حكاية الملك سليمان كما أوردتها النصوص المقدسة والقصص الشعبية

حكاية الملك سليمان كما أوردتها النصوص المقدسة والقصص الشعبية

من المؤكد أن سليمان بن داوود، يُعتبر واحداً من أهم وأعظم الشخصيات التي يؤمن بها أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث.

ولكن على الرغم من ذلك، فإن شخصية سليمان تحتضن الكثير من الاختلافات الواردة فيما بين النصوص المقدسة وبعضها البعض، وفي الوقت ذاته فإنها قد صيغت بشكل مختلف في القصص الشعبي، الشرقي منه أو الغربي.

في اليهودية والمسيحية

إن كان شخصية تاريخية، فمثله مثل جميع الشخصيات الكبرى الوارد ذكرها في العهد القديم، فإنه لا توجد أي وثائق تاريخية تمكننا من معرفة التوقيت الزمني الدقيق الذي عاش فيه الملك سليمان، وبحسب ترجيحات الباحثين التقريبية، فإن سليمان قد عاش –على الأرجح– في القرن العاشر من الألف الأولى قبل الميلاد.

وقد وردت قصة سليمان في عدد من أسفار العهد القديم، وخصوصاً في أسفار ملوك الأول وأخبار الأيام الثاني.

وبحسب ما يخبرنا به العهد القديم، فإن سليمان كان أحد أبناء الملك داوود، وكان أقربهم إلى قلبه، وكانت أمه هي بتشبع التي تزوجت داود عقب وفاة زوجها الأول أوريا الحثي.

يذكر سفر ملوك الأول، أن داود قد اختار سليمان تحديداً لخلافته على مُلك بني إسرائيل، فتم مسحه بالزيت المقدس وتنصيبه ملكاً آخر أيام أبيه العجوز. 

أقوال جاهزة

شارك غردعن مائدة الملك سليمان وخاتمه وبساطه وكنوزه وقدراته الخارقة

شارك غردكيف ارتبط خاتم سليمان وبساطه بحكايات ألف ليلة وليلة؟

ويؤكد العهد القديم، على أن سليمان قد ابتدأ حكمه بسيرة طيبة، وبطاعة مطلقة ليهوه إله بني إسرائيل، وأنه كان يسير وفق أحكامه وشرائعه، وهو الأمر الذي جعل يهوه يمنحه الحكمة لما طلبها سليمان منه.

وقد عُرف سليمان بتلك الحكمة، حتى اشتهر بسليمان الحكيم، واستخدمها في العديد من المواقف، منها موقفه من ملكة سبأ عندما قدمت إليه، ومنها كذلك موقفه من المرأتين اللتين جاءتا إليه تتنازعان على طفل، كل منهما تدعي أنها أمه، حيث حل سليمان هذا الإشكال عندما أمر بقطع الطفل إلى شطرين، فوافقت إحداهن على ذلك، بينما اشفقت الأخرى على طفلها ورفضت، وقبلت أن تتنازل عن الطفل لغريمتها، فعرف سليمان عندئذ أن تلك المرأة هي الأم الحقيقية للطفل ورده إليها.

قصة-حكم-سليمان-في-الزانيتين-والطفل-الرضيع قصة حكم سليمان في الامرأتين والطفل الرضيع

أثرت حكمة سليمان بشكل مهم في استقرار مملكته وعقد التحالفات مع الممالك المجاورة لها، وهو الأمر الذي أتاح له الفرصة للقيام بأكبر مشروعاته العمرانية التي وردت في العهد القديم، ألا وهو بنائه للهيكل المقدس الذي عُرف بعد ذلك بـ"هيكل سليمان".

وعلى الرغم من كل الأوصاف الإيجابية التي أطلقها العهد القديم على الشطر الأول من حكم سليمان، فإنه سرعان ما تتبدل تلك التوصيفات في الشطر الثاني منه، حيث يذكر سفر ملوك أول، أن سليمان قد خرج عن تعاليم اليهودية وتشريعاتها، عندما مال في شيخوخته، لعدد كبير من النساء الأجنبيات، والتي كانت إحداهن هي بنت فرعون مصر.

ويصف سفر الملوك، المعصية الكبرى التي ارتكبها سليمان، بوضعه الأوثان والأصنام داخل الهيكل، وبإقراره عبادة ألهة أزواجه الأجنبيات، وهو الأمر الذي وصفه العهد القديم بقوله "وعمل سليمان الشر في عين الرب".

