جمال الشرق بعيون الغرب: هل يجب إهماله أو اعتباره شراً مطلقاً؟

جمال الشرق بعيون الغرب: هل يجب إهماله أو اعتباره شراً مطلقاً؟

 

ما إن يُذكر موضوع الاستشراق حتى تستدعي الذاكرة اسم إدوارد سعيد ومشروعه المتميز المتعلق بنقد ظاهرة الاستشراق وتفنيد أسسها وتبعاتها.

لقيت مساهمة سعيد صدىً عالمياً، وأحدث كتابه "الاستشراق" (1978) ثورة على قرون من الأدب والفن والسياسات الاستشراقية التي رسخت صورة ذهنية عن التفاوت الحضاري والتناقض حد الصدام بين "غرب" متحضر و"شرق" زاخر بكل أسباب التخلف.

لكن قوة تأثير الثورة النقدية في العقود الأربعة الأخيرة غيبت الأصل الذي سعى سعيد وغيره لنقده.

فقد احتاج نجاح المشروع الذي قاده سعيد إلى مراجعة إرث ضخم من كتابات الرحالة والمستشرقين والنفاذ إلى ما تخفيه الأعمال الفنية الاستشراقية في شتى ضروب الأدب والفن والموسيقى ولاحقاً الأفلام السينمائية.

لكن يبقى السؤال: هل كل ما أنتجه العقل الاستشراقي يجب إهماله أو اعتباره شراً مطلقاً؟ وإن توقفنا للحظة عن النظر لتلك الأعمال بعين الباحث الاجتماعي أو المحلل السياسي فهل نجد جانباً جمالياً في تلك الأعمال الاستشراقية؟

INSIDE_Orientalism1 لوحة استشراقية تصور مسجد عمرو بن العاص للرسام الفرنسي جون ليون جيروم، رسمها بعد زيارته لمصر عام 1868

مرتكزات فلسفة الجماليات...

للإجابة عن هذه التساؤلات، يجب بدايةً البت في إمكانية (أو عدم إمكانية) الفصل بين البعد الجمالي وبين المحتوى السياسي والثقافي التنميطي الذي تتضمنه تلك الأعمال. في هذا المجال، يرى رائد الجماليات (أوسكار وايلد) أن بالإمكان تقدير الجمال لذاته فقط، دون الخوض في المدلولات الأخرى.

هذه الفرضية هي أهم مرتكزات فلسفة الجماليات (Aestheticism).

لكن لا بد هنا من أن نشير إلى أن تلك الدعوة لتجريد الجمال والمتعة ليست محل إجماع، فبعض الفلاسفة والنقاد يرون أن غاية الفنون والآداب هي النهوض بالمجتمع، وأن لا انفصال بين القيمة الجمالية وبين الرسالة أو الفائدة المتحققة.

هذا الموقف الأخير يحيلنا إلى قضية أوسع تتعلق بالواقع العربي الراهن.

تصطبغ جوانب الفكر والثقافة العربية السائدة بصبغة دينية سياسية بصورة واضحة. فأي نقاش مؤداه إلى أحد الحقلين أو كليهما. لكن مع تأخر ظهور إصلاح ديني ومع تعثر محاولات التغيير والنهوض السياسي تبرز الحاجة لفصل المسارات. ما من شك في تغلغل الدين والسياسة في ثنايا الفكر والحياة اليومية للمواطن العربي،

لكن هل حقاً لا توجد مساحات للمناورة والالتفاف على استعصاء التغيير في السياسة والدين؟ 

أقوال جاهزة

شارك غرديجب البت في إمكانية (أو عدم) الفصل بين البعد الجمالي وبين المحتوى التنميطي الذي تتضمنه أعمال الاستشراق

شارك غرد هل كل ما أنتجه العقل الاستشراقي يجب إهماله أو اعتباره شراً مطلقاً؟

شارك غردهل حقاً لا توجد مساحات للمناورة والالتفاف على استعصاء التغيير في السياسة والدين؟

INSIDE_Orientalism2 لوحة لمحافظة الفيوم للرسام الفرنسي جون ليون جيروم

ابتلاع الدين والسياسة جوانب حياتنا وتفكيرنا المختلفة...

في الواقع لا نملك الكثير من الخيارات في ظل غياب التنظيم وابتلاع الدين والسياسة لباقي جوانب حياتنا وتفكيرنا بصورة متزايدة. وقد يكون من الأجدى التملّص من قيود الدين والسياسة وخلق جزر أو مساحات فيها هامش من الحرية للبحث الموضوعي أو على الأقل لتكون متنفساً للمتعبين من تعقيدات السياسة وسطوة الدين.

