مناضلتان وكوميديتان وبريئتان ... ريا وسكينة كما لم تعرفوهما من قبل

مناضلتان وكوميديتان وبريئتان ... ريا وسكينة كما لم تعرفوهما من قبل

في مثل هذه الأيام قبل عامين، كانت الجرائد والمواقع الإلكترونية المصرية، تعج بخبر السيناريست أحمد عاشور الذي حصل على إجازة الرقابة بعرض فيلمه «براءة ريا وسكينة»، بعد رفضه في بداية الأمر، بحجة أن العمل يدحض أحداثاً باتت معلومة من التاريخ.

يزعم أنهما، الشقيقتين ريا وسكينة، كانتا مناضلتين ضد المحتل الإنجليزي، ولم تكونا سفاحتين كما جاء في حيثيات الحكم عليهما بالإعدام في الثاني والعشرين من ديسمبر 1921. وعلى إثره، أدلى العديد من المؤرخين بدلوهم في تلك القضية، منددين بأن يصدر فيلم ينافي حقيقة تاريخية مثل هذه. وحتى الآن، لم تطالعنا الأخبار بأي جديد يخص الفيلم، سواء بداية التصوير أو حتى الاستقرار على فريق عمله.

ريا وسكينة على الشاشة: بين التخويف والتسفيه

قصة ريّا وسكينة التي هزت المجتمع المصري وقت حدوثها، في دائرة قسم اللبان بالإسكندرية، تم تناولها درامياً لأول مرة عام 1953 في فيلم "ريا وسكينة" للمخرج صلاح أبو سيف، بمشاركة الأديب الكبير نجيب محفوظ في كتابة السيناريو، وقام ببطولته: نجمة إبراهيم، وزوزو حمدي الحكيم، وأنور وجدي.

واعتبر هذا الفيلم المرجع الذي يُستقى منه تاريخ هاتين السفاحتين ورفاقهما، بدايةً من طُرقهما في جلب الضحايا من النساء، اللاتي وصل عددهن إلى 114 جثة، بحسب ما وجد في منزلهما أثناء القبض عليهما، أو 17 جثة، بحسب ما ذُكر في أوراق القضية، مروراً بطقوس ضرب الدفوف، وإقامة حفلات الزار، للتشويش على أصوات استغاثات الضحايا، انتهاءً بلحظة الخنق بالمنديل المبلل على أنغام أغنية: "حسرة عليها، يا حسرة عليها.. ما جت رجليها، ما جت رجليها".

باستثناء فيلم أبو سيف، امتازت كل الأعمال التي تناولت قضية هاتين الشقيقتين بالطابع الكاريكاتوري، وتسطيح الفكرة، وإخراجها من مضمونها. بدأها اسماعيل ياسين في فيلمه "إسماعيل يس يقابل ريا وسكينة" عام 1955، إذ استعان فيه بأول فنانتين جسدتا الشخصيتين في تاريخ الفن على جميع أصعدته: نجمة إبراهيم ــ وزوزو حمدي الحكيم.

أقوال جاهزة

شارك غردتم إحكام المشنقة حول رقاب ريا وسكينة عام 1921، وكانت المرة الأولى التي تعدم امرأة منذ عهد القضاء المصري

شارك غردالأعمال التي تتناول حقبة تاريخية معينة، تقع فريسة الاتهام بالتنميط والسير وراء الرؤية الأحدية المتداولة

لكنه أظهرهما هشتين، غير قادرتين على الإمساك به رغم بساطته وقلة حنكته، أو بالأحرى غبائه، بل ويكون قادراً على الإيقاع بهما، وإيصالهما إلى حبل المشنقة، في حبكة صاغها أبو السعود الأبياري من خلال السيناريو، وأخرجها حمادة عبد الوهاب.