على أن الفترة الأخيرة من حياة سليمان، قد شهدت توبته وندمه على ما اقترف من معاصي، فقد جد في العبادة والاستغفار، وكتب عدداً من أهم كتب العهد القديم، منها نشيد الأنشاد وسفر الحكمة وسفر الجامعة.

أما في العهد الجديد، فقد ورد ذكر سليمان في أكثر من موضع، حيث تم التأكيد على حكمته في إنجيل لوقا، كما ذُكر في سلسلة نسب المسيح، من أبيه الأرضي يوسف النجار، في مقدمة إنجيل متى.

من هنا، فإن النظرة اليهودية لسليمان، جرت على اعتباره أحد أكبر ملوك وأبطال بني إسرائيل القدامى، بينما تماشت النظرة المسيحية، مع ذلك التوجه، وإن صبغتها بالصبغة المسيحية الروحانية التأويلية، التي اعتبرت أن قصة سليمان نموذجاً لكيفية خروج الإنسان عن النهج المستقيم ووقوعه في الزلل والخطأ، ثم عودته في نهاية المطاف إلى الطريق القويم الذي أمر الرب باتباعه.

King_David_with_Abishag

النبي سليمان في الإسلام

يحتل سليمان مكانة كبيرة في الدين الإسلامي، ليس بصفته ملكاً تاريخياً لبني إسرائيل، بل لكونه أحد كبار الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم. 

القصة القرآنية عن سليمان، تتفق مع مثيلتها الكتابية في الخط الرئيس والعديد من النقاط والمحاور، من ذلك الاتفاق على حكمته، حيث ورد في القرآن، في سورة النمل "ولقد أتينا داوود وسليمان علماً"، وفي سورة الأنبياء "ففهمناها سليمان وكلا أتينا حكماً وعلماً".

وكذلك الاتفاق على استقرار المملكة في عهده وسعة ملكه، وإن كان هذا المُلك قد فُسر في الإسلام على كونه سيطرة مطلقة وهيمنة شاملة على جميع البلاد والمناطق، فقد ورد في بعض الأحاديث النبوية، أن سليمان كان واحداً من أربعة ملوك بسطوا سيطرتهم التامة على كامل المعمورة.

وتلك النقطة تحديداً، تكمن فيها اختلافات واضحة مع النصوص الكتابية، التي تؤكد على أن هناك ممالك مستقلة كانت قائمة في عهد سليمان، وكان الملك العبراني يرتبط معها بعلاقات دبلوماسية هامة.

الاختلاف ما بين النظرتين اليهودية-المسيحية من جهة، والإسلامية من جهة أخرى، يظهر بشكل واضح فيما يخص الذنوب والمعاصي التي زعم العهد القديم أن الملك الإسرائيلي قد ارتكبها عندما عبد الألهة الأجنبية، ذلك أن الرواية الإسلامية لا تتطرق بتاتاً لتلك الأحداث.

بل وتؤكد في أكثر من موضع على قداسة سليمان، وحسن طاعته لله، ومن ذلك ما وصف به في سورة ص: "نعم العبد إنه أواب"، وهي الآية التي فسرها الطبري، بأن سليمان كان كثير الذكر والطاعة لله كما أنه كان كثير الصلاة والدعاء.

سليمان-وزوجته-المصرية سليمان وزوجته المصرية

والحقيقة، أن النظرة الإسلامية في هذا الموضع، تتماشى كلية ًمع مفهوم العصمة الذي اصطبغت به التوصيفات القرآنية لعموم الأنبياء والرسل الذين وردت أسماؤهم في آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

ركز الكتاب المقدس على إنسانية سليمان، أما المصادر الإسلامية على قداسته وعصمته

ومن الاختلافات المهمة الأخرى، أن المصادر الإسلامية لا تذكر أن سليمان قد بنى الهيكل المقدس، بل على العكس من ذلك، فهي تنسب له دوراً محورياً في إعادة ترميم وبناء المسجد الأقصى، حيث ورد في مسند ابن حنبل وسنن النسائي وسنن ابن ماجة، قول الرسول "لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً، حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".

أيضاً فإن تنسيب المعجزات العظيمة والقدرات الخارقة إلى سليمان، كان من المسائل التي انفردت بها النظرة الإسلامية، حيث تواترت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي تؤكد على معرفة النبي العبراني للغة الطيور والحيوانات والحشرات، فهو يكلم الهدهد في بعض المواقف، كما أنه يفهم حديث النملة في مواقف أخرى.

وبالإضافة إلى ذلك فقد تم تسخير الجن والشياطين له، حيث استخدمهم في سبيل بناء العمائر الضخمة والمدن، أما الرياح فقد سُخرت له، فكان بوسعه دفعها إلى التحرك أو السكون؛ وجميع تلك المعجزات لم يتطرق إليها العهد القديم على الإطلاق، وإن كانت قد ذُكرت بعضها في بعض الترجمات الآرامية القديمة للتراث اليهودي، مثل كتاب الترجوم وهو شروحات وترجمات قديمة وغير معترف بها للعهد القدبم.

في الثقافة والمخيلة الشعبية

حظي الملك النبي سليمان، بفرصة عظيمة للتواجد وسط السرديات القصصية والحكايات الشعبية المنتشرة شرقاً وغرباً.

فلما كانت قصة سليمان تجمع ما بين كونها مصدراً لأحلام الثراء المادي، والنفوذ الروحي، فإن تأثيراته العميقة في القصص الشعبي، قد تواجدت في ساحة المخيلة الشرقية.

ففي المشرق الإسلامي، كانت أخبار سليمان وتسخيره للجن، حاضرة في أدب العرب قبل الإسلام، حتى أن النابغة الذبياني قد ذكر ذلك في إحدى معلقاته، وقال فيها:

إلاّ سُليمانَ إذ قالَ الإلـهُ لـــهُ    قًــمْ فــي البريَّة فــاحْــدُدْهــا عنِ الفَنَـدِ

وخيِّسِ الجنَّ إنّي قد أَذِنْتُ لهمْ    يَبْنون تَــدمـر بـالـصُّـفَّــاحِ والــعَـــمَـــدِ

وهو ما يشير إلى أن أخبار طاعة الجن لسليمان كانت معروفة في الجاهلية، وكان يُضرب بها المثل في الانقياد والاتباع.

أيضاً كان خاتم سليمان، ذا حضور قوي في الفلكلور والثقافة الإسلامية، حيث ذُكر بكثرة في قصص ألف ليلة وليلة، وبحسب تلك القصص فقد كان هذا الخاتم يمتلك قوة سحرية، مرجعها أنه قد نُقش عليه اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب.

أيضاً بساط الريح أو بساط سليمان، كان أحد الأدوات التي حيكت بها الحبكات الخيالية في القصص العربية، حيث ذكرت بعض القصص أن سليمان كان يستخدم هذا البساط للانتقال من بلاد الشام إلى كابول في أفغانستان في ساعات معدودة ليس أكثر.

وقد وصف الحافظ ابن كثير هذا البساط في تفسير القرآن العظيم، بقوله "وكان لسليمان بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام".

وبالإضافة إلى تلك الرموز السابقة، فإن مائدة سليمان أيضاً قد أخذت مكاناً مهماً وسط كتابات المؤرخين المسلمين، حتى أن ابن كثير يذكر في البداية والنهاية، أن المسلمين لما فتحوا الأندلس، ودخلوا عاصمتها طليطلة، فإنهم لقوا فيها كنوزاً عظيمة، وكانت مائدة سليمان من بين تلك الكنوز، وقد وصفها ابن كثير بقوله: "مكونة من الذهب والفضة، وكان عليها ثلاثة أطواق من اللؤلؤ والجواهر، لم ير مثله".

وقد قيل إن تلك المائدة، كانت أحد أسباب النزاع الذي نشب ما بين فاتحي الأندلس، موسى بن نصير وطارق بن زياد، عندما حاول كل منهما أن يُخفيها ليقدمها إلى الخليفة الأموي، ليُثبت له أحقيته بفتح الأندلس.

أما في الثقافة الغربية، فقد جرى الاهتمام بإرث سليمان المادي، وكنوزه التي قيل إنها أعظم الكنوز التي وجدت على سطح الأرض.

ففي عام 1885م، نشر الكاتب الإنجليزي هنري رايدر هاجرد، رواية بعنوان كنوز الملك سليمان، وهي تحكي عن رحلة قام بها عدد من المستكشفين الذين يبحثون عن تلك الكنوز في مناطق مختلفة من أفريقيا وبلاد الشام. وقد حققت تلك الرواية نجاحاً كبيراً، وتمت ترجمتها للغات الأوربية حتى أضحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الشعبية الغربية، وتم تحويلها لعدد من الأفلام التي صادفت النجاح نفسه.

ولم يتوقف التكهن والبحث عن كنز الملك سليمان، الذي شغل المخيلة الشعبية، بأحجاره الكريمة من الياقوت والماس، وآلاته الموسيقية وأوان الذهب والفضة والمعادن النفيسة.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي