روائيون وشعراء عرب يتحدثون عن طقوسهم في الكتابة

روائيون وشعراء عرب يتحدثون عن طقوسهم  في الكتابة

قلم وورقة، لابتوب، فنجان قهوة، كأس نبيذ، موسيقا وبعض الصمت، عناصر قد يتخيلها القارئ عندما يطالع عملاً أدبياً ساقه إلى التكفير في عوالم الكتابة، وقد يغيب عنّا أنّ إبداعات نالت جوائزَ عربية قد ابتكرت في المطبخ، وأنّ هناك مبدعين لا يعنيهم سوى فعل الكتابة حتى لو غافلهم الإلهام في الطريق أو على دراجةٍ هوائية.

زار رصيف22 كواليس الكتابة لدى بعض المبدعين من العالم العربي وقَدِم بالشهادات التالية عن طقوسها.

بسمة عبد العزيز: كائن يمشي بالورقة والقلم

"أنا كائن يمشي بالورقة والقلم –واللابتوب طبعاً- والهدوء هو كل ما أحتاجه"، تقول الكاتبة المصرية بسمة عبد العزيز مؤكدة ألّا طقوسَ معينة ترافقها خلال الكتابة فهي تكتب في البيت أو النادي أو المكتب "أي مكان هادئ قد يحفزني للكتابة حتى ولو كان رصيفاً في طريق".

10507090_10154249021630262_8847021770965529548_o

بينما حالةُ الزخم هي التي تحدد وقتها في الكتابة بحسب قولها، فقد تجلس لساعتين أو قد تستغرق من اليوم 12 ساعة كما في كتابة روايتها (الطابور) تخللها وجبة طعام سريعة. معللةً بأن ظروف كتابة الرواية وحالة الاندماج هي التي أدت لذلك، فهي تمسك خيط الرواية وتمشي معه مستمتعة بذلك درجةَ أنها تُفاجَأ مع الشخوص بانعطاف الأحداث.
لدولي-للكتاب

تتابع صاحبة (إغراء السلطة المطلقة) "السيرة الإبداعية شكلٌ روائيٌ موجود لكنني لا أرى فيه ضرورة، فكوني قارئة مايهمني هو المنجزُ الإبداعي الذي أُفضلُ أن أستقبله وفق خبرتي وتجربتي وعوالمي، بعيداً عن كواليس الكتّاب. في حين أن انكشاف الخبيء في عالم الكاتب يجعلني أراه بصورة أخرى قد لا تدفعني لاستقبال إبداعه كما يجب".

إبراهيم عبد المجيد: أسرار الكاتب منجم للقراء

يقفُ الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد على ضفة أخرى، معتبراً أن "انكشاف عوالم الكاتب الخفية يفجرُ الكثير من الدهشة لدى القارئ، كما يعيد هيكلة عالمٍ ولّى وانقضى، هذا العالم الذي أحاط الكاتب زماناً ومكاناً وبشراً والذي قد لايصل إليه النقد الأدبي".

Untitled

عن عوالمه يقول لرصيف22 "أكتب ليلاً برفقة الموسيقا وضوء شديد البياض، طقوسٌ تصنع عالماً واسعاً أنسى فيه البشر لأعيشَ مع شخوصي الذين يصبحون عالمي الحقيقي. مؤخراً باتت مراجعاتي نهاراً لأنه يعطيني متسعاً من الوقت".

ليقينه أن أسرار الكاتب هي منجم للقراء فقد كشف عبد المجيد عوالمه الخبيئة في كتابه "ماوراء الكتابة. تجربتي مع الإبداع" نال عنه جائزة الشيخ زايد عن الآداب 2016.

ويعتبر صاحب (البلدة الأخرى) أن هذا النوع من الكتابة بات حاضراً في عالم الإبداع العربي، مستحضراً كتاب (ضغط الكتابة وسُكرها) لأمير تاج السر، الكاتب السوداني الذي قدم لنا أيضاً في هذا المجال (طقس: عندما تخرج الشخصيات من صفحات الرواية). يضيف عبد المجيد ألاقانونَ في شكل الكتابة، تحديدا السيرة الإبداعية، فهي حرية شخصية تفرضها ظروف الكاتب.

خليل صويلح: أنجزتُ معظم رواياتي في المطبخ

من موقعه كقارئ لكتاباتِ الآخرين، يميل الروائي السوري خليل صويلح إلى معرفة تلك العوالم الخفيّة، وكيفية بناء النص وتطوّر تقنياته. يضيف لرصيف22 "لكن هذه الكواليس ستبقى مجرد قماشة أولى، ستخضع لتحوّلات جذرية ربما، لن تبقي شيئاً من أدوات الجريمة، نظراً للمحو المستمر، والحذف والإضافة، وكذلك الإطاحة بالبذرة الأولى التي ربما ستنبت في أرضٍ أخرى كمحصلة للحراثة المستمرة في حقل النص، وصولاً إلى النسخة النهائية".

Untitled

عن أجوائه يقول "لطالما ذكرت بأنني أَشبَه ما أكون بعمّال التراحيل لجهة العمل الشاق، فقد أنجزتُ معظم رواياتي في المطبخ، لعدم توفّر "غرفة تخصّ المرء وحده" وفقاً لعنوان كتاب فرجينيا وولف".

يضيف صاحب (جنة البرابرة) "أكتب في الوقت المستقطع، فأن تعمل في الصحافة والكتابة الأدبية في آنٍ واحد، يصعب أن تعيش حياة مثالية للكتابة، ففيما أكون غارقاً في اقتفاء أثر شخصية روائية ما، أجد نفسي مرغماً على التوقّف لكتابة مقال صحافي، ثم العودة ثانية للقبض على مصائر شخصياتي".

لا موسيقا أو طقوس خاصة ترافق صويلح خلال الكتابة، عن روايته الأولى (وراق الحبّ) التي استأهلتْ جائزةَ نجيب محفوظ عام 2009 يقول "أتذكّر أنني كتبت أفضل مقاطعها غير عابئ بصوت سيارة القمامة التي تأتي الشارع في ليلٍ متأخر. شاي وقهوة واكتئاب طويل خلال الكتابة، وكذلك بعد الانتهاء منها، فجأة تجد نفسكَ وحيداً، بعد أن غادرتك شخصيات روايتك التي كانت تحوم حولك كأشباح طيلة أشهر".

يتابع "أكتبُ بضغط الفكرة التي تلحّ عليّ فجأة، أقرأ كثيراً كل ما يخص الثيمة التي أفكر بالاشتغال عليها، ليس لدي حكاية واضحة، وإنما حالة بحث لترميم الثغرات. روايتي الأخيرة (اختبار الندم) داهمتني ليلاً. كانت عبارة عن سطر واحد فقط، وفي الصباح باشرت في كتابتها بأمل ضئيل يتعلّق باستكمالها، وفكرت أكثر من مرّة بهجرانها، إلى أن توضحت خرائط العمل طوال تسعة أشهر، ثم مراجعات يومية في الشطب والإضافة".

لدى خليل صويلح شغف خاص بالكتب التي تتعلق بسيرة الكتابة باعتبارها نصوصاً موازية لكتب المؤلف "لنقل إنها الجدران الاستنادية للعمارة الروائية، حتى أنني أنجزتُ كتاباً عن سيرتي كقارئ، سيصدر قريباً بعنوان "ضد المكتبة". 

أقوال جاهزة

شارك غرد"الكتابةَ شأن شخصيّ، كطريقة النوم والنظافة والتأمل وممارسة الجنس وإعداد الأكل والتواصُل الاجتماعيّ"

شارك غردبعد الرواية "فجأة تجد نفسكَ وحيداً، بعد أن غادرتك شخصيات روايتك التي كانت تحوم حولك كأشباح طيلة أشهر"

رشا عمران: التحرر من أسر طقوس الكتابة

كونها نشأت في بيت أدبي اطلعت الشاعرة السورية رشا عمران على أدق الأسرار عن حياة الكتاب والمبدعين من أصدقاء والدها الشاعر محمد عمران حسب قولها، تضيف لرصيف22 "رأيتهم في معظم حالاتهم وعلى كل الأصعدة، لهذا ربما لم أهتم كثيراً بالبحث عن المخفي لمن قرأت لهم قبل أن أبدأ الكتابة، أو الذين أقرأ لهم الآن".

"ما يهمني هو النص الذي بين يدي، وما ينقله لي هي العوالم التي تعنيني، عالم النص ورائحته ومزاجه وارتباط كل ذلك بحالتي النفسية أثناء القراءة، وارتباطه بذائقتي الفنية الشخصية، وإحساسي بالانحياز نحو ما أقرأ، ربما كنت أتمثل لحظة القراءة بنظرية رولان بارت حول موت المؤلف".

رشا
تتابع صاحبة (التي سكنت البيت قبلي) "كقارئة وكاتبة في الوقت نفسه عليَّ فعلاً تطبيق نظرية موت المؤلف، وإلا سأكون منحازةً برأيي الفني والأدبي لأصدقائي فقط، أيضاً سأفهم أي عمل أدبي لصديق لي بناء على معرفتي الشخصية بالكاتب وعالمه اليومي وحياته الشخصية والعامة، وهذا حتماً سوف يترك أثراً على طريقتي في تلقي العمل الأدبي.

قبل 2011 كان لرشا عمران طقوس صارمة في الكتابة "أكتبُ وحيدة في الليل، ثمة كتب مبعثرة أمامي، أسمع موسيقا، ولدي ما يكفي من السجائر. بعد 2011 تخلصتُ من كل ذلك، بتُّ أكتب في كل الأوقات وأينما كنت، لم أعد أحتاج للهدوء، لاترافقني الموسيقا خلال الكتابة ولا كتب الآخرين، لم أعد أدخن مطلقاً، وكان هذا تحدياً كبيراً. اكتشفتُ أن العلاقة بين لفافة التبغ والكتابة هي علاقة وهم".

تضيف "أظن أنني كنت أسيرة الحالة النمطية للكتابة ولطقوس الكاتب، تحررت من هذا الأسر حتماً، تَرافقَ هذا التحرر مع وجود لغةٍ شعرية وأسلوب خاصٍّ بي وحدي، ومتخلص كلياً ربما، من تأثير لغة الآخرين الذين قرأت لهم وأحببتهم، هل الأمر متعلق بتخلصي من طقوس الكتابة المعروفة ؟ لا أعرف فعلاً..

شاكر لُعيبي: الكتابة شأنٌ شخصي كالنوم والتأمل وممارسة الجنس

يعتبرُ الشاعر العراقي شاكر لعيبي أن الكتابةَ شأن شخصيّ، كطريقة النوم والنظافة والتأمل (كالصلاة) وممارسة الجنس وإعداد الأكل والتواصُل الاجتماعيّ "لكل فرد لمسته الفريدة في ذلك، الأمر لا يتعلق بعزلة ولا بإلباس الكتابة قناعاً ميتافيزيقياً متعالياً سحرياً".

يتابع لرصيف22 "نوع الكتابة يُحدّد سياقاً ما، خفياً أو علنياً، لطريقة إنجازها. فأنا أتخيّل أن كتابة الشعر تستلزم شيئاً مغايراً عن كتابة البيان السياسيّ، النوع الإبداعي يحدد حميميةَ سياق الكتابة".

عن كواليسه يقول صاحب (أصابع الحجر) "أثناء المرض وحده، تخرج الكتابة لو حاولناها، باردةً باهتةً، لأن شطراً من الطاقة الممنوحة لها مُبتلَع من قبل الوهن الجسديّ. ما عدا ذلك، فإن شرارة الكتابة تنبثقُ من حاجة ملحَّة، آنية تفرض نفسها فرضاً، مهما كان الزمان والمكان والأصوات.

"أتذكر مرّة في مدينة جنيف التي عشت بها وقتاً طويلاً، وكنت معتاداً على التنقل في جميع شؤوني بدراجتي الهوائي، هجمتْ عليّ القصيدة أثناء اختراقي لهواء الجسر الذي كنت انطلق عليه، بعد عبوره مباشرة توقفتُ في مقهى لأكتب جزءاً من قصيدة بعنوان (عربيّ على دراجة هوائية)".

يضيف "إنها قضية شخصية، فيمكن لآخر غيري أن ينتظر حتى يصل إلى بيته لكتابة النص. أتممتُ النص لاحقاً متتبعاً دفقَهُ الأول في حانة مع كأس من البيرة التي هي درجة خافتة من درجات الشراب المفيد للكتابة، حسب تجربتي. في الشعر يتوجب "خلخلة الحواس" كما كان رامبو يقول، وهي خلخلة صالحة لاقتناص الجوهريّ، خلافاً كما أظن لكتابة الرواية التي تحتاج بنية متراكبة صاحية إذا لم نقل عقلانية".

يعتقدُ لُعيبي أيضاً أن الانقطاع المؤقت عن العالم الخارجيّ ضرورة لتبئير الكتابة حول ثيمتها والصورة حول موضوعها والشعر في عالمه. "هل هذا الغياب المزعوم طقسٌ؟ إذا كان طقساً فتعاطيه شخصيّ، من جديد. إنه كغياب القُبْلة: يُفْعَمُ المَعْنِيّ بالقُبلة غائباً غياباً يشابه التركيز الكامل والحضور التام حتى لو أغمض عينيه أثناء ذلك". 

مازن معروف: لا يريحني أن يُقيمَ أحدهم في كهفي السري

"أنا كقارئ، تنتابني رغبةٌ قوية أحياناً في النفاذ إلى الكهوف السرية لبعض الكتّاب، للإحاطة بالآلية والخلفيات النفسية التي تجعلهم يحولون فكرةً خام إلى مادة كتابية، ومن ثم ربطها بخلفيتهم الاجتماعية" يقول الشاعر والمترجم الفلسطيني مازن معروف، مضيفاً لرصيف22 "كقارئ، أسمح لنفسي بأن أتخذَ شخصية المتلصص متحلياً بالقليل من الأخلاق فقط. إنه أيضاً اعتراف بالهوية الحيوانية البدائية فيّ، والتآلف معها بوصفها مكوّناً إنسانياً كذلك".

يتابع "أما ككاتب، فإن هذه الهوية الحيوانية تعدل آليتها تلقائياً، لتصبح دفاعية. إذ أشعر بأن عليّ حماية عوالمي السرية من أي قارئ متلصص محتمل، ولا يريحني على الإطلاق بأن يقيم أحدهم في كهفي السري. تصبح مهمتي عندها حماية عوالمي السرية من ذلك القارئ الفضولي الذي ربما يشبهني كثيراً، لذلك إذا ما طردني كاتب من كهفه السري، فسوف أتفهم ذلك جيداً".

مازن

يعتبر صاحب (نكات للمسلحين) -الحائزة على جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في الكويت العام الجاري- أن طقوس الكتابة تتعلق بالمركّب النفسي لكل كاتب، وظروف نشأته. وبالتالي فإنها تكشف إلى حدٍّ ما عن مزاجه، وقدرة تحملّه إذا ما وضع في غرفة تعذيب مثلاً "الخلفية الثقافية والذائقة والعلاقة مع المكان بميزاته الفيزيائية، كالصوت والإضاءة والرائحة ولون الجدران وربما أيضاً الناس المتواجدين فيه، كل تلك سمات تلعب الخلفية الاجتماعية للكاتب دوراً هاماً في تحديدها".

عن أجوائه يقول "لا يمكنني تحمّل الصمت لفترة طويلة مثلاً، لذلك عليّ أن أكون محاطاً دوماً بأصوات لأناس غرباء لم ألتقِ بهم قبلاً. هذا التجسيد الفيزيائي للغرباء، ثم الاستدلال على هويتهم كغرباء، بالإشارات الصوتية، يجعل من عزلتي أكثر إقناعاً وأكثر خصوصية. أما الموسيقى، فلم تقبلها كتابتي كمرافق لها يوماً.

وبالنسبة إلى المكان، فإن أقلّ ابتذال في تصميمه يمكن أن يثير نفوري ويطرد رغبتي بالكتابة. كذلك الأمر بالنسبة للرائحة واللون والأرضية والكرسي. الكتابة عملية دقيقة في النهاية. ما أريد قوله هو أنني لا أكتب بسهولة على الإطلاق".

صورة المقالة: أبولو وإلهات الإلهام، للفنان كلاود لوران، 1674 من مقتنيات متحف غيتي.

التعليقات

المقال التالي