الدنيا أجمل من الجنة: فنّ مجدي أحمد علي في تمجيد الحياة والعدالة ضدّ التطرف والتمميز

الدنيا أجمل من الجنة: فنّ مجدي أحمد علي في تمجيد الحياة والعدالة ضدّ التطرف والتمميز

هو واحد من المبدعين الذين يؤمنون بأن للفن قدرة على تغيير مجتمعهم إلى الأفضل، من خلال أفلامه ناقش قضايا المرأة، وحارب الأفكار المتشددة، وقدم للجمهور جرعات فنية وإنسانية جمعت بين إشادة النقاد وحب الجماهير، وهي المعادلة الصعبة التي لا يمكن أن يحقهها سوى مبدع حقيقي.

مجدي أحمد علي مخرج ومؤلف وممثل ومصري، قدم للسينما المصرية 15 فيلماً، منها: يا دنيا يا غرامي، والبطل، وعصافير النيل، وخلطة فوزية، ومولانا. كما أنه اخرج عدد من المسلسلات الناجحة مثل فريسكا ومملكة الجبل بالإضافة لكونه ممثل شارك في عدة أفلام منها "الغريب".

هنا نقاش أجراه معه رصيف22 عن مشروعه المناهض للأفكار المتطرفة والمتشددة دينياً، وعن عشقه للسينما، وإيمانه بقدرة الفنّ على دعم المجتمعات العربية.

كيف جاء الشغف بالسينما؟

"ربما يرجع الفضل في بداية تعلقي بالسينما إلى فوزي أسامة مدرس الثانوية العامة، من خلال هذا الرجل تعرفت على نوعية متفردة من الأفلام التي كانت تُعرض بقصور الثقافة أو تلك التي كنا نشاهدها بالمراكز الثقافية المختلفة، وهي أفلام متنوعة وبعيدة عن السائد كالأفلام الألمانية والفرنسية والإيطالية".

ويضيف: "ولكن إذا أردنا الحديث عن الفيلم الذي كان له الأثر الأكبر في بداية شغفي بهذه الصناعة أذكر أنه كان فيلماً بعنوان "أشياء الحياة" هذا الفيلم جعلني أشعر أن السينما ليست سهلة كما تخيلت، كما أنها مثيرة أيضاً، بعدها شاهدنا فيلماً آخر ونحن لا نزال صبية، وكان الفيلم باسم "انفجار" وهو إيطالي من بطولة أنطونيوني، وكان مُعد للكبار فحسب لذا فقد اضطررنا لأن ندعى أننا أكبر سناً حتى نتمكن من مشاهدته، هذا الفيلم أحدث ثورة غاضبة من الأزهر وقتها وعلى أثرها تم الإطاحة بـ"مصطفي درويش" رئيس الرقابة حينذاك.

وأحدث أيضاً ثورة فنية بداخلنا، ورحنا بعد عرضه نناقش موضوعه ونتوقف عند نهايته ورمزيتها، وقتها كان لي تحليلٌ يتعلق بالنهاية وبعدها، يوم قرأت مقالة كتبها الناقد سامي السلاموني يفسر تلك النقطة كما فسرتها أنا، هنا فقط أدركت أن السينما ستكون عالمي".

لماذا إذاً لم تدرس الفن الذي عشقته مباشرة؟

"بعد الانتهاء من الثانوية العامة، ورغم حصولي على مجموع عال يؤهلني للكلية التي أرغبها إلا أني فضلت دراسة السينما فقدمت أوراقي إلى المعهد العالي للسينما وتم قبولي بالفعل. غير أن أمي عارضت بشدة، أنا ابنها الأكبر، راعي الأسرة كما كانت تتمنى، فكيف يترك المستقبل المضمون وينغرس في المجهول؟ وبناء على إلحاحها سحبت أوراقي من المعهد وقدمته في كلية الصيدلة".

ولكن شغف مجدي أحمد علي بالفن لم يهدأ، حيث يتابع: "في الكلية كوّنت فرقة تمثيل وقدمنا عروض مسرحية عديدة منها "الوجه الآخر للمعركة" التي نافسنا بها في بطولة الجامعة، كان الممثل محمد متولي يتولي وقتها الإخراج، وقدمنا أيضاً مسرحية "الغريب" للكاتب محمود دياب. لم انقطع لحظة عن الفن أثناء دراستي للصيدلة، وما إن انتهت من سنوات الدراسة وحصلت على البكالوريوس حتى اتجهت فوراً إلى معهد السينما لأبدأ مشواري الفني". 

أقوال جاهزة

شارك غرد"لا معني للحديث عن حرية الإبداع أو الديمقراطية أو أي شيء آخر في ظل التطرف"

شارك غرد"الدنيا أجمل من الجنة" رواية للكاتب خالد البري، يقدمها مجدي أحمد علي كفيلم عن نبذ التطرف

شارك غردكيف يقدم الفنّ زخماً لبناء المواطنة في العالم العربي، بدءاً من احترام الآخر إلى نبذ التعصب

عمل مجدي أحمد علي كمساعد مخرج لأعوام عديدة، وهي مرحلة يعتبر أنه كان محظوظاً فيها، لأنه اشتغل كمساعد مخرج مع مخرجين يحبّ أفلامهم، ومنهم: محمد خان الذي تعاونت معه في سبعة أفلام تقريباً، وخيري بشارة في فيلمين، وكذلك يوسف شاهين، وإنعام محمد علي، وأخيراً طارق التلمساني.

ولأنّ كل مخرج من هؤلاء يعتبر مدرسة مختلفة ومستقلة بذاتها، يقول مجدي أحمد علي، "ربما يكون هذا التنوع قد أضاف لتجربتي السينمائية سواء في الإخراج أو الكتابة. ولكن، ظل الطموح بعمل فيلم يخصني يداعبني. مساعد المخرج رغم كل شيء هو أداة لخدمة أفكار تشغل المخرج، لهذا فإن مساعد المخرج مجبر على كبت إبداعاته لمصلحة إبداع المخرج، بمثابة ذراع يخدم ولا يبتكر، لذا بعد فيلم "ضحك ولعب وجد وحب" وهو آخر فيلم عملت فيه كمساعد مخرج، وقد شاركت أيضاً في كتابته مع المخرج طارق التملساني، قررت أن أخوض تجربة الإخراج بمفردي".

يا دنيا يا غرامي، وأسرار البنات، وخلطة فوزية، كلها أفلام تناقش قضايا المرأة من زوايا مختلفة. لمَ هذا التركيز على نحو خاص؟

"الأسباب مركبة ومتداخلة ولكن أعتقد أن السبب الرئيسي في اهتمامي بالمرأة يعود إلى أمي. فقدت أبي وأنا ابن التسع سنوات، وأمي امتنعت عن الزواج كي تتفرغ لتربيتنا. ربما لذلك انشغلت بدور المرأة المصرية، وعشقت كفاحها ودورها المسكوت عنه، ثم أني كنت مسؤولاً عن أختي، وبعدها رزقني الله ببنتين بالإضافة إلى ولدي أحمد. أي أنني محاط طوال عمري بالنساء سواء كانت أم أو أخت أو زوجة أو ابنة، هذا ما دفعني للاهتمام بالمرأة، بمشاكلها، بقضاياها، بطموحها، بالصعوبات التي تواجهها".

لفيلم البطل رؤية خاصة، هل ممكن أن تحدثنا عنها؟

"في فيلم البطل كانت هناك رسالة رغبت في إرسالها بعيداً عن النمطية والمباشرة واللغة الخطابية، وهي الوحدة الوطنية، وكيف كانت الإسكندرية في تلك الفترة المميزة تتكاتف وتكوّن أصدقاء من جنسيات وديانات مختلفة، الجميع في وطن واحد يتشاركون همومه وأفراحه وأمجاده، كما أن الإشكالية العامة لفيلم "البطل" حاولت من خلالها أن أشير لفكرة البطولة وكيفية تحقيق الأحلام والعمل عليها".

المتأمل لأعمالك سيكتشف على الفور مناهضتك للأفكار المتطرفة، كيف تشكل لديك هذا التوجه؟

"هذا حقيقي لأنه ليس هناك خطر يواجه المجتمع المصري والعربي قدر التطرف الديني، لا معني للحديث عن حرية الإبداع أو الديمقراطية أو أي شيء آخر في ظل التطرف. ربما يكون هذا الخطر مصدره الرئيسي سيطرة الأفكار الوهابية بالأخص والأفكار الأحادية بشكل عام. أنت تتعامل مع أناس تؤمن بأنها تحتكر الحقيقة وتحتقر من لا يؤمن بما تؤمن به وبل وتقتله أيضاً".

وعن أسباب هذا الواقع، يقول أحمد علي: "فشل مجتمعتنا في إحداث أي نوع من التنمية الحقيقية، هذا الفشل له أسباب متعددة من وجهة نظري، منها القومجية والأفكار الشمولية والقفز فوق المشاكل دون معالجة، وغياب الديمقراطية. ثم هناك فشل آخر أحدث شرخاً في صميم الشخصية العربية بعد تفوق إسرائيل وضعفنا أمام دول الغرب المسيطرة مما أدى إلى ارتداد شبابنا إلى مناطق مظلمة في التاريخ بحثاً عن حلول أو تفاخراً بأمجاد مضت، وهو ما دفع الكثير من الشباب للانضمام لمثل تلك الجماعات".

ويضيف: "أعتقد أن الحل يبدأ من انطلاقة جادة وصادقة في تنمية شاملة لأن الفقر هو العدو الأشرس والدافع الأول نحو التطرف. ثم علينا أن نعود لدعم المواطنة من جديد، وهنا يأتي دور القوة الناعمة في تصحيح المفاهيم، وتعريف الناس أن الدين مهم ويُحترم غير أنه متباين، وأنه لا يوجد بما يسمي بالحقيقة المطلقة أبداً، وأنه علينا أن نحترم أصحاب الديانات المختلفة وتقابلهم كبشر مثلنا، أظن أننا لو تمكنا من تكريس تلك المفاهيم في شبابنا العربي بالإضافة إلى الخلاص من الفقر والجهل والمرض سنكون بذلك قد بدأنا نخطو في طريق جديد قد يحمل لنا مستقبل أفضل". 

كيف تخاطب فنياً من لا يعترف بالفن ولا يشاهده ويجرم القائمين عليه؟

"أنا أعمل على التفريغ، بمعني أنني أستهدف المشاهد الذي قد يصبح في المستقبل أحد أعضاء هذه الجماعات المتطرفة، أقطع عليه الطريق قبل أن يسلكه، وهذا ما حاولت فعله في فيلمي الأخير "مولانا"، فأكثر ما أسعدني بهذا الفيلم أن دور العرض كانت مزدحمة بالشباب ما بين عمر الـ15 والـ20، وقد وصلت إليهم الرسالة على حسب ما رأيت من تفاعل كبير أثناء وبعد عرض الفيلم، وصلني بكاؤهم وسمعت ضحكاتهم مما يعني أن الفيلم قد تخللهم، وهو ما كنت أصبو إليه مع فريق العمل، فالهدف الأساسي مخاطبة تلك الشريحة العمرية والعمل على التواصل معها".

عصافير النيل لإبراهيم أصلان، ومولانا لإبراهيم عيسى، وروايات حولتها إلى أفلام سينمائية، لمَ عادت تلك التيمة مؤخراً؟

"لأن كُتاب السيناريو أصبحوا قلة ثم أنهم أصيبوا باضمحلال فكري بسبب تأثرهم بالأفلام الغربية البعيدة عن روح مجتمعنا. بعكس الأدب الذي يشهد ازدهاراً حقيقياً سواء في مجال الرواية أو القصة القصيرة، لذلك فأنا متأكد أن تعاون الأدباء الشباب مع السينما سيثمر عن ثراء عظيم ربما يفوق عصر نهضة السينما قديماً، والأمر يرجع أن الأدباء الشباب اليوم يمتازون بالعصرية والحداثة كما أنهم على تواصل دائم بمجتمعهم وبمشاكله وقضاياه، بالإضافة أن الرواية الحديثة تتسم بالمشهدية والحوار وهي أقرب إلى السينما وأمتع للمشاهد".

وختاماً، عن مشاريعه المستقبلية، قال مجدي أحمد علي،

"سأستمر في مشروعي المناهض للأفكار المتطرفة والمتشددة دينياً مع العمل على الروايات التي تناقش تلك الإشكالية، ومنها رواية "الدنيا أجمل من الجنة" للكاتب خالد البري، وهو مشروع قديم تعثّر ولكن أعتقد أن وقته قد حان ليظهر إلى النور. كما أنني بصدد تحويل فيلم "مولانا" إلى مسلسل تلفزيوني قريباً كي يصل بأفكاره إلى شريحة أعرض".

عمرو عاشور

روائي وصحافي مصري، له أربع روايات، صدر آخرها حديثاً عن دار العين تحت عنوان "قانون البقاء"، كما سيصدر له قريباً عمل بعنوان "الحلاق والشيخ" وهو مقرواية أي رواية في قالب مقال، فيه دعوة لإعادة النظر في الفقه الإسلامي. عاشور حصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة ساويرس للرواية.

التعليقات

المقال التالي