عن الحلقة المفقودة في فكّ رموز المصرية القديمة

عن الحلقة المفقودة في فكّ رموز المصرية القديمة

في 27 سبتمبر عام 1822م، وقف عالم الأثار جان فرنسوا شامبليون، وسط اجتماع حضره أعضاء أكاديمية العلوم الفرنسية بباريس، وبدأ في قراءة خطابه الشهير الذي تضمن نتائج أبحاثه المهمة فيما يتعلق بتفسير رموز اللغة المصرية القديمة.

أبحاث شامبليون فتحت الباب واسعاً، أمام علماء المصريات للتعرف على تاريخ بلاد النيل منذ ألاف السنين.

ولكن من الغريب، أنه وفي غمرة النشوة بالكشف العلمي المذهل الذي تحقق، قد تم تناسي جميع المجهودات التي قام بها العلماء عبر العصور لفك طلاسم الكتابة المصرية، فنُسب الفضل إلى شامبليون وحده دون غيره من الباحثين والمتخصصين الذين سبقوه.

الكتابة المصرية القديمة: من الهيروغليفية للقبطية

ظهرت عدد من أنظمة الكتابة المصرية التعبيرية المميزة، التي قدمت كلاً منها لمرحلة حضارية جديدة في التاريخ المصري.

بحسب ما يورده الدكتور عبد الحليم نور الدين في كتابه "اللغة المصرية القديمة"، فإن الهيروغليفية كانت واحدة من أهم وأقدم أنظمة الكتابة المصرية القديمة، ذلك أنها ظهرت مع توحيد مصر وبداية عصر الأسرات، وقد تم استخدامها في الكتابات الدينية، ومن هنا فقد سميت بالكتابة المقدسة، والتي ترجمها اليونانيون فيما بعد بلغتهم، إلى هيروغليفية، وهو مصطلح مشتق من كلمتين، وهما هيروس بمعنى كتابة، وجلوفوس بمعنى مقدس.

الخط الهيراطيقي، ظهر في مرحلة زمنية قريبة نوعا ماً من الهيروغليفية، وكان أهم ما يميزه بساطته وسهولة استخدامه، وتم استعماله في تدوين الكثير من النصوص الدينية والوثائق الأدبية، أما عن أصل تسميته فهو كلمة هيراطيقا اليونانية والتي تعني كهنوتي.

نقش قبطي، من القرن 7 أو 8 م، من مقتنيات المتحف البريطاني نقش قبطي (قرن 7ـ8 م) من مقتنيات المتحف البريطاني

أما الخط الثالث الذي عُرف في مصر القديمة، فكان هو الخط الديموطيقي، وبحسب عبد الحليم نور الدين، فإنه قد ظهر في القرن الثامن قبل الميلاد، وهو خط مبسط وسهل، استخدمه الكتبة لتدوين المعاملات اليومية والدروس وبعض النصوص الدينية البسيطة، وقد أطلق المؤرخ اليوناني على ذلك الخط اسم ديموطيقي، نسبة لكلمة ديموس والتي تعني شعبي في اللغة اليونانية، وهو الأمر الذي يؤكد على انتشار ذلك الخط في مصر وقتما زارها المؤرخ الشهير في القرن الخامس قبل الميلاد.

وبعد انتشار المسيحية في مصر في القرن الثالث الميلادي، فإن الأقباط المسيحيين قد طوروا نوعاً من الخطوط للتعبير عن اللغة المصرية، وعُرف ذلك الخط بالقبطي، وكان هذا الخط يعتمد على الأبجدية اليونانية مضافاً إليها سبعة رموز من الكتابة المصرية القديمة.

ورغم الفتح الإسلامي لمصر في القرن السابع الميلادي، إلا أن اللغة القبطية قد استطاعت الحفاظ على تواجدها لعدة قرون، حتى استطاعت اللغة العربية أن تفرض سطوتها في المجتمع المصري بعد أن تحولت أغلبية المصريين لاعتناق الإسلام، وتوارت القبطية في الكنائس والأديرة وانحسر استخدامها على المسيحيين الذين وجدوا فيها أحد أركان وركائز هويتهم الأصيلة.

جهود الباحثين المسلمين والأقباط لفك أسرار الهيروغليفية

من المؤكد أن العرب الذين استقرت منهم أعداد كبيرة في مصر خاصة بعد ضمّها للخلافة، قد اندهشوا من كثرة الآثار المصرية القديمة، ومن النقوش والكتابات التي تناثرت على جدران المعابد والأبنية الفرعونية، ولابد أن ذلك الغموض الذي أحاط بتلك النقوش قد أثار فضول بعض علماهم، مما جعلهم ينشغلون بالبحث والتنقيب لفك أسرار تلك اللغة القديمة. 

وقد ذكر القلقشندي المتوفى في القرن التاسع الهجري، في كتابه صبح الأعشا في صناعة الإنشا، أن المسلمين قد التفتوا منذ فترة مبكرة لوجود علاقة وثيقة ما بين الكتابة المصرية القديمة الموجودة على منقوشات المعابد، واللغة القبطية التي يتحدث بها القبط المصريون، ولذلك فقد سموا الكتابة الهيروغليفية بالقبطية الأولى.

أقوال جاهزة

شارك غردنظرة على كتابات العرب تدحض نظرية قطيعة العرب، مسلمين وأقباط، مع تاريخ مصر القديم ودراسته

شارك غردتنسب إعادة اكتشاف كتابات مصر القديمة لشامبليون وحده ويتم تجاهل جهود من جاؤوا قبله

شارك غردما هو سر اهتمام علماء الكيمياء المسلمين والمتصوفة بالكتابات المصرية القديمة؟

ويحاول الباحث في علم المصريات، عكاشة الدالي، في بحثه الهام المعنون "اكتشاف العلماء العرب في العصور الوسطى لمغاليق الكتابة المصرية القديمة"، أن يفسر أسباب الاهتمام بفك رموز الكتابات المصرية القديمة، بقوله:

"في العصر الإسلامي، انتشر الاهتمام بالكتابة الهيروغليفية بين العديد من العلماء وخاصة علماء الكيمياء وبين المتصوفة، لأسباب تتعلق بشيوع الاعتقاد بأن الكتابات المصرية القديمة، تحمل أسرار علوم الكيمياء وتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، هذا من ناحية أهل الكيمياء، أما المتصوفة فقد وجدوا في هذه الأشكال الهيروغليفية ما يثير نهمهم إلى استجلاء غوامضها".

ويُعتبر الكيميائي الشهير جابر بن حيان المتوفي 199هـ/ 815م، هو أول العلماء العرب المسلمين الذين قيل إنهم حاولوا تفسير الكتابات المصرية، حيث ورد عنه أنه صنف كتابين في حل شفرة رموز تلك اللغة، وهما كتابي كشف الرموز والحاصل.

المحاولة الثانية، وقعت في بدايات القرن الثالث الهجري، فعندما ثار بعض المصريين على السلطة العباسية نتيجة لإحساسهم بالظلم والتعسف في جمع الضرائب، قام الخليفة العباسي عبد الله المأمون بقيادة حملة تأديبية إلى مصر واستطاع أن يقضي تماماً على الثورة، ويذكر الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، أن المأمون بعد أن انتهى من القضاء على العصيان قد زار عدداً من المعابد والأبنية الفرعونية القديمة، وأن أيوب بن مسلمة الذي صحبه في تلك الحملة، كان يقرأ له بعض تلك النصوص ويفسرها له.

ويقال أن أيوب قد صنف كتاب يُعرف باسم أقلام المتقدمين، شرح فيه طرق تفسير الخط المصري القديم، ويؤكد الدكتور عكاشة الدالي، أنه ورغم إن هذا الكتاب يتوافر في شكل مخطوط، إلا أنه لا توجد وسيلة للاستفادة منه لأن حالته في غاية السوء ولا تتيح فرصة لدراسته.

ومن الصوفية المشهورين الذين عُرفوا بمقدرتهم على فهم الكتابات المصرية، الصوفي المصري الشهير ذو النون المصري، الذي عاش في القرن الثالث الهجري.

فقد شاع في المصادر التاريخية، قدرة ذي النون على قراءة الهيروغليفية، حتى أنه كتب مؤلفاً في ذلك العلم وسماه "حل الرموز وبرء الأرقام في كشف أصول اللغات والأرقام"، وقد ذكر جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء، أن علم ذي النون بتلك المسائل كان سبباً في محاولة البعض للإيقاع به عند الخليفة العباسي المتوكل على الله، فقد اتهموه بأنه "أحدث علماً لم تتكلم به الصحابة"، واتهموه بالكفر والزندقة، فلما التقى به الخليفة وسمع منه، عرف قدره ومنزلته ورده مكرماً إلى مصر.

أما أهم العلماء المسلمين في هذا المضمار، فهو أبو بكر أحمد بن علي المعروف بابن وحشية النبطي الذي عاش في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، حيث ألف كتابين مهمين في تفسير اللغات القديمة، وهما "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام"، و"شمس الشموس وقمر الأقمار في كشف رموز الهرامسة".

ويعتبر عكاشة الدالي، في كتابه "علم المصريات: الألفية المفقودة، مصر القديمة في كتابات العرب" Egyptology: The Missing Millennium, Ancient Egypt in Medieval Arabic Writings، الصادر عن مطبوعات جامعة لندن 2005، أنّ هناك خطّاً حضارياً لم ينقطع في تاريخ مصر، وأنّ الالفتات لاهتمام العلماء المسلمين والأقباط بالتاريخ المصري، هو الحلقة المفقودة التي من شأنها إعادة تقييم علم المصريات من منظور جديد يحرره من هيمنة السرديات الغربية، التي تعتمد على تصوير قطيعة خلال العصر الإسلامي مع تاريخ مصر القديمة.

ويشير الدالي إلى أن مخطوطة شوق المستهام، قد تم تحقيقها ونشرها على يد المستشرق النمساوي جوزيف همر في لندن عام 1806م، أي قبل 16 عام من نشر شامبليون لنتائج أبحاثه في 1822م، وأنه قد ورد بها بعض المعلومات المهمة عن عدد من حروف ورموز اللغة المصرية القديمة، والرموز الصوتية المكافئة لها أيضاً، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالية استفادة العالم الفرنسي من المعلومات الواردة في المخطوطة.

حجر رشيد وشامبليون

حجر الرشيد، من مقتنيات المتحف البريطاني حجر رشيد، من مقتنيات المتحف البريطاني

بحسب ما ورد في كتاب "أهم الاختراعات والاكتشافات في تاريخ الإنسانية"، لمؤلفه أسامة الصيادي، فإن الاهتمام الغربي بالكتابة المصرية القديمة، قد بدأ في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، على يد الأب كرشر اليسوعي، الذي درس بعض المخطوطات العربية، وكتب مؤلف عن اللغة القبطية، ورجح فيه أن القبطية إنما هي لهجة أو لغة مشتقة من الهيروغليفية.

بعد ما يقرب من قرن ونصف من تلك المحاولة، قرر القدر أن يقدم فرصة ذهبية للكشف عن أسرار المصريين القدامى، عندما تم الكشف عن حجر رشيد في 1799م.

حجر رشيد، هو عبارة عن لوحة من البازلت، التي دونت عليها نصوص بثلاثة لغات، وهي الهيروغليفية والديموطيقية، واليونانية؛ وكان موضوع النصوص الثلاثة هو الشكر الذي قدمه كهنة منف في 196 قبل الميلاد، للملك بطليموس الخامس، بعدما منحهم بعض الأوقاف والهبات وأعفاهم من الضرائب والالتزامات المالية المفروضة عليهم.

بمجرد العثور على ذلك الحجر، تم نسخه عشرات المرات، وأرسلت تلك النسخ إلى أوروبا، حيث انكب عليها الكثير من علماء الأثار واللغات.

صفحة من دفتر أكربلاد، من مقتنيات المتحف البريطاني صفحة من دفتر أكربلاد، من مقتنيات المتحف البريطاني

الخطوة الأولى في سبيل تفسير الكتابات المصرية القديمة، قدمتها صحيفة "لا كورييه ديجيبت" والتي كانت تصدرها الجمعية العلمية الفرنسية في مصر، حيث تساءل محرر الجريدة في صدر صفحتها الرئيسة "هل يعني وجود اللغة الإغريقية، إنها ترجمة للنص المصري الوارد في الحجر؟"

تلك الإشارة العابرة، سرعان ما تلقفها العديد من الباحثين، كان أولهم هو عالم الطبيعة الفرنسي سلفستر دي ساسي (1758 – 1838)، الذي عقد مقارنة بين النصين الديموطيقي واليوناني، واستطاع أن يصل لكلمات بطليموس والإسكندر والإسكندرية في النص الديموطيقي، ثم استطاع أكربلاد Johan David Åkerblad، الدبلوماسي السوديد (1763 - 1819)، أن يتعرف على نصف حروف الهجاء الديموطيقية من خلال بعض الكلمات.

بعد ذلك تعرض حجر رشيد لمحاولة تفسيرية مهمة على يد عالم الطبيعة الإنجليزي توماس يونج (1773–1829)، فبحسب ما يذكره الدكتور خالد عزب في كتابه "الأثار: شفرة الماضي"، استطاع يونج أن يصل لكون الحلقات الدائرية التي تحيط ببعض الكلمات في النص، هي علامات مميزة لأسماء الملوك، ومن ثم فإن أي حلقة دائرية كانت تشير إلى أنها تحيط باسم ملك أو ملكة، وهو الأمر الذي سهل جداً من تفسير الخط الهيروغليفي فيما بعد.

وفي أثناء عمل يونج المُضني، تراسل معه عالم الأثار الفرنسي جان فرانسوا شامبليون، وبدأ يونج في إبلاغه بجميع المعلومات التي توصل لها، وهو الأمر الذي استفاد منه الشاب الفرنسي كثيراً، وتصادف في الوقت نفسه أن شامبليون قد عثر على نسخة من نقوش كُتبت على قاعدة مسلة معبد فيلة، وبدأ في الاستعانة بها لفهم كتابات حجر رشيد.

وتوصل في النهاية لنتيجة مدهشة، وهي أنه عثر على اسم بطليموس على كلّ من منقوشات فيلة وحجر رشيد، ومن هنا استطاع أن يتوصل للأبجدية الهيروغليفية كلها، وحدد أسماء الأعلام المذكورة في النص، مثل كليوباترا ورمسيس والإله بتاح، وكان ذلك أول الطريق لإماطة اللثام عن وجه الكتابات والمنقوشات التي استعصت على علماء العصور السابقة.

ولكن هل يمكن تناسي جميع المجهودات السابقة على شامبليون، واعتباره وحده مسؤولاً عن هذا الاكتشاف العظيم؟ هذا هو التساؤل الذي يبقى حاضراً.

صورة المقالة: كتاب الموتى من عصر الأسرة الـ21 (بين عامي 1070-664 قبل الميلاد)، من مقتنيات المتحف البريطاني.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي