سماع... عندما يهوى الصينيون الإنشاد الصوفي على إيقاع الروك وأكثر

سماع... عندما يهوى الصينيون الإنشاد الصوفي على إيقاع الروك وأكثر

يبحث غالبية المصريين عن الموسيقى الصوفية، فكلما انطلقت وصلة سماع للإنشاد الديني تهافت عليها البعض، وإن لم يكونوا متصوفة في الأساس. فيمتزج قلوب الجمهور مع إنشاد المادح أو آلة العازف، ويحيونه بالتصفيق في كل مرة يحسن أداء المقام أو يجيد العزف. ورغم تزايد الضغوط اليومية على المصريين، أصبحت عروض الغناء المجانية الدولية القليلة، والمقامة من قِبل وزارة الثقافة المصرية، متنفساً لهم من ضيق العيش، وسبيلاً آخر للوصول إلى ثقافة العالم الآخر.

بالأمس كان الحفل الختامي للدورة العاشرة من مهرجان سماع الدولي للإنشاد الصوفي والموسيقى الروحية، والذي امتد أسبوعاً غنياً بالنشاطات المتصوفة، في 6 أماكن أثرية، وأحيته فرق من 25 دولة عربية وأجنبية.

الإنشاد الصوفي عند المصريين

يعد الإنشاد الصوفي فن له مريدوه من العرب وبلاد شرق آسيا، وهو نوع من التجلي الروحي والعشق الإلهي. واعتقد المستشرق الإنجليزي "براون" أن التصوف فارسي الأصل، بينما اعتبر "إرنست رينان" نشأة التصوف في الصحراء العربية، بحسب كتاب سلسلة الثقافة الإسلامية الصوفية.

وسمع المصريون الإنشاد الصوفي في خمسينيات القرن الماضي من خلال مقرئين مصريين، أبرزهم سيد محمد النقشبندي، الملقب بكبير المداحين.

وقد ذاع صيت المنشد المصري الشيخ أحمد التوني كأحد أقطاب الإنشاد الديني، والملقب بـ"سلطان الأرواح" في فترة التسعينيات، وهو امتلك عقول المصريين المشغولين بالتصوف، وأصبح له شعبية كبيرة بين البسطاء في حلقات الذكر في الموالد الشعبية التي يقيمها المصريون.

تألف الإيقاع الموسيقي للإنشاد الديني المصري من آلاتي الربابة والكمان في الطريقة الكلاسيكية للإنشاد الصوفي، واستخدم البعض موسيقى القناوة، المشتهرة في جنوب الجزائر، في الموسيقى الإيقاعية.

ومع تغير نمط الموسيقى في العالم العربي، ظهرت فرق معاصرة ومطربون مصريون، يعيدون غناء أشعار الحلاج وجلال الدين الرومي. ومزجت تلك الفرق بين الآلات الشرقية والآلات الغربية المعاصرة، مثل فرقة "أزرق سماوي"، التي استخدمت الكلمات الصوفية على إيقاع الروك، وكذلك المطرب"زجزاج".

تعالوا نستمع إلى أرقى وأعمق أنواع الموسيقى الصوفية في العالم، فتعيشوا ما راح عليكم في ذلك المهرجان الفريد من نوعه.

مهرجان سماع الدولي للإنشاد والموسيقى الروحية

انطلق مهرجان سماع منذ عشر سنوات عام 2007، من خلال أمنية الفنان المصري انتصار عبد الفتاح بإنشاء فريق للمنشدين المسلمين والأقباط. تحققت تلك الأمنية مع مرور السنوات، وبدأ المهرجان بدعوة خمس دول في دورتيه الأولى والثانية، وبعد ذلك كثر عدد الفرق المشاركة سنوياً، وأصبح بين 20 و 25 فرقة موسيقية.

أسس عبد الفتاح فرقة رسالة سلام الدولية عام 2008، وعند مشاركتها في مصر تنقسم هذه الفرق إلى فريق سماع، المشارك في المحافل الدولية، وفرق التراتيل القبطية، وفرق أخرى من الأقاليم تنشد مدائح نبوية.

ورغم عدد الفرق المشاركة، فإن بعض الفرق المصرية ظهرت متخبطة، فأعلن المهرجان في دورته العاشرة عن بعض الأصوات النسائية الضعيفة. وأنشدت بعض الفرق أغاني متكررة على مسامع المصريين مثل أسماء الله الحسنى، وغيرها من المدائح النبوية، التي تشدو بها الفرق المصرية في المراسم الدينية.

أقوال جاهزة

شارك غردبدأت الموسيقى الروحية في الصين منذ الإمبراطورية الصينية، واقتبست الإيقاعات الموسيقية من الرياح

شارك غردالإنشاد الصوفي فن حديث في جمهورية مالدفيا، فقد بدأ عام 1940، لكن لا توجد وسائل إعلام لنقل حفلات الإنشاد

ورغم ما يمتلكه المصريون من رموز للصوفية وتراث يعتبر مصدراً للإنشاد الديني، وقد بدأت بعض الفرق في استخدام ذلك التراث والعمل عليه، مثل صوت النقشبندي وطه الفشني، إلا أن بعض الفرق المصرية في المهرجان لم تستغل هذا التراث في تجديده وإتحاف السامع به، وظلت تردد ما تتلقاه أذن المواطن المصري منذ سنوات عديدة.

أغاني الحب والسلام من التراث الصيني

برفقة آلة "إيراتشيو" الصينية، التي تمثل جزءاً من الموسيقى الروحية، وببراعة المنشد، غنت فرقة "سيساو جاز". كانت الموسيقى الروحية الصينية جذابة بالنسبة للجمهور المصري، ومزج العزف بين الأصالة والآلات المعاصرة مثل الدرامز والغيتار والأورغ، فأنشدوا خمس أغانٍ استهلوها بالتراث، وختموها بالأغنية العصرية.

تتكون فرقة "سيساو جاز" من خمسة أعضاء اجتمعوا من أماكن مختلفة من الصين، وهي تعزف عن الحب والسلام وتغني للتعايش بين شعوب العالم.

تقول عازفة الصولو "بان يوتشو"، التي تمسك آلة "إيراتشيو" الموسيقية، وهي من التراث الصيني منذ مئة عام، وتشبه "الربابة العربية"، لكنها تختلف عنها باختلاف كثرة الأوتار والنغمة الصوتية: "الموسيقى الروحية في الصين لها مكانتها، والشعب يستمتع بها".

وتذكر: "بدأت الموسيقى الروحية في الصين منذ آلاف السنين، وعرفت الصين الموسيقى الروحية منذ الإمبراطورية الصينية، واقتبست الإيقاعات الموسيقية من الرياح".

وتتابع: "تهتم الفرقة بتحويل الطرق الكلاسيكية الصينية إلى إيقاعات الجاز الحرة المعاصرة، لكن الآن نستخدم موسيقى ممزوجة بين العصرية والتراث، وأدخلنا تحديث للآلات".

الإنشاد الصوفي فن حديث له ناسه في الملديف

تمثلت لحظة دخول فريق المالديف يوم الاثنين المنصرم في دهشة الحاضرين، بسبب الحِلة المكونة من سترة خضراء ياقتها مزينة بالأحمر، وتنورة خضراء مزينة بنقوش لونها أبيض، ولكن بعد لحظات من بدء الإنشاد وامتلاك الفريق عقل وقلب الجمهور، انطلق الإنشاد الديني وبدأ الرقص، الذي تفاعل معه المصريون بالنزول إلى الساحة أمام المسرح والرقص مع الجمهور في قبة الغوري.

تتكون جمهورية المالديف من مجموعة جزر تقع في قارة آسيا في المحيط الهندي، ويعتنق شعب المالديف الديانة الإسلامية، وتعتبر من أصغر الدول الآسيوية نسبة إلى مساحة الأرض ومجموع السكان الذين لا يتجاوز عددهم نصف مليون.

يقف المنشد حماد رشيد معلقاً على وسطه الطبلة ومجموعته التي تتكون من قارعي الطبول، والجوقة وراءه والراقصون أمامه، كأنهم حلقة وصل بين غنائه والجمهور. وأمام الجمهور مباشرةً لا يلقي بالاً للرهبة التي تحل بقلبه ضيفاً ثقيلاً كعادة المطربين، ربما يكسر هذه الرهبة صوته العالي والصاعد بالغناء الديني.

image

يقول حماد: "الإنشاد الصوفي فن حديث العهد في جمهورية مالدفيا، فقد بدأ عام 1940، ولكن لا توجد وسائل إعلام أو صحف لنقل أهم الحفلات عن الإنشاد الصوفي، أو غيرها".

نشأ حامد في عائلة فنية من منشدي الجزيرة منذ الصغر، ما أثر في تكوينه، وأصبح الإنشاد كل عمله. لم يكتفِ حامد بذلك بل رغب في تأسيس أول فرقة وكان ذلك عام 2007.

يتابع: "الحفلات تقام وسط الجمهور، فلا يوجد مسرح، لذا نقوم بالرقص مع الناس وبينهم، والرقصة الشائعة في المالديف تشبه الرقصات الهندية".

تنعقد حفلات الصوفية في الأعياد الإسلامية مثل الفطر والأضحى وذكرى. ويوضح حامد: "لأن المالديف تتكون من مجموعة جزر نحن ننشد في حلقات صوفية وصعب أن يجتمع كل الشعب، ولكن في أعياد الفطر والأضحى نجد العاصمة "مَاله" هي المكان المثالي ليسمعنا الناس، فالأشخاص يتوافدون على العاصمة للاحتفال".

الفرقة الناشئة نوعاً ما وغير المحظية بوجود إعلام يقوم بتغطية حية لحفلاتها، تخطت هذه المشاكل لتجوب المهرجات الرسمية في كوريا وألمانيا وباريس مثلما يذكر رشيد.

"بيت المقام العراقي" وجهة الإنشاد الصوفي عند العرب

يولي العراق اهتماماً كبيراً بالإنشاد الديني والغناء الصوفي، فيعتقد بعض المؤرخين أن التصوف عراقي المنشأ وأساسه البصرة الكوفة، كما تقام جلسات السماع دورياً في العراق في المواسم الدينية.

ويساعد التراث العراقي المتمثل في الأناشيد الدينية من ألحان الملا عثمان الموصلي (1854-1923)، المنشدين على الغناء الصوفي منذ القرون الماضية.

ومن الفرق الصوفية الهامة في العراق فرقة بيت المقام العراقي، التي تعتمد على التراث في الأشعار والألحان على المقام العراقي، الذي نشأ منذ 400 عام، وتتكون الفرقة من سبعة أشخاص: عازف الكمان وعازف العود والمنشدين وعازف الدف.

يذكر أن الفرق العربية المشاركة في مهرجان سماع الدولي في مصر عددهم 7، أبرزها سوريا والأردن والمغرب، ومن المثير للدهشة عدم مشاركة العراق في هذه الدورة من المهرجان.

هل للسماع علاقة بالرقص عند المتصوفة؟

يعرف السَّماع في اللغة العربية في المعجم الجامع على أنه ما يسمعه العرب ويستعملونه، وهذا بخلاف القياس في علوم اللغة. ويعرف مجلس السَّماع بمجلس الغناء، ويستخدم في بلاد المغرب على أنه الإنشاد بالمدح، وفي اللغة الفارسية والتركية تعرف هذه الكلمة على أنها الإنشاد، كما استخدم الصوفيون "لفظ سماع" في جلساتهم.

فالسماع في الصوفية هو الإصغاء لما يقوله المادح وللعزف الموسيقي، وللصوفيين طريقتهم الخاصة في التعبد والإصغاء التام في مجالسهم، لذا يهتم المتصوفة بأشكال عدة تخدم الصوت الواحد المشتهر به الإنشاد الديني عند المتصوفة، منها اختيار الزي المنقوش عليه نقوش إسلامية أو قبطية في حال التراتيل، كما يهتمون بالآلات الموسيقية والحركات الإيقاعية الراقصىة والتي يعتبرونها جزءاً من عملية الإنشاد الديني.

واشتهرت في مصر رقصة التمايل، التي تشبه الزار، عند الإنشاد الصوفي وفي حلقات الذكر، لاستحضار روح الله.

التعليقات

المقال التالي