هل تكون تونس نموذجاً للتغيير في العالم العربي؟

هل تكون تونس نموذجاً للتغيير في العالم العربي؟

يمكن القول إن الربيع العربي كان الحركة الثورية الأكثر أهمية في تاريخ المنطقة الحديث، وقد بدأ في تونس بتضحية محمد بوعزيزي بنفسه حرقاً احتجاجاً على الأحوال الاقتصادية السيئة في البلاد. وقد أدى انتحاره إلى نزول الآلاف إلى الشوارع ، وإلى انتشار ثورة الياسمين مثل الدومينو في دول عربية أخرى.

لقد حمل الربيع العربي معه الأمل والوعد بالتغيير، ولكن على الرغم من الإطاحة بالديكتاتوريين؛ فإنه لم ينتصر في البلدان التي اندلعت فيها الثورة، مما أدى إلى الإعلان عن فشل الربيع العربي الذي يمكن القول إنه لم ينته بعد، وقد ظهرت تونس، في هذا الجو من الفوضى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعم المنطقة، كمثال فريد للانتقال السلمي إلى لديموقراطية.

أدى نجاح الثورة الشعبية في تونس إلى ظهور بصيص أمل بتحقيق الديموقراطية في البلدان العربية الأخرى. وأصبحت الأسئلة حول إمكانية اعتبارها "نموذجاً" يمكن تكراره في أماكن أخرى موضوع نقاش عام في المجالات السياسية والأكاديمية.

أحد النقاشات الرصينة الذي يضاف إلى هذا الفيض من الآراء والأصوات هو نقاش الدكتور صفوان مصري وكتابه "تونس: فرادة عربية". مصري الذي يعمل أستاذاً وباحثاً، ونائباً لرئيس الجامعة، ومديراً للمراكز العالمية والتنمية الدولية في جامعة كولومبيا، يتصدى لأسئلة نجاح تونس، ويبحث فيما إذا كان يمكن أن يكون الانتقال السلمي إلى الديموقراطية نموذجاً للدول الأخرى.

الجواب المختصر حسب مصري هو "لا"، ومع ذلك فإنه يحلل العوامل المختلفة التي تجعل تونس فريدة، مع التركيز بصورة خاصة على تاريخها في الإصلاح.

safwan masri

يتألف هذا الكتاب الذي نشرته مطبعة جامعة كولومبيا في أيلول من هذا العام من ثلاثة فصول. يبدأ مصري بتقديم جدول زمني لثورة تونس، مفصلاً في المقدمات لثورة الياسمين، وفي عملية الانتقال الذي شهدته بعد الإطاحة بالرئيس بن علي عام 2011، ثم يفكك مفهوم "فرادة" تونس، ويكشف عن جذور الهوية التونسية التي جعلتها داخل وخارج العالم العربي.

ويسلط مصري الضوء في الفصل الثالث من الكتاب على على التعليم والعلمانية، وعلى الدور الذي لعباه في تاريخ البلاد، وفي ثورة الياسمين.

لقد تحدث إلى رصيف 22 عن الكتاب، مركزاً على أدوار الدين، والإصلاح، والتعليم، والهوية في جعل تجربة تونس فريدة عربياً.

الإسلام ضد الديمقراطية؟

غالباً ما يواجه الإسلام بالديموقراطية، ويوصف بأنه نظام ديني، يتناقض بطبيعته مع قيم الليبيرالية. وربما كان من أكثر الأشياء إثارة للاهتمام هو ما أظهرته تونس من توافق بين الإسلام والديموقراطية، وقد قال مصري في حديثه لرصيف22:

"في الواقع الإسلام السياسي موضوع جدل تخوضه المنطقة، والتجارب مع الإسلام السياسي تميل إلى أن تكون مختلفة تماماً من مكان إلى آخر. إذا نظرنا إلى تاريخ الإسلام السياسي في تونس، فإننا نستطيع القول إنه في حالة حزب النهضة (الحزب الإسلامي الذي تأسس عام 1981) قد أجبر على الديموقراطية".

وقال إن هذه الديموقراطية لم تكن نتيجة ضغط من خارج الحزب، حيث أن مؤسسه راشد الغنوشي، ساهم في تقديم إسلام أكثر تسامحاً، مبيناً أنه "يمكن أن تكون هناك دولة علمانية تحت قيادة حزب إسلامي".

إن قدرة تونس، حسب رأي مصري، على التوفيق بين الإسلام والديموقراطية مرتبطة أيضاً بتجربة البلاد الشاملة مع الدين. "كان على الإسلام في تونس أن يتوافق مع التقاليد الموجدة قبله، وكان عليه أن يتبنى ما كان موجوداً هناك".

فعندما تأسست القيروان كمركز دراسة للإسلام السني في القرن السابع، أصبحت أيضاً مكاناً لتعليم مؤمنين من مشارب مختلفة. "أصبح القيروان المركز الذي انتشر منه الإسلام إلى بقية أنحاء أفريقيا، وأنتج علوماً ودراسات امتازت بالإجمالية، وكانت تقدمية نسبياً".

تاريخ المدينة، وتاريخ البلاد بصورة عامة، الذي مال للانفتاح والنقاش سهّل ظهور مقاربة تفكير نقدية للدين، وغرس ثقافة التسامح، والقدرة على التكيّف التي يقول مصري أنها كانت مفتاح تجربة تونس مع الإسلام والديموقراطية في أعقاب الربيع العربي.

إصلاح القرن التاسع عشر

هناك تجربتان من تجارب الانتقال الديموقراطي في تونس هما اقتراح المساواة في الميراث، الذي يدعو إلى المساواة بين الرجال والنساء التونسيين في الميراث، وقانون يسمح للنساء المسلمات بالزواج من غير المسلمين. وكلا القانونين اللذين مررهما الرئيس الحالي السبسي هما محاولة للموافقة بين الدين والدولة، ولتحقيق مساواة تقوم على مبدأ المواطنة.

وبحسب رأي مصري فإن هذين التغييرين مرحب بهما من قبل السبسي، وهما استمرار لتقليد بدأ بعد الاستقلال عام 1956، أعطى حقوقاً أكثر تقدماً فيما يخص الطلاق والحضانة وغيرها. ومع ذلك، فإن مصري يؤكد على ضرورة فهم السياقات التي أدت إلى هذه التغيرات، ويشير إلى نقطتين أساسيتين، فيقول: "هذا القانون والاقتراح جاءا مترافقين مع قانون العفو الذي يتضمن بألا يحاكم المتهمون بالفساد في عهد الرئيس بن علي، وقد صادق عليه البرلمان". 

ومع ذلك، يقول مصري في كتابه إن تقليد الإصلاح الذي بدأ في القرن التاسع عشر، كان حاسماً بالنسبة للتطور الديموقراطي في البلاد. هذه الإصلاحات تعكس تجربة تونس مع الاستعمار الذي يمكن القول إنه ترك أثراً أكثر إيجابية على البلاد منه على دول المغرب الأخرى. يقول مصري: "عندما وصل الاستعمار إلى تونس وصل إلى بيئة لها تاريخ غني، ولها هوية، وتاريخ مشاركة مع الغرب. وفي مطلع القرن التاسع عشر كان هناك بالفعل ثلاثة آلاف سنة من الحضارة التي شكلت تونس".

بدلاً من وضع التغيير في لحظة تاريخية واحدة، فإن مصري يتقصى مختلف التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ساهمت، من وجهة نظره، في تجربة تونس الناجحة في الربيع العربي. أعطى "عهد الأمان" في عام 1857 حقوقاً للمقيمين غير التونسيين، وألغى الرق، وفي عام 1861 وضع دستور صيغ تحت الحكم العثماني، وكانت كلها لحظات أساسية عكست وعززت تجربة البلاد مع الإصلاح حسب رأي مصري، وهو يقول أيضاً أنها أعطت زخماً للإصلاح الداخلي. 

أقوال جاهزة

شارك غردأثبتت تونس بأنه يمكن أن تكون هناك دولة علمانية تحت قيادة حزب إسلامي

شارك غرديشكل "عهد الأمان" عام 1857، والدستور عام 1861، نقطتين تاريخيتين دعمتا نجاح ثورة تونس

التعليم في عهد بورقيبة

يقول مصري في كتابه "تونس: فرادة عربية"، إن الإصلاح حصل على عدة جبهات، ولا يقتصر الأمر على أن القرن التاسع عشر يقدم نفسه كلحظة تاريخية أساسية؛ بل إن الإصلاح استمر على مدار القرن العشرين في مجالات متنوعة، فيما بعد تحرر تونس من الاستعمار الفرنسي عام 1956، ثم استخدم الرئيس الحبيب بورقيبة بنية اجتماعية سياسية علمانية نسبياً من أجل النهوض بحقوق النساء، والإصلاح التعليمي وقد أقامهما وفق النموذج الغربي.

في عام 1958، قام بورقيبة بتغييرات حاولت أن تؤسس نظام تعليم موحد يتماشى مع المعايير الفرنسية، ومع وزيره للتعليم الوطني محمود المسعدي، قدم بورقيبة سياسات كانت علمانية إلى حد كبير. قال مصري لرصيف22: "تونس لم ترفض كل شيء فرنسي، وأصرت على نظام التعليم بلغتين، مما ساعد على انفتاح الطلاب التونسيين للأفكار الغربية"، وأضاف: "لم يكن هناك تعريب سريع للمناهج، وكان تعليم الدين قد خفض لساعة واحدة في الأسبوع في المدارس الابتدائية".

شباب تونس

على الرغم من إيمان مصري بالقوة الإيجابية للتعليم العلماني، تبرز مفارقات مثيرة للاهتمام في حالة تونس، فالتعليم العلماني الذي كان أساسياً في جعل البلاد مثالاً ديموقراطياً ناجحاً، أنتج أيضاً عدداً كبيراً من المتطرفين، وكثيراً ما يشار إلى تونس كبلد صدّرت العدد الأكثر من المقاتلين لداعش، إذاً كيف يمكن أن نفهم هذان التناقضان؟

يشرح مصري الأمر لرصيف22، كما في كتابه، فيقول: "استطاع بورقيبة بناء دولة كانت علمانية على نطاق واسع باستخدام سطلته النابعة من كفاءته ومن كريزما شخصيته، أما بن علي فلم يكن يمتلك أياً منهما بنفس الدرجة، وهكذا بالنسبة له، ليحافظ على ما تركه بورقيبه، طبق شكلاً من العلمانية القسرية".

مع تطبيق العلمانية القسرية في المدارس، تحول العديد من الطلاب إلى الفضائيات ليتعلموا المزيد عن الإسلام. ويقول مصري لرصيف22 أنه في عام 2011 ، قد تم إخلاء سبيل العديد من السجناء الذين كانوا يميلون إلى التفكير الإسلامي وعادوا إلى المجتمع، وقد خلق وعظهم المقترن بمظالم اجتماعية واقتصادية فرصة وشعوراً بالانتماء للأفراد الذين شعروا بالحرمان في تونس، "والعديد منهم وجدوا في داعش الوطن الذي لم يجدوه في تونس" كما قال مصري.

وأضاف: "الشباب بخاصة كانوا أهدافاً للتجنيد في مثيلات داعش، على الرغم من أنهم شكلوا أقلية صغيرة. لقد جاؤوا من أنحاء البلاد حيث كان الاقتصاد يعاني إلى حدّ كبير".

بحسب رأي مصري، فإن أولئك الذين انضموا إلى داعش كانوا جزءاً واحداً فقط من الشباب، وكان هناك آخرون قادوا وشاركوا في الثورة، وهم ممن شعروا أن المؤسسات والبنى السياسية قد همشتهم. ويقول مصري لرصيف22: "تحتاج المؤسسة التونسية لأن تستمع للشباب، وأن تدرجهم فيها بجدية أكبر، أنا أعتقد أن من المهم للمنظمات العالمية التي تنشط على الأرض في تونس لتقدم الدعم المناسب والتدريب أن تسمح للشباب بأن يتنظموا حول الأحزاب السياسية".

هوية عربية وأخرى تونسية؟

الحضور السياسي للشباب تعبير عن عملية أوسع لمناقشة مفهوم الهوية، وفي هذا الكتاب يجادل مصري ضد هوية عربية متجانسة، ويقول عوضاً عن ذلك بهوية تونسية خاصة. "إنها مزيج من الهويات والحضارات التي تحدد ما هيتها اليوم" كما يقول.

ويرى أنها دولة أقرب إلى أوروبا في بعض الجوانب، بخاصة فيما يتعلق بالجوانب الجغرافية لموقعها كدولة ساحلية تمتاز بتاريخ طويل من العلاقات التجارية مع أوروبا.

علاوة على ذلك، يعتقد مصري إن الانسجام والتماثل الاجتماعي النسبي في تونس، أي الأغلبية السنية الساحقة، كانت عاملاً رئيساً في التحول الديموقراطي بعد الربيع العربي. حيث يقول: "الاقتراع الطائفي ليس موجوداً في تونس، ولبنان هو البلد الوحيد الآخر في العالم العربي الذي توجد فيه ديموقراطية، مع أنّ الديموقراطية لا تمارس دائماً، علاوة على أن الطائفية تمزقه".

مع ذلك من الصعب تحديد هوية تونسية متماسكة كما يقول مصري في كتابه، تقع الهوية في مكان ما بين الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا، وتبدو مختلفة عبر مناطق متنوعة من البلاد. فالمناطق الداخلية محرومة من واجهة الشاطئ، ولا تستفيد من السياحة، والاستثمار الأجنبي المباشر، وهذا الانقسام له بعد تاريخي، ويظهر تأثيره في مساقات اقتصادية واجتماعية وثقافية بحيث أن التوترات التي قد تخلقها يمكن أن تهدد استقرار واستمرار الدولة الديموقراطية.

لتاريخ تونس وهويتها خصوصية ميزتها ودعمت حراكها الشعبي في تحقيق تغيير ديمقراطي، ولكن تطلع العالم العربي لنجاحها لا يتوقف عند ذلك، وربما لا يكون إسهام ثورة الياسمين بالضرورة محصوراً بنجاعة إعادة تطبيق تجربتها في دول عربية أخرى، هي بدورها محكومة بتواريخها وظروفها الخاصة.

ريم جودي

ريم خريجة جامعة جورجتاون متخصصة بالاقتصاد الدولي والشؤون الخارجية، وتتابع دراساتها العليا في الجامعة الأمريكية في بيروت. تهتم ريم بحقوق المرأة، الشباب والسوشل ميديا، وكيفيات تشكيل الهويات الوطنية في البلاد العربية والإسلامية.

التعليقات

المقال التالي