كيف صوّرت السينما المصرية أمين الشرطة الفاسد الملقّب بـ"حاتم"؟

كيف صوّرت السينما المصرية أمين الشرطة الفاسد الملقّب بـ"حاتم"؟

علاقة المواطن المصري بأمين الشرطة علاقة يؤطرها الحذر المشوب بالخوف، حتى لو لم يكن ذلك المواطن ارتكب جُرماً ما. وعلى الرغم من أن فئة الأمناء تُعد من الرُتب المتدنية، مقارنة بغيرها من الدرجات الشُرطية الأعلى، فإن ما يفعله البعض منهم من تعدٍ سافر، وفرض إتاوات على المواطنين يجعل ذلك الخوف أمراً طبيعياً.

الرعب اسمه أمين شرطة

من النادر أن يمر عام في مصر، من بعد ثورة 25 يناير تحديداً، إلا وتعج المواقع الإلكترونية والصحف، بالإضافة إلى ما يبثه مرتادو مواقع التواصل الاجتماعي، بالعديد من الانتهاكات التي يقوم بها بعض أمناء الشرطة تجاه المواطنين.

كل هذا كان يحدث قبل ثورة يناير، خصوصاً أواخر حكم الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، حتى أن الثورة في مهدها، كان أول مطالبها إقالة وزير الداخلية آنذاك حبيب العادلي. إلا أن التكتم الإعلامي وعدم انتشار السوشال ميديا حالا دون نشر تلك الجرائم بهذا الشكل المكثف، كما يحدث في السنوات الأخيرة.

حوادث قتل، وتلفيق قضايا، واغتصاب، ورشوة بالإكراه، تكاثرت الأخبار عن جرائم "أمين الشرطة". مثلًا، أواخر عام 2015 حدثت واقعة أشعلت المجتمع المصري لمدة من الزمن، حين اعتدى اثنان من أمناء الشرطة جنسياً على فتاة داخل عربة النجدة، بمنطقة الساحل بحي شبرا. تلك الواقعة على فجاعتها، لم يدُم أثرها طويلاً، لتوالي الأحداث المشابهة. ففي 19 يناير 2016، قتل أمين شرطة جاره في منطقة إمبابة بالقاهرة، بسبب خلافات على بدل إيجار شقة.

أقوال جاهزة

شارك غرد كان طبيعياً أن نرى غالبية الأفلام حتى الكوميدية، تُظهر ضابط الشرطة الفاسد، ناهيك بالأمين، بمنتهى البساطة

شارك غردمن النادر أن يمر عام في مصر إلا وتعج المواقع والصحف، بالانتهاكات التي يقوم بها بعض أمناء الشرطة

وفي الشهر نفسه اعتدى تسعة أمناء شرطة على طبيب في مستشفى المطرية التعليمي، بعدما طلب أحدهم كتابة تقرير مزور لحالته، يزعم من خلاله تعرضه لبعض الإصابات. وفي مستهل الشهر التالي من العام نفسه، قتل أحد أمناء الشرطة  سائق "توكتوك" في عرض الشارع، بعد شجار بينهما على أولوية المرور. وفي أغسطس من العام نفسه، حدث أمر مشابه، لكن هذه المرة كان الضحية سائق "ميكروباص" في منطقة المعادي بالقاهرة. وغيرها الكثير من الأحداث.

INSIDE_EgyptPolice

البحث عن الحقوق المهدرة

عام 1967، أنشأ وزير الداخلية الأسبق شعراوي جمعة، إبان حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، "معهد أمناء الشرطة"، الكائن في منطقة طرة البلد، في محافظة القاهرة، في محاولة منه لإخراج كفاءات شُرطية لضخ الدماء في عروق الجهاز إلى جانب كلية الشرطة.

وكان من أسس التعيين أن يكون المتقدم حاصلاً على الثانوية العامة أو ما يعادلها، ويدرس في المعهد لمدة عامين المواد الشُرطية والحقوقية، ثم يتم تعيينه كأمين شرطة ثالث، فثانٍ، فأول، وبذلك يكون مر على خدمته بالجهاز 15 عاماً، ثم يمكن تعيينه ملازم أول شرطة، أو ما يعرف بالضابط، فيتساوى بذلك مع خريجي كليات الشرطة.

