A.L.A يعيد إحياء شعر الفخر براب عربي نرجسي فاحشٍ

A.L.A يعيد إحياء شعر الفخر براب عربي نرجسي فاحشٍ

مع مطلع التسعينات، بدأت موسيقى الراب في الانتشار في تونس من خلال ظهور مجموعة من الرابرز الذين انتظموا في مجموعات، كما كان يحصل مع المجموعات الأميركيّة وبدرجة أقلّ الفرنسيّة. ولئن تحوّل الراب إلى نمط موسيقي معروف ومسموع لدى الشباب، فإنّ المشكلة ظلّت في عدد الرابرز المحدود والمحتشم، ذلك أنّ هذه الموسيقى ارتبطت بأسماء محدّدة كانت تمثّل ثقافة الهيب هوب بصفة عامّة.

مع هبوب رياح الثورة، حصل تغيير جذريّ فظهر العديد من الفنانين المغمورين، الذين كانوا يعانون من الحجب أيام الديكتاتوريّة. وأبرزهم علاء، الرابر الذي جذب الأنظار من خلال فرضه أسلوباً خاصاً تميّز به عن الآخرين.

في هذا المقال، نتتبّع مسيرة علاء منذ البداية مع مجموعة "الزمرة" إلى مرحلة الثنائي مع "كاسترو" وصولاً إلى المرحلة الحاليّة.

الرابر المحارب

بدأ تكوّن المرجعيّة الموسيقيّة لعلاء مع مجموعة الزمرة في منطقة الزهروني (حي شعبي في العاصمة). فمنذ سنة 2013، انطلق هذا الرابر في إنتاج وتقديم أغانٍ تعكس توجهاته وأفكاره التي يظهر جلياً أنها نتاج ولع بالموسيقى الأميركيّة. بالنسبة لعلاء، الرابر محارب أو لا يكون، فمن الزهروني "منبع الأساطير" كما يسميها، كانت النصوص هي السلاح الوحيد لمواجهة السلطة، ممثّلة في سلطة البوليس.

مع زميله كاسترو وبقيّة أعضاء المجموعة، اكتسب علاء شهرة واسعة من خلال أغانٍ تنقل واقع الأحياء الشعبيّة، وتعبّر عن مشاغل شباب ظلّوا مهمّشين حتى بعد ثورة حلم من خلالها بالتغيير.

19250679_1583440121666544_1191470668256242921_o

يقدّم علاء في نصوصه صوراً مجتمعيّة دون مساحيق أو تغيير، يرسم ملامح قاتمة لمجتمع مأزوم، مما يجعل المستمع في مأزق حقيقي، فهو متأرجح بين جماليّة الموسيقى وفعاليّة الأداء من جهة، وقساوة الصور وفداحتها من جهة أخرى. هي ثنائيّة يجد المتلقي نفسه متورطاً فيها كلما استمع إلى أغاني علاء. ولعلّ خير دليل على ذلك أغنية كلاشنات، إذ نلاحظ نسقاً سريعاً منذ البداية مع تدفّق يجاري الموسيقى التي تمثّل خلفيّة لصوت الرابر مع إلقاء عفويّ للنص.

أقوال جاهزة

شارك غردما يميّز أغاني A.L.A هو عنف الكلمات وفحش الصور التي يرسمها الرابر

شارك غردلا يتردّد علاء في تقديم مجموعة من الأغاني التي يسلّط فيها الضوء على موهبته بغرور ونرجسيّة

ما يميّز هذه الأغنية أساساً هو عنف الكلمات وفحش الصور التي يرسمها الرابر. وهي إستراتيجيّة اتّبعها علاء في جلّ نصوصه على عكس الراب "النظيف"، الذي يحاول قدر الإمكان كسب أكبر عدد ممكن من المتابعين. لا يأبه علاء لهذه النقطة، بل يعتبر الراب نابعاً من الشارع وإليه يعود وهو سلاح لا لمقاومة السلطة فقط بل أيضاً لصدم المتلقي.

هذا ما يتأكد مع أغنية حين ميسرة التي يلقي من خلالها الضوء على الوضعيّة الحقيقيّة للشباب التونسيين، بعيداً من الصور الزائفة التي يقدّمها الإعلام الرسمي. بإلقاء مسترسل وسريع مع موسيقى هادئة كخلفيّة، يقدّم الرابر صوراً للمعاناة في الأحياء الشعبيّة، ويجسّد ملامح صراع أزليّ مع البوليس.

لا يتوانى علاء في توجيه سهام النقد للسلطة، وهو يندّد بوسائل الإعلام ويشير إلى عدم تغيّر الأوضاع المترديّة التي يعايشها يومياً في حيّه. لكنّ هذه الإستراتيجيّة لم تمنع هذا الرابر من إعلان نفسه أحسن رابر على الساحة، فقد تعالى عن الجميع وسخر منهم في عديد من أغانيه، بنرجسيّة لا يخجل من إظهارها.

الرابر النرجسي

الإيغو-تريب في الراب هي أغنية يحتفي من خلالها الرابر بإمكاناته ويشيد بها دون ّأيّ حدود، مع التهكّم والسخرية من الآخرين الذين يعتبرهم أقل منه مستوى. والحقيقة أنها ظاهرة عالميّة في الراب، منتشرة في كلّ أنحاء العالم. لذلك، فعلاء لا يتردّد في تقديم مجموعة من الأغاني التي يسلّط فيها الضوء على موهبته بغرور ونرجسيّة، كما هو الحال في أغنية "قلم مقدّس". فهو يعتبر أنّ قلمه وأسلوبه في الكتابة متفرّدان لا مثيل لهما ويضع نفسه فوق الجميع.

من خلال هذا النص، يتوجّه بالخطاب إلى بقيّة الرابرز ويؤكّد بثقة مفرطة انّه رقم واحد، متربّع على عرش الراب التونسي. ما يميّز هذه الأغنية هو الاستعراض المبالغ فيه. وقد كانت وسيلة لعرض قدرات الإلقاء والتجاوب مع الموسيقى والإيقاع المتموّج الذي يضفي طابعاً خاصاً على مقاطع الموسيقى الإلكترونيّة المبثوثة من البداية إلى نهاية الأغنية. ويواصل علاء في هذا النسق نفسه من خلال أغنية ترابي، التي يتواصل فيها حضور النفس الساخر بإيقاع سريع ومنتظم مع مساحات يغيب في بعض الأحيان ليترك المجال أمام إلقاء النص.

راب الفرجة: تركيز على الصورة واعتناء بالموسيقى

الاحتفاء بالذات والحضور المتواتر للأنا في النصوص هما أهمّ ما يميّز عوالم علاء الموسيقيّة في آخر أغانيه. لقد قام هذا الرابر بترسيخ ثقافة الإيغو-تريب على الساحة. راب علاء هو، بطريقة أو بأخرى، إعادة إحياء لشعر الفخر، وهو ما يجذب المستمع الذي يحاول أن يقارب بين زمنين مختلفين، وبين الرابر من جهة والشعراء من جهة أخرى.

والحقيقة أنّ المتمعّن في نصوصه يستنتج أنّه تحوّل إلى شخصيّة مستقلّة بذاتها من خلال رقصاته وتحركاته في كليباته المصوّرة.

يرسم علاء لنفسه ملامح بورتريه يريد أن يلاحقه طوال مسيرته: حلاقة مميّزة ولباس غريب يشبه ما يرتديه عارضو الأزياء. لم يعد هذا الرابر يكتفي بتقديم أغانٍ عنيفة موجّهة لنقد السلطة، بل اقتحم مجالاً جديداً من خلال اندماجه في "مجتمع الفرجة"، بعبارة غي ديبور، ليصبح فعل الاستماع مقترناً أساساً بالفرجة.

إذ صرنا "نشاهد" أغانيه ولا نستمع إليها فقط كما في الماضي. ولعلّ هذه الإستراتيجيّة المتّبعة تنجح بشكل لافت لأن القناة الجديدة لم تمضِ على إنشائها أشهر قليلة، وهي تضمّ الآن أكثر من 100 ألف مشترك مع ملايين المشاهدات. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ "راب الفرجة" مع علاء لم يقلل من القيمة الفنيّة والموسيقيّة للأعمال.

ففي أغنية سايف، نلاحظ تواتراً للمعجم نفسه الذي يضع الرابر حل اهتمام الجميع، بما أنّه يعتبر نفسه أسطورة تقدّم راب "تجاوز الفنّ" على حدّ تعبيره.

لكنّ اللافت هو هذا الأداء المتقن والإلقاء السريع الذي حافظ عليه علاء منذ بداياته مع الزمرة وطوّره. فصوته ينساب متموّجاً مع إلقاء مسترسل دون كسر للبارات، ثمّ ينخفض النسق في اللازمة لينطلق من جديد مع نوتات بيانو إلكتروني خفيفة كخلفيّة.

من أجل الاعتناء بالموسيقى والتركيز على الصورة في أغنية "أوزي" (وتعني المسدّس الرشاش، إشارة إلى صعوده الصاروخي وسيطرته على الساحة)، استدعى علاء في الكليب الممثّل التونسي هشام رستم، وهو أوّل رابر يصوّر أغنية بطريقة هوليوديّة مع اعتناء بالسيناريو.

15267519_1350377984972760_2923410790903955818_n

رفع علاء الراب التونسي إلى مستوى جديد من خلال الأداء المتقن، وإقحام تقنيات التصوير والاعتناء بهذا الجانب. وقد بات العديد من الأجانب (من أمريكا أساساً) يتابعونه برغم حاجز اللغة.

كلمات مفتاحية
راب موسيقى

التعليقات

المقال التالي