عشر محاولات لترجمة القرآن الكريم إلى اللغة العبرية، هل نجحت في مهمتها؟

عشر محاولات لترجمة القرآن الكريم إلى اللغة العبرية، هل نجحت في مهمتها؟

المقولة السائدة، في المصادر اليهودية، هي أن أول ترجمة للقرآن، أو لأجزاء منه، تمت في الأندلس خلال عصور الإسلام الأكثر ازدهاراً في كافة العلوم، ولكن هذه النسخة قد فقدت، ووصلنا إشارات لها في أعمال لاحقة.

ولكن الدكتور محمد محمود أبو غدير، في "ترجمة أوري روبين لمعاني القرآن الكريم بالعبرية"، يشير إلى أنّ هذه المعلومة غير دقيقة، حيث يعتقد أنّ ترجمة معاني القرآن إلى العربية تمت من خلال ما ورد في ترجمة أعمال المفكرين المسلمين. ويرصد الباحثون سبع محاولات لترجمة القرآن الكريم، بعد الأندلس، ثلاث منها غير منشورة، وأربع مطبوعة.

وتعلق الدكتورة نجلاء رأفت سالم رئيس مركز الدراسات الشرقية وأستاذة الأدب العبري الحديث في جامعة القاهرة، على ظاهرة الترجمة لمعاني القرآن، بقولها لرصيف22:

"هناك أكثر من ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى العبرية؛ وهناك قاسم مشترك فيما بينها ألا وهو أن المترجم يترجم الكلمات دون ان يستوعب المعنى".

وتضيف: "فكما تعلمون هناك كلمات فى القرآن الكريم تحمل أكثر من مدلول، وهناك العديد من التفسيرات لمثل هذه الكلمات؛ ولذلك جهل المترجم بماهية هذه الكلمات وبالمناسبة التي وردت فيها يجعله آلة تترجم دون روح، ولذلك كانت هناك مغالطات كثيرة".

النسخ غير المنشورة لترجمات القرآن الكريم

يتفق الخبراء المختصين، كما يشير الدكتور أبو غدير، إلى أنّ الترجمة الأولى تمت على يدي يعقوب بن إسرائيل هاليفي، ولم تتم من العربية مباشرة بل عن طريق نسخة إيطالية منقولة عن نسخة لاتينية لمعاني القرآن، إلا أن الخبراء لم يتوصلوا إلى اتفاق حول تاريخ هذه الترجمة.

أما الترجمة الثانية، فقد تمت في الهند، في القرن الثامن عشر، وذلك بحسب أبو غدير، نقلاً عن روبين في مقدمة ترجمته. بينما يحدد إتمام النسخة الثالثة عن الهولندية، ولا بدّ هناك من ذكر اهتمام الكنيسة الأوروبية بترجمة معاني القرآن، خاصة إلى اللاتينية.

INSIDE_HebrewTranslationQuran3

الترجمات المنشورة والمطبوعة

بدأت مع ترجمة تسفي حاييم ركندورف، عام 1857م، إلا أنها لم تلق قبولاً واسعاً، كما يشير أبو غدير، لأنها اعتمدت لغة العهد القديم وألفاظه، مما جعلها ركيكة بسبب الألفاظ غير المستخدمة في العبرية والتي لجأ إليها ريكندورف، فكانت مبهمة لكثير من اليهود لغموض الألفاظ. إلا أنّ أهميتها، رغم ذلك، تأتي من كونها أول ترجمة تمت عن العربية مباشرة.

كما أن في هذه الترجة عشرات الأخطاء النابعة من فهم خاطئ للمفردات العربية، رصدها كاتب المقال في دراسة مستقلة عن ترجمة ريكندورف. 

أما الترجمة الثانية فكانت على يدي يوسف يوئيل ريفلين وقد صدرت عام 1936، وتزامنت مع نشاط في حركة الترجمة من العربية إلى العبرية. وكما يقول أبو غدير، "حاول رفلين الاقتراب من فصاحة النص القرآني وبلاغته، حتى إن دائرة المعارف اليهودية العامة تصف هذه الترجمة بأنها أقرب إلى الترجمة الحرفية لمعاني القرآن الكريم".

INSIDE_HebrewTranslationQuran4
ثالث هذه الترجمات هي ترجمة أهرون بن شمش، التي صدرت طبعتها الأولى عام 1971، وأعيد طباعتها عام 1978، كما أن ترجمة ريكندورف هي الأولى من ناحية النقل عن مصدر عربي للقرآن، لكنها لم تكن دقيقة، حيث اكتفى بتقديم "المعنى الكلي لكل خمس آيات"، كما يشرح أبو غدير، ومن هنا فإن ترقيم آيات النسخة المترجمة مختلف.

أما في عام 2005، فقد صدرت ترجمة أوري روبين، أستاذ اللغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة تل أبيب، وهي من بين الأحدث والأهم، ويعلل روبين الأسباب التي دفعته لتقديم هذه الترجمة، على أنها ضرورة الاعتراف بإسهامات المفسرين المسلمين.

ومع اعترافه باستحالة نقل بلاغة لغة القرآن الكريم إلى اللغة العبرية، حاول روبين جعل ترجمته تتماشى مع أسلوب مبسط وعصري بحيث يستطيع القارئ غير المختص فهمها بشكل واضح ومباشر.

تمت مناقشة ترجمة روبين في جلسة الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب، وخاصة سورة الفاتحة، ودار نقاش بين أستاذ اللغويات في جامعة محمد الخامس في المغرب، الدكتور بلقاسم مكريني وبين باحث في اللغويات يدعى سمير ساهر، يوضح الأخطاء التي ارتكبها روبين في سورة الفاتحة. أيد مكريني ترجمة روبين ورآها أمينة في نقلها، لكن ساهر اعترض على ذلك وأوضح النماذج التي تشير إلى أن الترجمة شابها العديد من الأخطاء.

مناقشة ساهر تبعها رد من مكريني، جاء في ملخصه أن المترجم كان يفسر في هوامش الترجمة المعنى القرآني المقصود، لعجز اللغة العبرية عن سد هذا العجز اللغوي، وهو ما أسماه مكريني بإشكالية الترجمة، واستدل هنا على ترجمة روبين في "الذين أنعمت عليهم" إذ ترجمها روبين "أولئك الذين أعطيت لهم نعمة"، لكن المترجم فسرها في الشروحات والهوامش.

ترجمة عربية للقرآن إلى العبرية

وعلى عكس كل الترجمات السابقة، أصدر مركز بينات للدراسات القرآنية في 2015 ترجمة أخرى لمعاني القرآن الكريم للعبرية، جاءت ضمن سلسلة تسمى "القرآن بلغة أخرى"، لكن هذه المرة على يد عربي، هو صبحي عدوي من بلدة طرعان إحدى البلدات العربية في إسرائيل.

وتنبع أهمية هذه الترجمة كما يقول عدوي، في لقاء خاص مع موقع "بانيت" الاسرائيلي، بأن الترجمة "لها خصائص مميزة، فهي ترجمة أمينة للمصدر وتميل إلى الدقة وتحافظ على روح القرآن الكريم، وعلى معاني الكلمات بشكل دقيق، وهي بين الترجمة الحرفية والترجمة الحرة". وفضل عدوي أن يتبع شكل القرآن الاصلي من خلال ترتيب الآيات.

كما يجب ذكر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة، ومشروع ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات العالم، حيث قدموا ترجمة إلى اللغة العبرية عام 2015.

وحول مدى قبول الترجمات من عدمها ومدى انتشار كل منها لديهم، يقول درور شبارو، باحث اللغويات في شركة ميلنجو المسؤولة عن إنتاج بعض القواميس العبرية، لرصيف22 حول الترجمات الثلاث الأخيرة:

"ترجمة أهارون بن شمش غير مقبولة لدى أغلبية الباحثين في إسرائيل؛ هي مثيرة للاهتمام، ولكن يجب استخدامها بحذر، ونحن نعترف أنها لا تخلو من التعمد في الترجمة الخاطئة".

أما فيما يتعلق بترجمة ريفلين، التي تعتمد من قبل الباحثين، علّق شبارو أنها "تعتبر جيدة وذات مصداقية ولكنها مكتوبة بعبرية توراتية وليس بعبرية عصرية، رغم أنها كتبت في مرحلة حديثة نسبياً عن مرحلة بن شمش، وهذه مشكلة لدى من لا يجيد العبرية الراقية، أي عبرية التوراة القديمة والتي تستخدم أساليب لغوية صعبة نسبياً بالنسبة للجيل الحالي".

أقوال جاهزة

شارك غرد10 ترجمات لمعاني القرآن الكريم إلى العبرية، من عهد الأندلس حتى عام 2015

وأضاف: "وفيما يتعلق بترجمة روبين، فهي تسعى إلى نقل معنى القرآن كما يفهمه المسلم... في عصرنا، وأنا شخصياً أفضل الترجمة الجديدة للباحث أوري روبين من جامعة تل أبيب، ولكن هذه الترجمة لم تزل خاضعة لقوانين حقوق المؤلف، فلذلك لا يمكن اقتباس مقاطع واسعة منها. ولو لزم الاقتباس فأنا ألجأ إلى ترجمة ريفلين وهي بشكل عام ممتازة لمن يفهم العبرية الراقية والفصحى، وهي الآن في الملكية العامة ويستطيع أي شخص الاقتباس منه".

إنّ توفر ترجمة لمعاني القرآن باللغة العبرية في نسخ واضحة وأمينة شأن هام داخل إسرائيل. فكما جاء في تصريح للبروفيسور في جامعة بار إيلان، أفرام ألقايم، في مقالة مثيرة للجدل في صحيفة "هآرتس" في نوفمبر 2015، أنه يجب على الإسرائيليين العودة للقرآن كما يعودون للكتاب المقدس، ليشكلا معاً ركنين أساسيين للحياة في إسرائيل.

محمد وازن

محمد وازن صحفي مصري وخبير في الشأن الإسرائيلي والعربي والدولي.

التعليقات

المقال التالي