حين يتساوى الألم واللذة... لماذا يبكي العشّاق حتى في وقت السعادة؟

حين يتساوى الألم واللذة... لماذا يبكي العشّاق حتى في وقت السعادة؟

"لنفترق ونحنُ عاشقان، لنفترق برغمِ كلِّ الحبِّ والحنان؛ فمن خلالِ الدمعِ يا حبيبي، أريدُ أن تراني"، يقول نزار قباني في قصيدته "أسألك الرحيل".

الطبيعي أن نبكي وقت الحزن، ولكن، لماذا يريد الحبيب أن تراه حبيبته، وبالعكس، من خلال الدموع، كما يقول نزار؟ هل الحالة متجذرة في النفس البشرية، أم أنها عارض أحدثته التغيرات الاجتماعية؟ هل من المنطقي أن يستدعي الحبيبان دموعهما، حتى وهما سعيدان؟ لماذا نستدعي الحزن، أحياناً، رغم نشوة الحب؟

ظاهرة قديمة وحديثة

"الحبيب البكّاء" قد يكون مصطلحاً لظاهرة قديمة في الحب، وصفها الشاعر أبو بكر بن دريد، منذ العصر العباسي، حين قال:

وَمَا فِي الأَرْضِ أَشْقَى مِنْ مُحِبٍّ ... وَإِنْ وَجَدَ الهَوَى حُلْوَ المَذَاقِ

تراهُ باكياً في كلِّ وقتٍ مخافة فرقة أوْ لاشتياقِ

فيبكي إنْ نأى شوقاً إليهمْ ويبكي إنْ دنوا خوفَ الفراقِ

فتسخنُ عينهُ عندَ التنائي وتسخنُ عينهُ عندَ التلاقي

وهي أيضاً ظاهرة جديدة، عبرت عنها أغان وأشعار حديثة، منها ما شدت به ليلى مراد من كلمات حسين السيد، في أغنية "الحب جميل":

"لما يخاصمني، بفرح وأصور، فرحة لقاه لو يوم جاني. وإن جه صالحني، أبكي وأفكر، من خوفي ليخاصم تاني".

وغنى عبدالحليم حافظ من كلمات عبدالمنعم السباعي: "خليك معايا، تبقى هنايا، في دموع عنيه. ولكل شمعة، في الفرحة دمعة، لكن هنية".

ثروة تحرسها الدموع

قد يدعي البعض أن الأغاني والأدب يغلب عليهما الخيال، ولكن "مي. أ" تقول لرصيف22، إنها لا تبكي فقط حين يهجرها حبيبها "إبراهيم. ش"، لكنها تبكي أيضاً إذا تصالحا.

"الحب الكبير يستدعي القلق عليه، فلو لديك محل مجوهرات ضخم ستعيّن له حراساً، ورغم ذلك ستبيت قلقاً، ولكن لو لديك "كشك سجائر" على أحد الأرصفة، فستكتفي بإحكام غلقه وتنام وأنت مطمئن، هكذا الحب الكبير، يستدعي القلق عليه لدرجة البكاء"، تقول مي. وتشدد على أن الأمر لا علاقة له بفقدان الثقة في إبراهيم، ولكنه الحب الذي تخاف عليه.

تلك الحالة المفرطة في الرومانسية، يفسرها الفيلسوف الروماني تيتوس لوكريشس كارس، أو "لوكريتيوس" في كتابه "عن طبيعة الأشياء"، بأنها لذة الامتلاك المُهلكة.

يقول لوكريشس إن الحب هو الحالة الوحيدة التي كلما زادت فيها رغبتنا في امتلاك الآخر، احترقت قلوبنا برغبة مهلكة. يخلق العاشق وهماً يحبه، بأن حبيبه هو من يمتلك مفتاح جنته، وأنه الوحيد الذي يضمن له سعادة مستقرة، وهو أمر يشكل تكاسلاً ميتافيزيقياً، خوفاً من تحمل المسؤولية التي تولدها الحرية.

ويبالغ لوكريشس في شرح الأمر، مشبهاً الحبيب بالمعبود بالنسبة لحبيبه، فيبكي فرحاً بالقرب منه، أو خوفاً من فقدان هذا القرب، ولكنها عبودية إرادية، بحسب وصفه.

أقصى درجات اللذة

"إن الحب الذي لا يمنحنا لذة البكاء ليس بحب. بين الحب والبكاء أواصر صداقة، يختلف معها طعم البكاء. نبكي لحرماننا، أو لفرط لذتنا. تستوي فيه اللذة والألم، ونحرص عليهما، على حد سواء"، يقول محمد الجيزاوي في روايته "المخلصون يرحلون غالباً".

أقوال جاهزة

شارك غرديشبه لوكريشس الحبيب بالمعبود بالنسبة لحبيبه، فيبكي فرحاً بالقرب منه أو خوفاً من فقدان هذا القرب

شارك غردما من تعلق من دون قلق يفيض من الأعين؛ فالمشاعر جميعها معذِبة ومعذًبة. لويس أراغون

وقد نجد انعكاساً لكلمات الجيزاوي في الجنس، فالعلاقة الحميمة التي تمثل قمة اللذة، قد تبكي المرأة، من فرط سعادتها وقربها الشديد من حبيبها. بحسب دراسات متعددة، أن البكاء يكون قريناً للحظة التي تصل فيها بعض النساء إلى قمة نشوتها "orgasm"، وأن هذا البكاء ليس بسبب ألم تشعر به، ولكن لأسباب نفسية، منها الفرح باللذة مع الحبيب والقرب منه.

الحب معذب أحياناً

يقول الشاعر والفيلسوف الفرنسي، لويس أراغون، الذي شاعت قصته مع إلزا، وكتب في حبها عشرات القصائد، إنه "ما من تعلق من دون قلق يفيض من الأعين؛ فالمشاعر جميعها معذِبة ومعذًبة"، ولهذا ينصح أراغون بإيثار السلامة، والتعود على الوحدة، بحسب ما نقل عنه كتاب "الفلاسفة والحب"، لماري لومونيه وأود لانسولان.

ويؤكد على ذلك لوكريشس، بقوله: إن مرارة ما، تنبع من قلب مصدر الملذات، وتهاجم العاشق بقوة، حتى وإن كان غارقاً في قلب زهرة. فالعاشقان قد لا يعلمان سبب العذاب الخفي في حياتهما، ولذلك يمارسان سلوكاً تعويضياً بتعذيب الطرف الآخر.

إبراهيم زوج مي، يؤكد لرصيف22 أن دموعه بعيدة نسبياً، ولكنه قد يجهش بالبكاء لأسباب عاطفية مختلفة، منها حين يشعر أنه ظلم حبيبته، أو إذا شعر بشحنة مشاعر كبيرة تغزوه منها، وفي هذه الحالة قد تتسلل دمعة إلى عينيه، ويختنق صوته، اغتباطاً باللحظة السعيدة التي يعيشها، أو حزناً على لحظات أخرى غابت عنها تلك المشاعر.

قهر مجتمعي

أحياناً يكون السبب في ازدياد هذا القلق المثير للدموع، هو القهر المجتمعي، الذي يجعل من الحب بمثابة تعويض عنه، أو وسيلة إلى مواجهته، خصوصاً لدى المرأة في بعض المجتمعات.

ترى الفيلسوفة الفرنسية، سيمون دي بوفوار، في كتابها "الجنس الآخر"، أن المرأة في المجتمعات المتدينة خاضعة للذكور منذ طفولتها، على الأقل مادياً، ومنغلقة داخل العالم المتقزم للمؤنث، وبالتالي فإن اتحادها مع فاعل رجولي هو الوسيلة إلى الهيمنة، ولذلك تستسلم للحب.

وبعد أن تقع المرأة في الحب، تصبح لديها رغبة كبيرة في امتلاك الرجل، حتى أنها تعتبره كالإله لا يجوز أن يغفل عنها، تقول دي بوفوار.

وتعتبر الفيلسوفة الوجودية أن اليوم الذي ستتمكن فيه المرأة من الحب بقوتها لا بضعفها، لا لتهرب من نفسها بل لتجد نفسها، لا لتمحو بل لتتأكد، هو اليوم الذي سيكون فيه الحب بالنسبة لها مصدراً للحياة لا خطراً مميتاً.

سلوك تعويضي

كما نضحك أحياناً في أوقات الحزن، كوسيلة تلقائية يتبعها المخ للدفاع عنا ضد الآلام. فالمخ ينبه الغدد الدمعية أيضاً عند الفرح الشديد، لإحداث توازن في المشاعر، فالبكاء والضحك يحدثان عند وصول العاطفة إلى ذروتها، إيجابية كانت أو سلبية، بحسب ما ذكر أستاذ الطب النفسي، الدكتور جمال فرويز، لرصيف22. وأشار فرويز إلى أن الجزء المسؤول عن الضحك والبكاء واحد في المخ، وقد يصاب هذا الجزء باضطراب عند السعادة أو الحزن المبالغ فيهما، فتنقلب تعبيراتنا إلى عكس المتوقع.

كما توصلت دراسة، أشرفت عليها الدكتورة أوريانا أراجون، بجامعة ييل، في نيوهافانا الأمريكية، إلى أن الشخص الذي يبكي حين تصل مشاعر السعادة داخله إلى الذروة، لديه القدرة على الوصول سريعاً إلى حالة الاتزان النفسي، التي أخلت بها مشاعره السعيدة.

هو أم هي... من يبكي أكثر؟

بجانب ما يشاع عن أن مشاعر المرأة أكثر رهافة، ودموعها أقرب إلى عينيها من الرجل، فقد أكدت الجمعية الأمريكية للطب النفسي، أن المرأة تبكي أكثر من الرجل، بحسب تقرير لها، استعانت فيه بأكثر من دراسة، أهمها كانت تلك التي أجراها فريق من جامعة تلبرج الهولندية، بقيادة البروفسور فينجرهويتس.

وأوضح التقرير أن المتخصص في الكيمياء الحيوية ويليام فراي أثبت عام 1980 أن المرأة تبكي بالمتوسط 5.3 مرة في الشهر، بينما يبكي الرجل 1.3 في الشهر، لأن التستستيرون "هرمون الذكورة"، يقلل من قدرة الرجل على البكاء، بينما يتسبب هرمون البرولاكتين، المرتبط بإدرار الحليب من ثدي المرأة، بانسياب الدموع أكثر لديها.

ويشير جمال فرويز إلى أن التركيبة النفسية للرجل، خصوصاً في المجتمعات الشرقية، تميل إلى اعتبار أن الدموع ضعف، بل من العيب في بعض المناطق من الدول العربية أن يبكي الرجل ويراه الناس، الأمر الذي يخلق بداخله نفساً تميل إلى القسوة أحياناً، وعلى العكس فإن المرأة في مجتمعاتنا، بما أنها موضوعة في مركز تميل فيه إلى الضعف أكثر، قد تستخدم هذا الضعف كسلاح لاستعطاف قلب الرجل.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي