قلْنَ في الرثاء والحب والغزل: عن أشهر شواعر عصور الخلافة

قلْنَ في الرثاء والحب والغزل: عن أشهر شواعر عصور الخلافة

كان الشعر أحد الميادين الفنية والأدبية التي شهدت ساحاتها بروزاً وحضوراً دائمين للعديد من الشعراء العرب، تختار المقالة نماذج من أشهر الأشعار التي أبدعتها النساء في عصور الخلافة.

عندما غلب الرثاء على شعر النساء

في الفترة الأولى من ظهور الإسلام، برزت على الساحة العديد من الشواعر اللاتي تأثرت إبداعاتهن الشعرية والأدبية بالأجواء الدينية والسياسية المحيطة بهن، ولذلك نجد أن معظم الأشعار التي قد وصلتنا من تلك الفترة، كانت تتعلق بأعمال الحرب والجهاد والإشادة بالإسلام من جهة، أو التباكي والحزن على القتلى والشهداء الذين فقدوا في المعارك والفتوحات من جهة أخرى.

ومن أهم شواعر تلك المرحلة، تماضر بنت عمرو السلمية، التي عُرفت واشتهرت باسم الخنساء، وكانت واحدة من الشعراء القلائل المخضرمين، الذين أنشدوا الشعر في الجاهلية وفي الإسلام.

وكانت شهرة الخنساء قد تحققت بعدما أنشدت قصائدها الطويلة في رثاء أخويها صخر ومعاوية، حيث كانت تزور الأسواق والتجمعات القبلية، وتُنشد الأشعار المُبكية الحزينة، حتى ضُرب بها المثل في شعر الرثاء خاصةً. ومن شعرها في رثاء أخيها صخر، قولها:

أعينيّ جودا ولا تجمُدا    ألا تبكيانِ لصخرِ النّدى؟

ألا تبكيانِ الجريءَ الجميلَ    ألا تبكيانِ الفَتى السيّدا؟

إذا القوْمُ مَدّوا بأيديهِمِ    إلى المَجدِ مدّ إلَيهِ يَدا

فنالَ الذي فوْقَ أيديهِمِ   من المجدِ ثمّ مضَى مُصْعِدا

وقد استمرت الخنساء في قرض الشعر بعد إسلامها، ويذكر ابن عبد البر (ت. 463هـ) في كتابه الاستيعاب في معرفة الأصحاب، أنها كانت تنشد الشعر في حضرة الرسول الكريم، وأنه كان يستنشدها، ويظهر إعجابه بشعرها.

ومن الغريب أن المصادر التاريخية، تكاد تُجمع على أن الخنساء بعد إسلامها، واستشهاد أبنائها الأربعة في موقعة القادسية 16هـ/ 638م، لم تبك، ولم ترثهم ببيت واحد من أشعارها، بل حمدت الله واحتسبتهم شهداء ورضيت بقدرها.

ومن النساء اللاتي أبدعن في شعر الرثاء في تلك الفترة أيضاً، زينب بنت علي بن أبي طالب، وابنة أخيها سكينة بنت الحسين، حيث حفظت لنا المصادر التاريخية، الكثير من القصائد الحزينة الموجعة، التي أنشدتها كلٌّ منهما في رثاء الحسين بن علي وأهل بيته، الذين استشهدوا في فاجعة كربلاء 61هـ/ 680م. من تلك الأشعار، قول زينب بنت علي:

عجبتُ وكيـــفَ النهـــرُ يجــــري بمــائهِ   وقلبُ حُسينِ السبطِ فطَّــرهُ الظّما

ولِمْ لَمْ تسخْ ارضٌ وتبلعُ مائهـــــــــــا   ولِمْ لَـمْ يغـبْ غيثُ السماءِ عن السَّما

أما سكينة بنت الحسين، فقالت في رثائها:

إن الحسيـن غداة الطف يرشقه    ريب المنون فما أن يخطئ الحدقة

بكـف شــر عبــاد الله كلهــم    نسل البغايا وجيش المرق الفسقـة

يـا اُمة السوء هاتوا ما احتجاجكم    غـداً وجلكــم بالسيف قد صفقة

يا عين فاحتفلي طول الحياة دماً    لا تبكِ ولداً ولا أهلاً ولا رفقة

لكن على ابن رسول الله فاسكبي   قيحاً ودمعاً وفي أثريهما العلقة

شواعر البيت العباسي: جرأة وتشبيب بالعبيد

عُرف العصر العباسي، بكونه العصر الذي شهد نضوج الحضارة العربية الإسلامية، حيث تمازجت ثقافة العرب بثقافات الشعوب المجاورة لهم، ونمت معارفها وعلومها وفنونها.

وقد كان الشعر المتداول في العصر العباسي، من أخصب الأشعار التي حُكيت ودونت في تاريخ المسلمين، حيث ظهر في تلك الفترة التاريخية العديد من الشعراء المميزين الذين أنشدوا القصائد في الغزل والحب والعشق، نخص الشواعر الأشهر في ذلك المجال.

ومن اللافت للنظر، أن الأشعار الأشهر التي وصلتنا، قدمتها نساء من وسط البيت العباسي الحاكم، ممن ترامت أخبارهن وسط الخاصة والعامة، في العديد من الأقاليم والبلدان. 

أقوال جاهزة

شارك غردمن أشعار زينب بنت علي بن أبي طالب، وسكينة بنت الحسين في كربلاء

شارك غردقصص أشعار نساء البيت العباسي الحاكم التي عرفت بجرأتها

أولى تلك الشواعر كانت الخيزران بن عطاء، زوجة الخليفة العباسي الثالث المهدي بن أبي جعفر المنصور.

وقد حُفظ عن الخيزران العديد من الأبيات الرقيقة، التي أنشدت معظمها متغنيةً بحبها لزوجها الخليفة، ومن أشهر تلك الأبيات تلك التي أرسلت بها إلى زوجها في بغداد أثناء وجودها في الحج في مكة، فعندما أرسل لها الخليفة واصفاً إياها لوعة الفراق والمشقة التي تنال من قلبه لبعدها عنه، أرسلت له قائلة:

قد أتانا الذي وصفتم من    الشوق ولكن ما قدرنا نطير

ليـت إن الريـاح ينقـلن     شوقي إليكم وما يكن الضمير

ثانية الشواعر العباسيات اللاتي خرجن من بيت الخلافة، كانت هي علية بنت الخليفة المهدي، والأخت غير الشقيقة لهارون الرشيد، وهي التي اشتهرت في المصادر التاريخية الإسلامية، باسم العباسة.

وكان الحب والعشق هو المحور الأساس في قصائد العباسة الشعرية، حيث تواترت القصص التي ربطتها بحب عدد من العبيد في قصرها، وكذلك حامت حولها الشبهات فيما يخص ارتباطها العاطفي بالوزير جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، وقيل إن علاقتها المحرمة بهذا الوزير كانت السبب في نكبة البرامكة كلهم على يد هارون الرشيد بعد ذلك.

وعلى عكس غيرها من شواعر تلك الفترة، فقد حفظت لنا كتب التراث، ومن أهمها كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (ت. 356هـ)، العديد من أشعار العباسة، حتى تم تجميعها ونشرها في ديوان واحد في العصر الحديث.

ومن نماذج شعرها، التي ذاعت واشتهرت، الأبيات التي أنشدتها في حب خادمها رشأ، والذي سمته في شعرها بزينب، حيث قالت:

وجـد الفـؤاد بزيـنـبـا    وجداً شديداً متعبا

أصبحت من كلفي بها    أدعى سقيماً منصبا

ولقد كنيت عن اسمها    عمداً لكي لا تغضبا

وجعلت زينب سترة    وكتمت أمراً معجبا

قالت وقد عز الوصا    ل ولم أجد لي مذهبا

والله نـلـت الـمودة    أو تـنـال الكـوكـبـا

ومن شعرها المشهور في وصف حبها لأخيها الرشيد:

تفديك أختك قد حبوت بنعمة     لسنا نعد لها الزمان عديلا

إلا الخلود، وذاك قربك سيدي     لا زال قربك والبقاء طويلا

وحمدت ربي في إجابة دعوتي    ورأيت حمدي عند ذاك قليلا

وقد استمرت العباسة، في إنشاد أشعارها بعد وفاة الرشيد، فورد أنها ألقت قصائدها في حضرة كل من محمد الأمين وعبد الله المأمون، وأبي اسحاق المعتصم، وظلت إلى أخر حياتها تحظى بمكانة لائقة ومحترمة في البلاط العباسي، حتى توفيت في عام 210هـ/ 825م.

أما الثالثة من شواعر البيت العباسي، اللاتي نلن شهرة كبيرة، فهي خديجة بنت الخليفة المأمون.

وقد عُرفت خديجة بتقليد عمتها العباسة في قول الشعر والتغزل في غلمانها وخدمها، وإن كانت أكثر جرأة منها، لدرجة أن شعرها قد شهد في بعض الأحيان، تشبيباً واضحاً بأوصاف بعض العبيد والغلمان.

وينقل عنها جلال الدين السيوطي (ت. 911هـ)، في كتابه نزهة الجلساء في أشعار النساء، بعض الأبيات التي تحمل في طياتها، إشارات واضحة، حيث تقول فيها:

تالله قولوا لمن ذا الرشا    المثقل الردف الهضيم الحشا

أظرف ما كان إذا ما صح    وأملح الناس إذا ما انتشى

وقد بنى بـرج حمـام له    أرسـل فـيه طائـرا مرعشـا

يا ليتني كنت حماما له    أو باشقا يفعل بي ما يشا

dbda1edd993de24cc53ec3e2bdf38f05

ولادة بنت المستكفي: أعظم شواعر الأندلس

فإذا تركنا المشرق الإسلامي، ونظرنا صوب المغرب والأندلس، لوجدنا الكثير من الأسماء التي استضافتها قصور الأمراء والخلفاء، والتي ساعدت في تطور الحالة الأدبية فيها.

وقد كانت الأميرة الأموية ولادة بنت المستكفي من أعظم شواعر الأندلس، إن لم تكن أعظمهن على الإطلاق، وكان والدها أحد الأمويين الذين أعلنوا عن أنفسهم كخلفاء في فترة الضعف والفتنة، التي تزامنت مع سقوط وانهيار الدولة العامرية.

ولادة التي جعلت بيتها في قرطبة صالوناً أدبياً لكبار شعراء عصرها

وكانت ولادة شاعرة متمكنة، ذاعت أشعارها في المغرب والمشرق، وصاحبت شعراء زمانها وتنافست معهم وألحقت بهم الهزائم الأدبية تباعاً، مستغلةً ما وهبت به من حس فطري شاعري ومواهب أدبية، وسلطة اجتماعية لم تتح للكثير من معاصريها. 

وبالإضافة إلى كونها شاعرة ممتازة، عملت ولادة على أن يكون بيتها في قرطبة، منارة للشعر في الأندلس كلها، فكان هذا البيت بمثابة المنتدى أو الصالون الثقافي الذي يجتمع فيه كبار شعراء الغرب الإسلامي.

وأغلبية أشعار ولادة، تتعلق بالحب والغزل وأحوال العشاق والمحبين، وأشهر ما عُرف من تلك الأشعار، تلك القصائد التي كانت الأميرة الأموية تتبادلها مع الشاعر الشهير ابن زيدون، حيث كانت علاقة حب قوية قد نشأت ما بين الطرفين، انعكست في أبيات وقصائد عذبة.

وكانت أجمل أبيات ولادة، تلك التي أنشدتها معاتبةً ابن زيدون عندما مال إلى إحدى الجواري وانصرف عنها، فقالت له:

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا    لم تهو جاريتي ولم تتخير

وتركـت غصنـاً مثمراً بجمـاله    وجنحت للغصن الذي لم يثمر

ولقد علمت بأنني بدر السما    لكن دهيت لشقوتي بالمشتري

ومن شعرها في الصبر على بعد الحبيب وفراقه، قولها:

أَلا هَل لنـا من بعد هـذا التفرّق    سبيلٌ فيشكو كلّ صبّ بما لقي

وَقد كنت أوقات التزاورِ في الشتا    أبيتُ على جمرٍ من الشوق محرقِ

ورغم الحب الكبير الذي جمع ما بين ولادة وابن زيدون، إلا أن الفراق ما بين الحبيبين، كان هو مصيرهما، حيث انتقل ابن زيدون ليعيش في إشبيلية، بينما عاشت ولادة وحيدة في قرطبة حتى توفيت دون أن تتزوج في عام 484هـ/ 1091م.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي