من وظيفة هجّاء الخصوم إلى المشاركة في صنع القرار... مغنّون ومغنّيات في قصور المماليك

من وظيفة هجّاء الخصوم إلى المشاركة في صنع القرار... مغنّون ومغنّيات في قصور المماليك

لم يكتفِ نور الدين علي بن رحاب، المغني الشهير في العصر المملوكي، بدوره الطربي، بل لعب دوراً سياسياً مستنداً إلى المنزلة التي تبوأها بين الكبار والأمراء بسبب عذوبة صوته وشهرة أغانيه.

كان ابن رحاب يلعب دوراً مهماً من خلال تأليف الأغاني، أو طلبه من أحد الشعراء تأليفها لهجاء بعض الأمراء الذين كانوا على عداء مع أمراء آخرين يميل إليهم، بحسب الباحثة ميرفت عثمان حسن في دراستها المعنونة "طائفة المغاني في مصر في العصر المملوكي".

وفي عهد السلطان الظاهر قانصوه ابن قانصوه (1498 - 1500)، ناصر ابن رحاب الأمير الثائر على السلطان أقبردي الدوادار، شتم أمراء وهجاهم بأفحش الألفاظ، فأمر السلطان الأمير طومان باي بأن يقبض عليه ويضرب بالمقارع، ويشهّر به وهو يركب على حمار.

ولع حتى أبواب السجن

لم يكن المطربون يستطيعون التقرب من السلطة ولعب دور سياسي لولا ولع السلاطين والأمراء بالغناء والموسيقى لدرجة وصلت إلى اصطحاب أحد السلاطين لفرقة موسيقية أثناء سجنه.

فقد كان الملك المنصور محمد بن السلطان حاجي (1361- 1363) محباً للهو والطرب، وكانت لديه جوقة غنائية كاملة، إضافة إلى عشر جوارٍ عُرفن بمغاني المنصور، تروي عثمان.

ولما سُجن بعد خلعه من السلطنة عام 1362، كان يُسلي نفسه في سجنه بالقلعة بشرب الخمر وسماع المغاني، وعندما مات استمرت المغاني بالغناء في أفراح الناس، وكنّ يعرفن بجوقة المنصور.

عشق حتى الموت

واللافت أن السلاطين كانوا يؤثرون المغنية على المغني، وكأنهم كانوا متأثرين بمقولة الأصفهاني التي تقول إن "نعيم الدنيا أن تسمع الغناء من فم تشتهي تقبيله".

وما زاد من افتتان السلاطين والأمراء بالمغنيات هو الشعر. وذكر أستاذ التاريخ الإسلامي الدكتور عبد الباقي السيد لرصيف22 أن إعلام الدولة المملوكية اعتمد بصورة كبيرة على الأدباء والشعراء الذين كانوا يتفننون في ذكر أوصاف المطربات لدى السلاطين والأمراء، فيطلب هؤلاء استدعاءهن للغناء، ومن هنا تبدأ علاقاتهن بالسلطة.

ومن أمثلة شغف السلاطين والأمراء بالمطربات، قصة الأمير أنوك بن الناصر محمد بن قلاوون (1285 - 1341) الذي هام عشقاً بمغنية تُدعى زهرة، فعمّر لها داراً في بركة الجيش بالقاهرة ليلتقيها فيها.

ولما علم والده بذلك أمر بمنعها عنه، فحزن أنوك وأعياه المرض، فأشفقت عليه أمه وخافت عليه من الموت فأتته بزهرة سراً.

وقد شغلته المغنية عن زوجته، ابنة الأمير بكتمر الساقي. وحين علم الناصر بذلك، جاء لضرب ابنه فأصيب الأخير برجفة كانت سبباً في ضعفه ثم موته، بحسب دراسة لسحر عبد الله بعنوان "الجواري في العصر المملوكي".

أقوال جاهزة

شارك غردفضل سلاطين المماليك المغنيات الإناث وكأنهم تأثروا بمقولة: نعيم الدنيا أن تسمع الغناء من فم تشتهي تقبيله

شارك غردلعبت المغنيات أدواراً مهمة في عهد المماليك ووصلت مكانة بعضهن لدى السلاطين إلى حد تدخلهن في صنع القرار

الزواج من السلاطين

وربما لم تحظَ مطربة بتنافس السلاطين عليها أكثر من المغنية اتفاق. يروى الدكتور محمد زغلول سلام في كتابه "الأدب في العصر المملوكي" أن ثلاثة سلاطين إخوة تنافسوا على حبها بسبب غنائها وحلاوة صوتها، وتزوجوها واحداً تلو الآخر.

وبدأت الحكاية مع الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك الناصر محمد بن قلاوون ( 1325- 1345) الذي اشترى لها عصبة مرصعة بالجواهر "بلغت قيمتها أكثر من مائة ألف دينار مصري"، بحسب سلام.

واستفاض المؤرخون في ذكر أخبار اتفاق ومكانتها لدى السلاطين. فقد ذكر ابن تغري بردي في كتابه "النجوم الزاهرة" أنها "كانت جارية سوداء حالكة السواد، اشترتها ضامنة المغاني بدون الأربعمئة درهم من ضامنة المغاني بمدينة بلبيس (تقع فى محافظة الشرقية الآن)، وعلمها الضرب بالعود الأستاذ (لقب كان يطلق على المطربين والعازفين) عبد علي العواد، فمهرت فيه، وكانت حسنة الصوت، جيدة الغناء".

و"ضامنة المغاني"، بحسب السيد، هي امرأة كانت تقوم بوظيفة تدريب الجواري على الغناء، وتنتقي أفضلهن لترسلهنّ إلى السلاطين والأمراء.

وبحسب الرواية، قدمتها الضامنة لبيت السلطان، فاشتهرت فيه حتى شغف بها الملك الصالح إسماعيل وتزوج بها. وتضيف الرواية: "لما تسلطن أخوه الملك الكامل شعبان (1328 – 1346) باتت عنده من ليلته لِما كان من نفسه منها أيام أخيه. ونالت عندهما الحظ والسعادة مما لم يعرف في زمانها لامرأة".

ولما جاء إلى السلطنة ثالث الإخوة سيف الدين حاجي (1347 – 1363)، "بادر بمصادرتها، ثم عاد فبعث إليها، فطلعت بجواريها مع الخدام إلى القلعة، وتزوجها السلطان خفية"، حسبما يذكر زغلول.

أردكين وشهد دار

اتفاق لم تكن أول مطربة تتزوّج سلطاناً أو أحد كبار الأمراء. قبلها، كانت هناك أردكين بنت نوكاي بنت قطفان المغنية التي شغف بها الأشرف خليل بن قلاوون (1262 – 1293) وتزوجها وبقيت عنده إلى أن قتل، بحسب الدكتور ثامر نعمان مصطاف في دراسته "دور المرأة في الحياة العامة في عصر المماليك البحرية" المنشورة في مجلة واسط للعلوم الإنسانية.

ويقول مصطاف: "تزوجها بعد ذلك السلطان الناصر محمد سنة 1300، ثم طلقها سنة 1317، وأنزلها إلى القاهرة ورتّب لها ما يكفيها إلى أن ماتت في سنة 1341".

وتضم القائمة أيضاً المطربة شهد دار التي تزوّجها المقر الشهابي أحمد بن الجيعان، أحد كبار الأمراء المماليك، وشغلته عن تدبير أحوال المملكة وكانت تحسن العزف على الآلات الموسيقية المختلفة، بحسب عثمان.

صنع القرار والملاذ الآمن

وصلت مكانة بعض المغنيات لدى السلاطين إلى حد تدخلهن في صنع القرار. ذكرت عبدالله أن "دنيا بنت الأقباعي الدمشقية اشتهرت في عصرها فاستدعاها السلطان الناصر محمد بن قلاوون فأكرمها، ثم وفدت على الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون (1363- 1377) فافتتن بغنجها وغنائها وحظيت عنده وكانت من أهم الأسباب في إسقاط مكس (ضريبة) الأغاني، عندما سألت السلطان ذلك فأجابها إلى طلبها".

أما آمنة بنت عبد الله بنت المتولي فكانت الملاذ الآمن ومكمن سر الأشرف شعبان، وتخفى في بيتها خلال صراعه مع خصومه لفرط محبته لها وثقته فيها.

الإطاحة بالسلطان

بيد أن تعلق السلاطين بالمغنيات كان سبباً في الإطاحة ببعضهم. ذكرت عثمان أن اللهو والخلاعة ووجود أرباب المغاني عند الملك المنصور أبي بكر بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (تولى الحكم في سنة 1341 وخُلع بعد شهرين) طوال الوقت، وطلبه أن يحضروا إليه بالليل، كانت هذه كلها من أسباب خلعه من الحكم.

كان ولع السلاطين والأمراء بالغناء والموسيقى كبيراً لدرجة وصلت إلى اصطحاب أحد السلاطين لفرقة موسيقية أثناء سجنه... وقد مكّن ذلك المطربين من لعب أدوارٍ سياسية

وبحسب ما روته "في ذات ليلة غلب عليه السُكر فصاح من الشباك على الأمير أيدغمش أمير أخور (المشرف على اسطبل السلطان وخيوله): هات لي قطقط (اسم مغنية)، فقال أيدغمش: يا خوند ما عندي فرس بهذا الاسم، فتكلم بذلك السلاخورية (الذين يشرفون على علف الخيل) والركايبة (الذين يركبون خيول السلطان لترويضها وتسييرها) وتداولته الألسن".

ولم يعجب ما حدث الأمراء فخُلع من السلطنة وسلم القلعة بغير قتال.

مطربون مقربون

ولم يمنع استحواذ المطربات على عقول وقلوب السلاطين والأمراء من بروز مطربين كانوا مقربين لرأس السلطة المملوكية مثل ابن قرداح أحمد بن محمد القاهري الذي كان واعظاً مشهوراً يقبل الناس عليه ويتلهفون إلى سماعه، وكان شاعراً ينظم الشعر الحسن ويلحنه ويغنّيه ويجيد ضرب العود، بحسب عثمان.

كان السلطان المؤيد أبو النصر شيخ (1369 – 1421) يميل إلى سماع صوته وهو يؤذن وكان يصحبه معه في رياضاته وخلواته. ورجحت عثمان أن يكون "احتضان المؤيد له وميله إلى الاستماع منه هو الذي شجع ابن قرداح على أن يهجر الوعظ إلى الغناء".

واشتهر أيضاً المغني كتيلة بن قرانغان، وكان الناصر محمد بن قلاوون يرسل في طلبه من ماردين (جنوب شرق تركيا) لسماع صوته ولتعليم الجواري الغناء، وكان يسأل السلطان في العودة إلى بلاده فيقيم بها فترة ويرجع إلى القاهرة بطلب السلطان.

وربطت علاقة بين الأمير سيف الدين تنكز، نائب السلطنة ببلاد الشام (توفي عام 1340)، وبين المغني عمر بن خضر بن جعفر الكردي، وعندما بلغ الناصر محمد خبره استدعاه وأعطاه إقطاعاً وخصص له راتباً، وكان مؤلفاً لألحان تُعزف على شتى الآلات الموسيقية التي شاع استعمالها في ذلك العصر.

وذكر السيدُ مغنياً آخر هو عبد العزيز الحفني (ت. 1310) الذي وصفه ابن حجر العسقلاني في "الدرر الكامنة" بأنه أعجوبة زمانه في الغناء وكان مقرباً من السلاطين الذين تولوا السلطة في حياته.

محمد شعبان

صحافي مصري مهتم بالتاريخ والتراث والثقافة.

التعليقات

المقال التالي