خيال وغناء ورقص وأشعار محكية: عن فنون الشارع العربي الشعبية

خيال وغناء ورقص وأشعار محكية: عن فنون الشارع العربي الشعبية

قبل أن تكتمل أشكال فنون المسرح والسينما، والأمسيات الشعرية، وحفلات الموسيقى والأداء الغنائي، انتشرت أشكال شعبية من هذه الفنون في الشوارع وعلى طرقات المدن العربية وفي المقاهي، فكانت مقدمة لأشكال الفنون التي نعرفها اليوم، وفي المقالة سنقدم أبرزها.

الأراجوز: سليط اللسان الذي ينتقد الجميع

إنها الدمية الأشهر في تاريخ ثقافتنا، وإن كنا لا نعرف متى ظهرت على وجه التحديد. يتفق الباحثون المختصون على أنها بشكل عام انتقلت من الشرق وجنوب شرق آسيا إلى الشرق الأوسط ومنه إلى أوروبا، وعرفت في العالم العربي منذ القرن السادس الهجري، أي الثاني عشر الميلادي، وهذا مؤكد بالنسبة لمصر. ولكن تطور تقنيات هذا الفن لم تكتمل وتتبلور حتى القرن 11 هـ/17م.

فقد وصلنا مما تركه لنا ابن دانيال الذي عاش في القرن السابع هجري/الثالث عشر ميلادي ثلاثة بابات (مفردها بابة، وهي ثمثيليات خيال الظل)، وهي: "خيال الطيف"، و"عجيب وغريب"، و"المتيم والضائع اليتيم". وبحسب الأخصائيين، في كل منها معالم تشبه إلى حد بعيد ما نعرفه عن فن الأراجوز الشعبي.

وكذلك وصلنا عدد من شخصيات مسرح الظل من القرنين السابع والثامن (الثالث عشر والرابع عشر ميلادي)، ولهذه ملامح شبيهة بشخصيات القراقوز التركية.

ولدينا شهادة من كتاب "سياحتنامه مصر" الذي يعود إلى القرن السابع عشر الميلادي لمؤلفه الرحالة أوليا جلبي أقدم ما رصد الأراجوز حيث أشار إليها كدمية تم الاستعانة بها في مساعدة المرضى وتحسين حالتهم الصحية. كما ذكر علماء الحملة الفرنسية انتشار هذا الفن في مصر.

أما عن لفظ "أراجوز"، فقد اختلفت فيه الأقاويل، فهناك من قال أنه تركي الأصل "قرة قوز" التي تعني العين السوداء. كما يقال إنها ترجع إلى "قراقوش" حيث حُرف اسمه للسخرية منه. على حسب ما جاء في كتاب "الأراجوز" للباحث نبيل بهجت.

وفن الأراجوز ينتمي في الأساس إلى المسرح، من حيث تقديم النمر أو اللوحات أو المشاهد، ثم الشخوص، والحوار الذي يدير القصة، ويختلف عدد النمر من فنان لآخر.

إحياء الفنون الشعبية المصرية، أداء لسيرة علي الزيبق في مركز سيرفانتز في القاهرة، خقوق النشر لـAgencia EFE. إحياء الفنون الشعبية المصرية، أداء لسيرة علي الزيبق في مركز سيرفانتز في القاهرة، خقوق النشر لـAgencia EFE.

والشخوص الأساسية للعرض بحسب نبيل بهجت هي "الأراجوز، زوجته نفوسة، زوجته السمراء، الشيخ، الشاويش، الفتوة، فنان بالعافية، كلب السرايا، الحانوتي"، تصميم تلك العرائس هو فنّ خاص، ومع أنها تُباع في محلات متخصصة، إلا أنّ الفنان المحترف بإمكانه أن يصنعها بنفسه كما أنه بإمكانه أن يقدم أدوار الشخوص جميعها.

ويختلف مسرح العرض، فقد يكون محمولاً كما وصفه علماء الحملة الفرنسية ليكون مقدمها شخص واحد، يشترك الجمهور معه في العرض، وهناك أيضاً العربة التي تحتاج إلى قاطع التذاكر والملقن بجانب الأراجوز. يعتبر الفنان شكوكو أشهر من قدم وأتقن فنّ الأراجوز. هنا مقطع من شكوكو والأراجوز:

ولكن هذا الفن أوشك على الانقراض بسبب غياب فنانيه، ولعل ما تقدمه فرقة ومضة المسرحية تحت إشراف نبيل بهجت هي آخر المحاولات لإبقاء هذا الفن حياً. ولكن هل تكفي فرقة واحدة لإحياء فن عظيم كهذا؟ 

أقوال جاهزة

شارك غردصندوق الدنيا: أول شاشة عرض وأول شكل لـ"قاعة" سينما متنقلة انتشرت في العالم العربي

شارك غردالأراجوز والبيلانولا والربابة وصندوق الدنيا، أشكال تختفي من الفن الشعبي العربي

صندوق الدنيا: أن تعيش الحكاية

إذا كان الأراجوز مسرحاً متحركاً يمر بالشوارع والحواري ليقدم وجبة فنية طريفة وهامة فإن صندوق الدنيا يُعد أول شاشة عرض بل أول شكل لـ"قاعة" سينما متنقلة، وكطبيعة الفنون الشعبية، لا يمكن أن نحدد متى ظهر أو من الذي اخترعه.

ولكن لدينا وصف دقيق لتلك الألة التى أسرت عقول الأطفال والصغار في حقبة، سبقت اختراع التلفزيون وشاشات العرض.

وصندوق الدنيا عبارة عن صندوق خشبي أجوف يبلغ طوله متر تقريباً، بينما عرضه لا يتجاوز نصف متر، الصندوق يحتوى على ثلاث أو أربع فتحات بها زجاجات بلورية مكبرة ومغطاة بستارة أو قطعة قماش، يجلس المشاهد على دكة خشبية ويدفن رأسه تحت الستارة متطلعاً في البلورة ليبدأ العرض.

صندوق الدنيا هو النموذج البدائي والشعبي للسينما، فهو يعتمد على المشاهد/ الصور، بينما يتولى الحكاء الحوار الذي غالباً ما يأتي في قالب شعري.

يقدم صندوق الدنيا حكايات شعبية عن عنترة أو أبو زيد الهلالي وغيرها من السير الشعبية، وأحياناً أخرى يحكى عن حكايات خيالية كالأميرة المسحورة والغول.

عرفت بلاد الشام ومصر ذلك الاختراع في عهد لم يكن بالبعيد، حتى أن بعد المعمرين يتذكرون نداء الحكاء الذي كان يهتف: "قرب، قرب، قرب، وتعال شوف أبو زيد الهلالي اللي سيفه بيلالي، معانا عنترة العبسي.. عدوه يصبّح ما يمسي".

قلما نجد ذكر لهذا الفن اليوم، فقد حلت محله شاشات العرض المتعددة، وأصبح التفاز، وشاشات الهواتف المحمولة، وحتى ساعات اليد، البديل لصندوق الدنيا الذي يقدم الحكايات ويكشف عن عوالم تحكمها الصورة والصوت.

في فيديو لأغنية لفرقة كلنا سوا السورية، يظهر صندوق الدنيا وحامله يجول في شوارع دمشق، وكأن الفرقة تقدم تحية لهذا الفن الذي عاش شعبياً بين الناس قبل أن يصبح المسرح وتصوير الفيديوهات ممكناً.

البيانولا: الموسيقى تجتاح الشوراع

اشتهرت المناطق الساحلية كمدن القناة والإسكندرية بالإضافة للقاهرة في بدايات القرن العشرين بظهور البيانولا. كان عازفو البيانولا غالباً من الإيطاليين أو اليونانين. 

البيانولا آلة موسيقي، هي عبارة عن صندوق مستطيل من الخشب الأسود، وفي وجهته شكل بيضاوي مزخرف، وبجانبه عصا يتم تدويرها "المنافيلا" يدوياً لتخرج الألحان التى تغمر الشوارع والطرقات.

يعمل على البيانولا عادة شخصان، أحدهما عازف والآخر راقص، وكثيراً ما يشترك المارة في الرقص. تلك الآلة الفردية اختفت بعد ثورة 23 يوليو 1953م وذلك بعد هجرة قسم كبير من الجاليات الأجنبية من مصر.

الربابة: السير الشعبية على المقاهي

المقاهي جزء لا يتجزأ من الحياة الشعبية، وهي بمثابة ساحة لقاء، وفيها ازدهر فن الحكواتي، وعازف الربابة الذي اتخذ من المقهى مسرحاً له، فيها يعزف وينشد ويحكي السير.

الربابة ألة موسيقية قديمة وصفها الفارابي بدقة في كتابه الموسيقى الكبير. وهي عبارة عن عصا طويلة يركب في عنقها وتر وحيد ومثبت أسفلها طارة الربابة وفي أعلاها الكراب الذي يشد الوتر، ثم هناك القوس المصنوع عادة من عود الرمان أو الخيرزان.

تلك الألة دائماً ما تكون مصحوبة بصوت العازف الذي ينشد السير الشعبية التي يعشقها المستمعون، وعلى رأسها تغريبة بني هلال التي جاءت في نحو مليون بيت شعري، وهي مجهولة النسب، غير أنها ظهرت في عهد الدولة الفاطمية وتحديداً في صعيد مصر، وتم رصدها في خمس كتب.

تبدأ السيرة بحكاية خضرة الشريفة وزواجها من عامر بن هلال وقصة ولدهما "أبو زيد الهلالي" الذي يقود قبيلته في رحلة طويلة تعتبر ملحمة في حد ذاتها.

أثرت تلك السيرة في العديد من الكُتاب والشعراء ومنهم نجيب محفوظ الذي استشهد بها في الكثير من روايته ومنها على سبيل المثال رواية ملحمة الحرافيش. أما الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي فقد أعاد صياغتها في شرائط مسجلة لتخليدها.

صورة المقالة من Point and Shoot Imagery، لورشة مسرح ظل في كندا بإشراف الدكتور فادي سكيكر. 

عمرو عاشور

روائي وصحافي مصري، له أربع روايات، صدر آخرها حديثاً عن دار العين تحت عنوان "قانون البقاء"، كما سيصدر له قريباً عمل بعنوان "الحلاق والشيخ" وهو مقرواية أي رواية في قالب مقال، فيه دعوة لإعادة النظر في الفقه الإسلامي. عاشور حصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة ساويرس للرواية.

التعليقات

المقال التالي