رسومات غازي پير: ملحمة الشيخ المسلم الذي حمى شعب البنغال بكل أطيافه ودياناته

رسومات غازي پير: ملحمة الشيخ المسلم الذي حمى شعب البنغال بكل أطيافه ودياناته

قد يبدو غريباً أن تكون قصة ملحمة مستمدة من طومار (ورق ملفوف "سكرول" أو لفائف) كمصدر أساسي لها، إلا أن فن السرد القصصي على الطومار يشكل جزءاً هامّاً من تاريخ منطقة البنغال العريق، حيث وصلنا نموذج عنه من القرن الثاني قبل الميلاد، فقد استخدم هذا النوع من الرسم لأكثر من ألفي عام، وكذلك جاء بعده الرسم على الورق والأقمشة، فكان طريقة للحفاظ على القص الشعبي، وتوثيق الأساطير الشفهية التي كانت تتداول في المجتمعات الريفية في مناطق عدّة، خاصة في منطقة البنغال.

لم يكن هدف هذه الرسومات إيضاحي فحسب، بل هي جزء لا يتجزأ من تطوّر الثقافة الشعبية والديانات في المنطقة، فقد ساهمت بقص وتزكية أهمّ الأحداث والشخصيات في تواريخ الديانات المختلفة.

أقوال جاهزة

شارك غردأسطورة الشيخ غازي: عندما احتضنت الثقافة الإسلامية المخيلة الشعبية لمنطقة دلتا البنغال

شارك غردفن الرسم على الطومار الذي شكل لوناً من القص الشعبي وساهم في انتشار الثقافة الإسلامية في البنغال

الإسلام والمسلمون في البنغال

شكل الإسلام قوة إجتماعية وسياسية مهمّة في منطقة البنغال (بنغلادش حالياً، ومنطقة غرب البنغال في الهند)، خاصة بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر، إلا أنّ علماء الأركيولوجيا قد كشفوا عن آثار توثق بدايات التاريخ الإسلامي للمنطقة، والتي ترجع إلى بدايات الإسلام نفسه، فمنها جامع يدل على وصول الإسلام إلى المنطقة في فترة مبكرة، كما تم العثور على عملة الخلافة العباسية في كافة أرجاء المنطقة.

وقد يخقى على البعض بأن البنغال هم ثاني أكبر جماعة عرقية مسلمة، بعد العرب، بأن الإسلام على طول تاريخ المنطقة احتضن الثقافات المحلية وترك بصمته على تاريخ تطورات ثقافية عديدة ومنها دون الشك، الإبداع الفني الرسمي والشعبي.

أسطورة غازي من معجزات الشيخ غازي أن يجعل الحيوانات تدر الحليب

إحدى القصص الأكثر شعبية هي ملحمة غازي "پير"، وتعرف أيضاً بملحمة غازي "پير" بابا، التي تروي حياة ولي مسلم تقي، كان يسكن منطقة البنغال الجنوبية في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر.

قصة غازي پير: سلطة الدين في خدمة الخير العام

سجلت الملحمة مغامرات القديس التقي، ونقلتها من الثقافة الشفوية إلى رسوم على طومار. أطول ما وصلنا منها هو لفيفة من سبعة وخمسين مشهداً، يحفظها اليوم المتحف البريطاني (ومنها صور المقالة).

main pic
هذه اللوحات المصغرة كانت بمثابة مادة بصرية للحكواتية الذين نسجوا حولها قصصاً طعمت رسومات الطومار بتفاصيل مشوقة ومثيرة، وحولتها من لحظات ومشاهد، إلى محطات في سير أبطالها الشعبيين، ومن خلالها يقدم الرواة مواعظ أخلاقية، لا تخلو من حس فكاهي ساخر.

كما أنّ لها جانباً أدائياً شعبياً، فعادة ما تقدم الحكايات مع غناء وموسيقى في ساحات القرى، وأغاني تمجد غازي پير، تعرف بـ"غازير غان" (Gazir Gan)، فيحمل الراوي الطومار ويدحرجه لوحة لوحة، وبعصا بامبو في يده، يشير إلى تفاصيل الرسوم وهو يروي الأحداث. عادة ما يرافقه عدد من عازفي الطبل، بتناغم مع سرد الملحمة الذي غالباً ما يكون على شكل شعر موزون.

تصور الملحمة غازي كمحارب شجاع، وتسرد قصصاً عن قدراته الاستثنائية في السيطرة على النمور والتماسيح، ومعجزاته في التحكم بالطبيعة المحيطة به. أسطورة غازي
كانت قواه الخارقة مزيجاً من الخيال والتحايل على طبيعة المنطقة القاسية في الأراضي المنخفضة في ما يعرف بدلتا الغانج، التي كانت دائماً عرضة للفياضانات، فشاطؤها هو خليج البنغال وهو الخليج الذي يشكل الجزء الشمالي الشرقي من المحيط الهندي. قدرة غازي على التحكّم بالحيوانات والطبيعة تشكل أساساً لضمان سلامة سكان المنطقة، ومن هنا تأتي أهميتها.

بحسب الأسطورة، كان والد غازي سلطاناً، وكانت أمه ابنة ملك هندوسي، ويحكى بأن غازي رفض استلام الحكم من بعد أبيه، وترك القصور ورفاهية عيشها، وذهب بدلاً من ذلك إلى سونداربانس، وهي إحدى أكبر الغابات (حيث تبلغ مساحتها 140000 هكتار في دلتا الغانج والبراهمابوتر والميغنا في خليج البنغال).

المتحف البريطاني
وتحكي القصة أن غازي قد أمضى مدة سبع سنوات في غابات سونداربانس، دخل في مواجهات عنيفة، وجعل النمور والجنيات والعفاريت أصدقاءه الأوفياء بعد أن دخل في صراع شرس معهم.

فنّ الطومار ورساموه الـ"بتايا" المسلمون

تحتوي الرسومات على الكثير من التفاصيل الدقيقة والألوان الزاهية، معتمدة على أسلوب ثنائي الأبعاد يختلف كليّاً عن فن الرسم المنظوري. تسمى تقنية الرسم هذه بالـ”غازير بات” (Gazir Pat) ويسمّى متقنيها بالـ”باتويا” (patuya) أو الرسامين، وهم متواجدون بشكلٍ أكبر في المناطق الريفية في جنوب البنغال. 

تبدأ عملية رسم اللفائف بقماشٍ قطني خشن، يمدد على الأرض تحت الشمس ومن ثم يضع الرسّام عليه خليطاً من التمرهندي والطين لزيادة صلابته. يبدأ الباتويا برسمه المتقن بعد جفاف القماش ويستخدم صبغات مصنوعة من مكونات طبيعية كالكركم ومسحوق الزنجفر والصدف المطحون.

يرتبط تراث الطومار الفولكلوري بنظام الطبقات الاجتماعية في الهند، وكان العديد من الباتويا يمتهنون وظائف أخرى، من الطبقات الأفقر من المجتمع، كالحدادة والنجارة، وكان الباتويا يتجولون بين الضيع والمدن لبيع الطومار المرسوم وبحسب دراسة معنونة: "من الشفوي الشعبي إلى 'الفن الفلكلوري': إعادة تقييم فن الطومار البنغالي" (الدراسات الفلكلورية الأسيوية، 2002)، وجدت الباحثة بياتريس هاوسر أنّ فن السرد الشعبي الأدائي الذي تطور حول رسومات الطومار، تحول إلى فن بصري، يمكن اقتناؤه والتفاعل معه خارج إطاره الشعبي، وتمّ تصنيف هذه الرسومات كفن فولكلوري في سبعينات القرن الماضي، حيث بدأت اللفائف تنتشر، كقطع فنية، بين النخبة في مدينة كالكوتا.

غازي پير: الشيخ المسلم الذي يجلّه الهندوس والمسلمون في البنغال حتى اليوم

رغم أنّ أكثرية الباتويا كانوا مسلمين، توجد العديد من اللفائف التي تجسد قصصاً من التراث المسلم والهندوسي، ومن المثير أنّ ملحمة غازي پير تعدّ من تراث المنطقة للديانتين، فبحسب دراسة أنثروبولوجية للباحثة أنو جلايس، التي قدمته في كتابها "غابة النمور: السكان والسياسة والطبيعة في غابات ساندربان"، أنّ القرى والضياع في منطقة دلتا الغانج تجلّ غازي پير مع الآلهة الهندوسية، والمسلمون والهندوس يقصدون مزاره للتبرك به وإجلاله (صورة المقالة هي لافتة أحد مزاراته).

كان غازي پير شخصية كاريزمية عابرة للديانات والطبقات الاجتماعية، وهذه السمة، بالإضافة إلى سحر قصص الأسطورة الذي تزاوجت فيها الثقافة الإسلامية مع المخيلة الشعبية، جعلت منه بطلاً محبباً تتداول قصصه من جيل إلى آخر.

ريم جودي

ريم خريجة جامعة جورجتاون متخصصة بالاقتصاد الدولي والشؤون الخارجية، وتتابع دراساتها العليا في الجامعة الأمريكية في بيروت. تهتم ريم بحقوق المرأة، الشباب والسوشل ميديا، وكيفيات تشكيل الهويات الوطنية في البلاد العربية والإسلامية.

التعليقات

المقال التالي