وعلى الرغم من وضوح القانون الذي تم سنّه منذ نشأة المعهد، فإن فكرة ترقي الأمين تُقابل بصعوبات من قِبل كبار رجال الداخلية، وأبرزهم الوزير الأسبق حبيب العادلي. لكن بمجرد إقالته وتقديمه للمحاكمة في خضم ثورة يناير، وفصل بعض الأمناء عن العمل لتورطهم في قضايا مخلة بالشرف، بحسب دعاوى الفصل، وتعرض البعض لجزاءات لكثرة الغياب، وبتبدل الوزراء واحداً تلو الآخر، رأى عدد من الأمناء حقهم المشروع في الترقي لضباط حسب القانون بات سهل المنال، إلى جانب المحاولات في إعادة المفصولين لعملهم.

فنظم عدد كبير مسيرات حاشدة ضد وزير الداخلية الأسبق محمود وجدي، مطالبين بعودة المفصولين، ونيل حقوقهم في الترقي. كان ذلك في يناير 2011، حينها شهدت الداخلية أولى حالات التمرد من الأمناء، حين ألقى البعض منهم زجاجات مولوتوف حارقة على مقر شؤون الأفراد، وأحرقوا 5 سيارات شرطة، فتدخلت القوات المسلحة وضبطت 15 متظاهراً منهم.

وبتولي اللواء منصور العيسوي، منصب وزير الداخلية، نال هو الآخر نصيبه من التمرد، حين قرر العديد من أمناء الشرطة بأكثر من محافظة، الدخول في إضراب مفتوح عن العمل. وكانت المطالب هذه المرة واضحة أكثر من ذي قبل، وحددوها كالتالي: "تحسين الأجور والحوافز، العلاج في مستشفيات الشرطة أسوة بالضباط، منع المحاكمات العسكرية للعاملين في الشرطة".

الطلبات نفسها لم تنفذ بالرغم من تواصل العيسوي مع قيادات الإضراب، الأمر نفسه تكرر مع الوزراء التاليين: محمد إبراهيم «الأول»، وأحمد جمال الدين، ومحمد إبراهيم «الثاني»، وأخيراً مجدي عبد الغفار.

سبع سنوات مرت على أول ثورة لهم لنيل حقوقهم المهدورة، وست وزارات تبدلت والحال كما هو عليه، فهدأت ثورتهم، لكن لم تهدأ الأنباء عن تجاوزات بعضهم بحق المواطنين.

من كومبارس صامت إلى رمز للدولة البوليسية

"أنا من حبه بقاسي.. وده كده هادي وراسي.. متقولش أمين شرطة اسم الله ولا دبلوماسي"، هكذا غنت سعاد حسني في أغنيتها الشهيرة "يا واد يا تقيل" للشاعر صلاح جاهين، ولحن كمال الطويل، حين أراد الثلاثي وصف حالة الإحساس بالذات وتجاهل مشاعر "زوزو" من قِبل حبيبها حسين فهمي في فيلم "خلي بالك من زوزو" (1972).

ويبدو أن سُلطة أمين الشرطة في الشارع المصري كانت قد أخذت في النمو والإحساس بالعظمة، لدرجة تجعلهم في مصاف الدبلوماسيين، على حد وصف جاهين.

عدا ذلك الفيلم الصادر بعد إنشاء المعهد بخمس سنوات، لم يكن لأمين الشُرطة دور يُذكر على الشاشة. بالطبع كان هناك ظهور هامشي، لكنه لم يتعدّ كونه كومبارساً صامتاً، ينفذ ما يطلبه منه الضابط، دون مناقشة، أو تجويد. ثم متكلم بمشاهد قليلة للغاية، وينتهي الفيلم، بالتتر مُضافاً إليه لوحة الشكر الخاص، التي تضم مدير وضباط إدارة الشؤون العامة في وزارة الداخلية، ومعهد أمناء الشرطة.

السينما المصرية في حقبتي السبعينيات والثمانينيات، لم تكن تسيطر عليها الأفلام الواقعية بقدر كبير، مقارنة بالكوميديا والأعمال الرومانسية. فكان طبيعياً أن لا يكون تسليط الضوء على انحرافات بعض أفراد الشرطة في الحسبان، خصوصاً فئة مثل أمناء الشرطة، التي تم إنشاؤها حديثاً، وإن وجدت، بدت في صورتها العادية المحافظة على الأمن، كما في مشهد حضوره لنُصرة بائعَي البطيخ عادل إمام، وسعيد صالح، على التاجر الكبير ذي الحظوة في السوق مصطفى متولي، في فيلم "سلام يا صاحبي" (1986).

في مستهل التسعينيات، وظهور مخرجي الواقعية الجديدة، كما يسميهم البعض، وعلى رأسهم الراحل عاطف الطيب، بدأت مشاهد الأمناء تبدو بالصورة التي يراها المواطن العادي. أي صورة الانحرافات والخوف الناتج عن البلطجة. عام 1992 أصدر الطيب فيلمه الشهير "ضد الحكومة"، وتلاه بعد أربعة أعوام فيلم "ليلة ساخنة"، وكلاهما تضمن مشهداً لم تتعدَّ مدته على الشاشة الدقيقة والنصف على الأكثر، إلا أن مدلولاته في غاية العمق.

في الأول تجد مشهداً يضم اثنين من الأمناء يتنازعان على ما أخذاه من المحامين وأهالي الضحايا مقابل إعطائهم صوراً من المحاضر التي سُجلت أثناء الحادثة، فيبدو عليهما الخلاف على من يستحق منهما النسبة الأكبر، ليهاجم أحدهما الآخر قائلاً: "خمس محامين وعشرين عيل؟ إحنا هنخنصر من أولها!"، فيصر أحدهما على عدم إخراج الصور قبل أخذه حقه "على داير مليم" على حد وصفه.

وفي الفيلم الثاني، نجد أمين الشرطة يتدخل لفض شجار نشب بين سائق التاكسي نور الشريف وأحد الزبائن، لاختلافهما على الأُجرة، فينحاز أمين الشرطة للزبون، بالرغم من علمه بأن السائق على حق.

بحلول الألفية الجديدة، وتفاقم دور الأمناء في المجتمع، خصوصاً في أواخر عصر محمد حسني مبارك، كانت السينما تتعامل مع جهاز الشرطة بشيء من التعرية، وتجسيد أكثر واقعية لهم عن ذي قبل. فكان طبيعياً أن نرى غالبية الأفلام، حتى الكوميدية، تُظهر ضابط الشرطة الفاسد، ناهيك بالأمين، وهو الأقل رُتبة، بمنتهى البساطة، ويمر المشهد بسلاسة دون تعسف مقص الرقابة، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً.

لكن التجسيد الأقوى لأمين الشرطة، وجعله هو الشخصية المحورية لعمل كامل، حدث في آخر أفلام الراحل يوسف شاهين "هي فوضى" عام 2008، من خلال شخصية حاتم، التي أصبحت في ما بعد اسماً يطلق على كل أمين شرطة في قسم بوليس، يقبل على انحرافات مشابهة. بالإضافة إلى انتشار الجملة الشهيرة لبطل الفيلم، خالد صالح: "اللي ملوش خير في حاتم.. ملوش خير في مصر".

حينها اعتُبر أن الفيلم ليس تشخصيًا لأمين الشرطة فحسب، لكنه وصف دقيق جداً للدولة البوليسية ممثلة في "حاتم"، الذي حمل اسمه بعض الدلالات، التي من الممكن تحويلها لـ "حاكم"، فتصبح رؤية شاهين، وكاتب السيناريو، ناصر عبد الرحمن أكثر اتضاحاً، خصوصاً بعد اغتصاب ذلك الـ "حاتم/حاكم" لنور "منة شلبي"، ابنة بهية "هالة فاخر"، وهو الاسم الذي يلقب به مثقفو اليسار، مصر، بعدما رسخها الشاعر أحمد فؤاد نجم في كلماته لأغنية الشيخ إمام "مصر يا مه يا بهية.. يا أم طرحة وجلابية".

كلمات مفتاحية
أمين الشرطة

التعليقات

المقال التالي