إعادة النظر للإنسان السوري على طريقة رشا رزق...

إعادة النظر للإنسان السوري على طريقة رشا رزق...

الغناء في زمن الحرب قرار. الهجرة قرار، وابقاء الموسيقى في بلاد المهجر والإيمان أن "الأغاني ممكنة" قرار.

كل هذه قرارات اتخذتها رشا رزق الفنانة السورية، التي انتقلت أخيراً للسكن في فرنسا.

محطاتها الفنية انطلقت من غناء شارات مسلسلات الأطفال، للاختصاص في الغناء الأوبرالي، ثم للتأليف الموسيقي، وصولاً للترشح لأهم جائزة عالمية في مجال الغناء، الغرامي.

فن في الغربة

اختارت رزق السفر من سوريا عام 2012 إلى فرنسا مع زوجها عازف الغيتار والموسيقار إبراهيم سليماني وابنتها سارة، خوفاً من الحرب التي طالت نيرانها كل السوريين بدون استثناء.

"لم نختر هذا المصير وإنما أُجبرنا على أن نبحث عن الأمان خارج بلدنا، وإن كنا قد وجدناه فالغربة ليست بالأمر السهل. الغربة ألم الفراق وألم استمرار الحرب داخل بلدنا بكل ما تحمله للسوريين من معاناة"، تقول المغنية لرصيف22.

تابعت رزق دراستها الغناء الأوبرالي في معهد Ecole Normale de Musique بباريس، ما زاد من رصيدها وخبرتها.

"للغربة وجهان أحدهما سلبي، لكن الآخر إيجابي. نتمتع هنا بالأمان وحرية التعبير التي هي مطلب مشروع لأي فنان يرغب في إعلان أفكاره وآرائه بكل حرية".

أيضاً، شاركت رزق كمغنية سوبرانو ضمن أوركسترا اللاجئين التي تشكلت عام 2016 من موسيقيين سوريين غادروا البلاد واستقروا في بلدان مختلفة، لكنهم اختاروا الاجتماع مجدداً على الموسيقى، اللغة الأكثر عالمية.

وفي الشتات كذلك، أطلقت رزق ألبومها الثالث الذي حمل عنوان "ملاك" في أواخر فبراير/شباط الفائت، وتضمن تسع أغنيات من تلحينها، أبرزها "سكروا الشبابيك" و"ملاك"، وهي كتبت كلماتها كافة ما عدا أغنيتين كتبهما الشاعر السوري عدنان العودة.

وصفت رزق أغنيات هذا الألبوم لدى صدوره بأنها تعبّر عن "أصوات الناس الذين لم نتمكن من سماع أصواتهم في الحرب. أغنيات من القلب إلى القلب، وأصوات أحاول أن أحكي لكم قصصها، من خلال لغة سحرية وموسيقى".

تقول المغنية إن ألبوم ملاك هو "نوع من لفت النظر لما تعانيه سوريا بطريقة فنية إنسانية تلامس الناس في جميع أنحاء العالم، والذين ينظرون لسوريا ولضحايا الحرب فيها على أنهم مجرد أرقام، أرقام قتلى وجرحى ومهجرين ومغيبين".

الإنسان بهمومه المختلفة حاضر بقوة في ألبوم الفنانة الجديد، فأغنية "ملاك" تحكي عن الأطفال الشهداء الذين دفعوا الثمن الأكبر في الحرب، وأغنية "موءُودة" تتحدث عن ضحايا الاغتصاب من نساء وفتيات نبذتهن أسرهنّ وسلكن طرقاً غير مرغوبة حولتهنّ لأنصاف بشر فقط كي يستطعن الاستمرار في الحياة ضمن مجتمع حكم عليهنّ بالإقصاء.

وبرأي رزق، تؤكد أغنيات الألبوم التسع أن لدى السوريين أحلاماً وآمالاً وحياة يريدون أن يعيشوها كأي أشخاص في أية بقعة أخرى من العالم. "هذا هو هدف الألبوم، إعادة النظر للإنسان السوري باعتباره إنساناً، فمذ تحولنا لإحصاء توقف العالم عن التعاطف معنا كأفراد".

أقوال جاهزة

شارك غردسوريا هي أمي الجريحة. أمي التي صنعت مني إنسانة وفنانة، ونحتت هويتي الموسيقية

الغرامي

بعد أشهر من إطلاق ألبوم "ملاك"، أعلنت المغنية عبر صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي ترشحها لجائزة غرامي عن فئة أفضل فنان جديد وأفضل ألبوم موسيقي عالمي، وذلك كتصويت مبدئي بناء على ترشيحات من مندوبين موسيقيين منتشرين في أنحاء العالم، وستعقبه مرحلتان من التصفيات لاختيار الفائز.

لا يزال أمام رزق أربعة أشهر من الانتظار، فاحتفالية توزيع هذه الجائزة العالمية التي تقدمها "الأكاديمية الوطنية لتسجيل الفنون والعلوم" في الولايات المتحدة الأمريكية ستكون في فبراير المقبل، لكن رزق تقول لرصيف22 إن الترشح على القوائم الأولية مهم جداً كموسيقية وفنانة سورية، خاصة مع التمثيل العربي الضعيف في هذه الجائزة.

عندما كنت في المدرسة

وفق سيرتها الذاتية، بدأت رزق مشوارها الفني في التاسعة عشرة، بأداء وتسجيل أغانٍ مخصصة لبرامج كرتونية للأطفال اشتهر منها "القناص"، "بوكيمون"، "ريمي"، "أنستازيا"، "عهد الأصدقاء"، وغيرها. لكن المغنية السورية، التي بلغت اليوم واحداً وأربعين عاماً، ترجع حكايتها مع الفن والموسيقى إلى ما قبل ذلك بسبعة أعوام.

"خلال سنوات الدراسة كنت أعجز عن حفظ أناشيد كتاب القراءة من دون أن أقوم بتلحينها. لحنت عشرات النصوص وساعدني ذلك في حفظ قصائد الشعر، وتطور الأمر لتأليف وتلحين مسرحية للأطفال، ثم كتابة أغانٍ بالعربية والفرنسية والإنكليزية في مرحلة المراهقة".

أما العمل الموسيقي الاحترافي فقد بدأ مع دخول رزق إستديوهات التسجيل والدوبلاج، وتعلّم أصول التسجيل وهندسة الصوت.

مواهب متنوعة.. ومتكاملة

درست رزق الغناء الأوبرالي في المعهد العالي للموسيقى بدمشق وتخرجت منه عام 2002، ثم عملت مدرّسة للأوبرا في المعهد نفسه. وأتاح لها إتقانها صنوفاً متنوعة من الموسيقى تراوح بين الشرقي والروك والجاز، أن تجول في عشرات المدن العربية والغربية، مقدمةً فيها حفلات وأمسيات موسيقية.

خبرات تجمعت وتبلورت لتصل بالمغنية السورية إلى مرحلة التأليف والتوزيع الموسيقي لأعمال خاصة، ساعدها على ذلك إتقانها العزف على آلتي الغيتار والبيانو مما ساهم في زيادة فهمها وإغنائها للموسيقى التي تعمل عليها.

بدأت بتأليف شارات مسلسلات أطفال وانتقلت لتأليف أغنيات لفرقة إطار شمع التي تأسست في سوريا عام 1998، ومزجت بين الموسيقى العربية وأنماط غربية كالروك والجاز واللاتينو.

ثم أطلقت ألبومين هما "اللعبة" و"بيتنا"، وجالت في مختلف المدن السورية، إضافة لبيروت وعمان ودبي.

الفن بمواجهة العنف

الحرب والعنف والقتل والقمع، برأي رزق، هي الحامل الأسوأ لأي رسالة، "ليس هنالك أقدَر من الفن على تحريك مشاعر الناس بشكل حقيقي سواء في زمن السلم أو في زمن الحرب"، تقول.

كما أن الفن هو الأداة الوحيدة القادرة على نقل رسائل حضارية بين الأمم. تضيف رزق: "ماذا بقي لنا من اليونان سوى فلسفتهم وعمرانهم؟ نسينا حروبهم ودماءهم وما عدنا نذكر سوى حضارتهم. الثقافة والفن يبقيان بعد فناء الأمم وهما الشيء الوحيد الحقيقي والجوهري الذي يجب أن يظل على قيد الحياة".

وبذلك، لا تفقد رشا رزق الأمل بأن يأتي اليوم الذي تنتهي فيه الحرب في سوريا ويتوقف نزيفها اليومي، وبأن تتمكن بفنها وموسيقاها من المساهمة في إنقاذ بلدها الذي تحب، وخاصة الأطفال الذين تحولوا، برأيها، إلى جيل مشوه جسدياً ونفسياً، جيل خسر ولا يزال يخسر الكثير كل يوم.

وتختم: "سوريا هي أمي الجريحة. أمي التي صنعت مني إنسانة وفنانة، ونحتت هويتي الموسيقية، وزادت بجرحها على هويتي جرحاً آخر. مهما طال الزمن أعلم بأننا سنكون قادرين على مداواتها وإيقاف نزيفها".

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

التعليقات

المقال التالي