يمر نحو ثلاثين عاماً على عرض فيلم إسماعيل ياسين، لتصدر واحدة من المسرحيات الأشهر في الوطن العربي، هي "ريا وسكينة" عام 1982، التي حاول كاتبها بهجت قمر وضعها في قالب كوميدي ممزوجاً بعمق اجتماعي جالب للتعاطف، من خلال اللعب على تيمة الانتقام، أو الوقوع ضحية الجريمة الأولى، بعدما قتلتا زوجة أبيهما "أمونة"، واستولتا على مصوغاتها، ثم يجرفهما التيار بقتل النساء، بالتعاون مع حسب الله "عبد المنعم مدبولي"، ثم محاولة الإيقاع بأمين الشرطة عبد العال "أحمد بدير" للتغطية على جرائمهما.

كل ذلك تمت صياغته في قالب كوميدي واستعراضي، أخرجه حسين كمال، بمعاونة بطلتيه شادية وسهير البابلي.

واستكمالاً للتيمة الكوميدية، قدم الفنان الراحل يونس شلبي، بالتعاون مع النجمة شيريهان فيلم "عودة ريا وسكينة" عام 1983، عن قصة شريف المنياوي، وسيناريو وحوار وإخراج أحمد فؤاد. يحكي عن عزوز، الممثل المسرحي الفاشل، الذي يسعى للزواج من خطيبته فلة، الخادمة في بيت حكمدار الشرطة في الإسكندرية، والمنوط به القبض على السفاحتين ريا وسكينة.

وفي أحد الأيام يحاول عزوز التسلل لبيت الحكمدار، في زي امرأة لرؤية خطيبته، وتراه ربة البيت، وتظن أنه إحدى السفاحتين، فتعطيه مصوغاتها مقابل أن يتركها حية. تلمع الفكرة في رأسه، ويعمل على التنكر في زي امرأة، بالتعاون مع فلة، إلى أن يقعا في يد ريا وسكينة الحقيقيتين، نعيمة الصغير وسميحة توفيق.

الحقيقة ــ بحسب القضية رقم 23

سبع عشرة سيدة اختفين في ظروف غامضة في مدينة الإسكندرية، في غضون سنة واحدة 1920/1921، ويبدو أن كونهن من الفقيرات اللاتي اضطرتهن ظروف الفقر للعمل في الدعارة، سواء المقننة بحسب ما كان مصرحاً به وقتذاك، أو حتى السرية، جعل أهمية البحث عنهن ضرباً من العبث، سواء من أقاربهن الذين لا يريدون تلويث سمعتهن، أو من الشرطة التي كانت ترسل البلاغات باختفاء سيدات للنيابة العامة، فتعود إليهم ممهورة بختم "حفظ التحقيقات".

على الرغم من جدية أفراد عصابة "ريا وسكينة" في تنفيذ القرار بعدم الظهور مع الضحية قبل وقت قليل من تنفيذ الجريمة، فإن الضحية رقم 16 والمعروفة باسم فردوس بنت فضل عبد الله، كانت سبباً في إثارة الشكوك حول العصابة كلها، خصوصاً سكينة (26 عاماً)، التي جلبتها لمنزل ريا لتنفيذ المطلوب.

حدث ذلك حين قامت فاطمة البربرية، السودانية الأصل، والتي كانت تعمل "عايقة"، وهي السيدة التي تدير بيوت الدعارة بترخيص من الدولة، بالوقوف إلى جانب مواطنتها خديجة أم فردوس، في البحث عن ابنتها المفقودة في المستشفيات وأقسام الشرطة. ولم تعثرا لها على أثر، فكانت النهاية أن تقدمتا ببلاغ لقسم الشرطة اللبان، في 14 نوفمبر 1920.

باشر التحقيقات النقيب إبراهيم حمدي، الذي استنتج منها أنها خرجت مع خادمتها قنوع برضاها ولم تكن غاضبة. وأفادت الأخيرة أنها تركتها مع سكينة بنت علي همام، ورجل يُدعى سيد عبد الرحمن، فتم التحفظ على سكينة لحين التحقيق مع الآخرين.

وبمباشرة التحقيقات واستدعاء ريا وتفتيش منزلها، عُثر على ثلاث جثث مدفونة داخل المنزل، بعد اشتمام رجال المباحث لروائح عفنة تفوح في المكان، غطت على رائحة البخور التي كان تبثه ريا لإخفاء أثر العفن، وعلى إثرها تم استدعاء بقية أفراد العصابة، وأخذ التحقيق منحى أكثر جدية، خصوصاً بعد تغيير رئيس النيابة واستدعاء سليمان بك عزت من القاهرة من أجل هذه القضية.

وعلى يديه اتضحت الأمور، وتم إحكام حبل المشنقة حول رقاب حسب الله سعيد، ومحمد عبد العال، وعرابي حسان، وعبد الرازق يوسف، وريا وسكينة علي همام، وهي المرة الأولى التي يجري فيها إعدام امرأة منذ عهد القضاء المصري. حينذاك خرجت نساء أحياء الإسكندرية يهتفن أمام سجن الحضرة: "يا خمارة يا أم بابين.. روحت السكارى فين؟". وبعدما رفعت إدارة السجن العلم الأسود دلالة على انتهاء تنفيذ الإعدام هتفت السيدات: "عاش اللي شنَق ريا.. عاش اللي شنَق سكينة".

فنياً، تم تناول القضية بحسب ملف القضية التي وصلت أوراقها إلى 2220 صفحة من قطع الفلوسكاب في عمل واحد فقط، وهو المسلسل الدرامي "ريا وسكينة" الصادر عام 2005، للفنانتين عبلة كامل وسمية الخشاب، للسيناريست مصطفى محرم، والمخرج جمال عبد الحميد، مأخوذاً عن كتاب المؤرخ المصري صلاح عيسى "رجال ريا وسكينة سيرة سياسية واجتماعية"، الصادر عام 2003.

كتاب عيسى حاول أن يتناول القضية مجردة من التهويل الذي أضفته السِير الشعبية، أو فيلم صلاح أبو سيف لريا وسكينة، أو التسفيه الذي تناولتها به بقية الأعمال سينمائياً ومسرحياً. فسرد السيرة الذاتية لابنتي علي همام، واصفاً تغريبتهما في بلاد الله، بحثاً عن حياة أفضل، انتهاءً بتحويلهما لأشهر سفاحتين في التاريخ.

الفن يرفع بيوتاً لا عماد لها تارةً، ويهدم بيوت العز والشرف تارة أخرى

محاولة السيناريست المصري أحمد عاشور لإصدار فيلم يبرز جانباً خفياً في سيرة ريا وسكينة، مصدراً إياه بلفظ البراءة، ليس جديداً على الفن المصري، ومحاولاته لسرد التاريخ، على الشاشتين الصغيرة والكبيرة، كذلك الهجوم عليه ورفض العمل من قِبل الرقابة أيضاً ليس بجديد، فالعديد من الأعمال التي تتناول حقبة تاريخية معينة، أو أحداثاً ما في عصر مضى، تقع فريسة الاتهام بالتنميط، والسير وراء الرؤية الأحادية الأكثر تداولاً، أو حتى تلك التي رسختها بفعل السنوات، السيَر الشعبية حتى صارت حقيقة.

وعند أي محاولة للخروج عن ذلك، أو التفكير فيها بمنطقية، تنتشر الاتهامات بالكفر في حال كانت الحدوتة دينية، أو تسرد سيرة جماعة إسلامية ما، أو الخيانة وانعدام الوطنية إذا كانت القصة تمس أحد الرؤساء السابقين. حتى أعمال السيرة الذاتية لم تسلم من اتهامات بتلميع تلك الشخصيات، وأن الحقيقة، من وجهة نظر قائلها، غير ذلك.

الأمثلة على ذلك كثيرة، فالأعمال التي تناولت شخصية الرئيسين جمال عبد الناصر، وأنور السادات، والملك فاروق، طالتها الاتهامات نفسها، كذلك الأفلام التاريخية الدينية: الشيماء، وهجرة الرسول، وغيرهما، وما تم تناوله في الأعمال التي تناولت الجماعات الإسلامية: الإرهابي، والعائلة، والجماعة 1، و2.

كلمات مفتاحية
ريا وسكينة نقد

التعليقات

المقال التالي