد دعم ذلك بعناوين فرعية توضح غائية طرحه لمسألة سجالية لدى المجتمعات العربية منذ القرون الهجرية الأولى وحتى الزمن الراهن.

ومن خلال سؤالي "متى تصحوا؟" و"هل تصحوا؟"، يشير إلى ضرورة فهم ما يحدث في البلاد وتخطي التبريرات الفقهية المتحجرة لاسيما تلك الرؤى العنيفة التي أفرزتها حركات الإسلام السياسي لما بعد انتخابات 2011.

في مقدمة كتابه يوضح المؤلف أن سبب اختياره لموضوع الخمر يعود أساساً إلى حالة الغيبوبة والابتلاع التي تبدت له طاغية على حالة التونسيين من هرم السلطة إلى عامة الناس. فهو يشخص الوضع بأنه يتسم بفقدان المدارك والبوصلة تماماً، وبالتالي فنحن إزاء حالة سكر كلية إلى حد الترنح والتعتعة.

ولا يتقيد الكاتب بعالم الخمر وشاربيه بقدرما يوضح أن "السكر بالخمر هو أرحم أنواع السكر مقارنة بالسكر بالسلطة والسكر بالجاه والثورة والزعامة وغير ذلك من أنواع السكر الناتجة عن غير مشروب الخمر البريء مما تعانيه البلاد من حالة سكر شديد، قد يصيبها بالهلاك".

يبدو أن حسن بن عثمان يستطيب إثارة السواكن وإحداث رجة في صميم المجتمع وذلك جلي في تفاصيل الكتاب وحتى في الحوارات التي يجريها الكاتب هنا وهناك حول إصداره الجديد.

وهو لا يكف عن طرح الأسئلة ليثير السائد ويشتبك مع غيره، ففي نظره، لا جدوى من تأليف كتاب لا يثير الشجون ولا يولد النقاش.

أقوال جاهزة

شارك غردرواية "تونس السكر انا"، محاولة لسبر المستور والمهمش والمستبعد

مآزق دولة الاستقلال

إن التلهف على جرعات زائدة من الحرية أمر له تعليل لدى التونسيين، فبمجرد نيل الاستقلال سنة 1965 دخلت في دوامة الحزب الواحد للنظام البورقيبي ثم عمق النظام البوليسي النوفمبري جراح المواطنين.

ولم تتوقف الخدائع التي تعرض إليها هذا المجتمع، إذ توالت النكبات بعد ثورة 14 يناير (أو ما يعرف بشعلة الربيع العربي 2011)، بعودة المهاجرين والمنفيين إلى أرض الوطن وخروج مساجين الحق العام وتنظيم انتخابات فازت فيها حركة الإخوان.

وفي الوقت التي كان فيه التونسيون ينتظرون تصفية تركة الماضي الحزين للدكتاتورية والعسف السياسي والتدمير الاجتماعي والنفسي، قفزت الحركة الإسلامية الفائزة عن المآزق الكبرى لدولة الاستقلال، ودخلت في مواجهة محمومة مع المفاهيم والهويات وقسمت الشارع إلى نصفين مسلمين وكفار، وتائبين وعصاة وغيرها من الشروخ الدامية في صميم النسيج الحضاري للبلاد.

من هنا ينطلق حسن بن عثمان في كتابه "تونس السكر، انا"، متهماً القيادات السياسية التي أكدت فشلها في تسيير شؤون الناس وضيعت حياتهم بلا رحمة. فالتونسيون حسب رأيه مازالوا في سكرتهم مبتهجين أشد الابتهاج بخبر التحرر وتطليق سياسة الحزب الواحد.

ويستجلي الكاتب الأسباب العميقة التي جعلت شرائح هامة من المجتمع تسير مترعة بلا بوصلة أو هم أشبه بحال من هو "في النازعات خمراً". ولا بد من استجلاء هذه "الغيبوبة" وتقصي أسبابها الذهنية والثقافية مخافة السقوط في كارثة انفصام الشخصية ليست الفردية فحسب بل الجمعية.

كما لم يفوّت حسن بن عثمان الإشارة إلى أسباب خفية شبه مؤكدة وهي أنه تتم "معاقبة البلاد لأنها لم تطوع إلى وجهات معدة لها سلفاً". وهو يشير بالإصبع إلى تعدد قوى الرجعية بداية من الحركات الدستورية ذاتها وحتى بعض القوى اليسارية المتطرفة واليمينية التي تدعي الوسطية. 

في الواقع لا يبرأ الكاتب الساسة وقادة البلاد وحتى بعض كبار أصحاب المؤسسات الخاصة من تبديد الوقت وعدم الاقتدار على قيادة البلاد والعباد إلى ضفاف النجاة والسلامة. فالتهديد قائم في كل لحظة وشعور الناس بغياب الأمن وغلاء القوت جعلهم يسيرون سكارى وما هم بسكارى.

وحتى الخمر في حد ذاتها، وإن كانت تباع للعموم أو خلسة فهي تقدم للشاربين مثل "سم غير متصالح معه"، مما يجعل شرب الخمر "ممارسة رديئة الكل يصمت عن آتيها".

ويقدم الكاتب تجربته الذاتية في ارتياد الحانات، مؤكداً على استخدام بعض المؤسسات الرسمية في البلاد للحانات لجلب الكتاب إلى حياض مخبريها وعسسها. ودليل ذلك تأسيس خمارات فخمة وأخرى "شبه شعبية" مثل "دار الكاتب" و"دار الصحفي" التي تقدم الشراب المسكر بأثمان مخفضة للكتاب والمحررين الإعلاميين.

وباختياره الخمر حيلة سردية لفهم ما يحدث حوله، يطلق الكاتب صيحة فزع لايقاف ما يسميه بـ"الابتلاع" لحياة الناس ومصائرهم وعدم الاكتفاء بالتفرج عليهم من بعيد وعدم استخدام تعتعتهم بالسكر لمواصلة نهب الثروات وتصحير العقول.

وفي الصفحة 20 من كتابه "تونس السكر، انا"، يكشف الكتاب عن بعض أدواته الفنية لمعالجة موضوع الخمر الشائك العميق بالدلالات والتأويلات. فالكتاب سردي بالأساس بما أن "روح الرواية فيه تعني الغنائية والبوح، حيث تحضر الأنا وسط دراما الأفكار والأحداث والمشاهد، مع حضور بعض الشخصيات الواقعية".

وتمتزج لعبة التلميح والتصريح في مؤلفه على الرغم من أن الكاتب يقدم من حين إلى آخر اعترافاته الإخلاصية لوطنه ولقرائه: "تسرقني خلال هذه النصوص اندفاعات الكتابة، بإنشائها وانتشائها بفتنة اللغة، التي لا ترغب إلا في التأمل في حروفها كتجاعيد في مرآة الألفاظ حتى تأخذ مساحيقها الساحقة".

ويعد الكاتب التونسي كاتباً اشكالياً بامتياز منذ بداياته في مجال الإبداع، إذ تعرض لأول محاكمة قضائية في تاريخ تونس الحديثة من أجل مجموعه القصصية "عبّاس يفقد الصواب" سنة 1986. وفضلاً عن أعماله الأدبية هو منتج لعدة برامج تلفزيونية ثقافية ناجحة وتجلب عدداً كبيراً من المشاهدين نظراً إلى خفة روح مقدمها ودعابته وجرأته في كل ما يطرحه من أفكار وشجون.

ويقول الشاعر والجامعي محمد الغزي في شأن صاحب كتاب "تونس السكر انا": "حسن بن عثمان من روائيينا الكبار الذين يكتبون نصوصهم بأجسادهم وحدوسهم ووعيهم وبلا وعيهم في آن.. لهذا كانت أعماله دخولاً في ليل الروح الكبير... تكشف عما تكتّم وتستّر وظل مهمشاً ومستبعداً".

أما عبد الجبار المدوري فيقول أن: "حسن بن عثمان رغم محاولاته الروائية لكسر الممنوعات وخاصة الممنوع الجنسي والديني لزعزعة الترسبات الفكرية والعقائدية، بقيت تنقصه تجربة عدم تناوله للممنوع السياسي وخاصة في فترة حكم الرئيس السابق بن علي وهذا راجع في اعتقادي للقيود التي كانت مفروضة على الكتابة. وبالنسبة لموقفه من الخمر الذي عبّر عنه في روايته تونس السكرانة هو امتداد لمواقفه السابقة الرافضة لكبت الحريات الفردية".

رشيد الحسني

كاتب صحفي ومهتم بالنقد السينمائي والتشكيلي. باحث جامعي يعد رسالة تتعلق بالصحافة العربية في المهجر. عمل محررا بعدة مواقع الكترونية وترأس اقساما بصحف محلية ودولية. كما عمل مراسلا اذاعيا ومعدا لبرامج ثقافية تلفزيونية.

التعليقات

المقال التالي