في هذا الإطار، قد يكون من المفيد تذوّق جمالية المُنتَج الاستشراقي لا لشيء، سوى للمتعة وتقدير الجمال.

INSIDE_Orientalism3 نساء الجزائر في غرفهن للرسام الفرنسي اوجين ديلاكروا

مثل هذه المحاولة لفض الاشتباك الحاصل بين أبعاد ومضامين العمل الأدبي أو الفني، لا تستهدف التعمية على النتائج الكارثية التي حملتها الظاهرة الاستشراقية، ولا يمكنها ذلك.

فقد بات معلوماً التأثير السلبي لتلك الأعمال الأصلية خاصة دورها في تأمين غطاء للأطماع الاستعمارية وشرعنة النزعة التوسعية الأوربية تحت حجج من قبيل نقل الحضارة للشعوب المتخلفة وغيرها من الادعاءات العنصرية.

لكن لم تكن أعمال الرحالة الغربيين شراً مطلقاً، بل لا بد من الإقرار بأن الفنون والآداب الاستشراقية لم تصور الشرق فقط على أنه حيز جغرافي تقطنه شعوب متخلفة، بل رسمته عالماً مليئاً بالسحر والجمال أيضاً. هذا الجانب الجمالي غيبه لاحقاً زخم الثورة على الاستشراق واتساع نطاق النقد الأدبي ودراسات ما بعد الاستعمار.

فبات الجميع يرون تلك الأعمال بعين الناقد السياسي أو الاجتماعي من دون الالتفات إلى جمالية المحتوى.

INSIDE_Orientalism5 وجبة مُنتصف النهار، القاهرة، للرسام الانغليزي جون فردريك لويس
إن نظرنا لتجربة أحد أبرز مستشرقي العصر الفيكتوري ريتشارد برتون (1821-1890)، على سبيل المثال، فسنرى كيف تتعدد الجوانب الإيجابية والسلبية  للمساهمة نفسها.
زار برتون الشرق ووثق زيارته لمكة متخفياً بين الحجاج عام 1853، وذهب في مغامرة لاستكشاف منابع النيل. أتقن العربية و28 لغة أخرى وعمل ككاتب ومترجم ومخبر وعسكري، ولاحقاً كقنصل في دمشق.
نعم تخلل كتاباته الكثير من الفوقية والعنصرية تجاه الشعوب التي زارها، فأبدى تماهياً مع المنطق الفيكتوري السائد حينها، والذي آمن بأن انتقال الأمم المتخلفة إلى عالم الحضارة يحتاج بالضرورة لقيادة رجال غربيين بيض. دفعه ذلك إلى تسخير جهده ومساهماته لخدمة المشروع الأمبراطوري البريطاني. لم يكن برتون استثناءً في عنصريته، بل كانت مساهمته مشهداً صغيراً من عالم القرن التاسع عشر الذي طغى فيه الخطاب العنصري والفكر الاستعماري التوسعي.
لكن يبقى للتجارب الفردية نكهتها وأسلوبها وإضافاتها الخاصة. فبرتون أيضاً كان مولعاً بالشعر وقصص الحب والروايات الشعبية فترجم حكايات ألف ليلة وليلة، وأبدى اهتماماً خاصاً بالجنس، فترجم "الروض العاطر في نزهة الخاطر" للشيخ النفزاوي كما ترجم "كاما سوترا" من الأدب السنسكريتي، وغيرهما الكثير.
إذا اتبعنا أسلوب ادوارد سعيد في النقد الأدبي ومنهج ميشيل فوكو التفكيكي فسيبدو من الصعب التسليم المطلق بصحة نظرية الاستشراق ذاتها. فهل حقيقة كل من درس المشرق أو صوّره يحمل بالضرورة رؤية استعلائية أو يسعى لإيصال رسالة سياسية؟ في الواقع، القاسم المشترك بين الأعمال الاستشراقية هو موضوع العمل وليس المنهج المتبع. كانت مساهمة سعيد ضرورية لزعزعة أركان الكثير من التنميطات والصور الذهنية التي رسختها المراحل التاريخية السابقة، لكن ذلك يجب أن لا يعني تحويل الاستشراق لمجرد تهمة تُلقى على كل من صور المشرق أو تناوله بالدراسة.
داخل تلك المنظومة الاستشراقية المفترضة، هنالك تنوع كبير في المناهج المستخدمة وفي القيمة الفنية والثقافية، فضلاً عن أن المستشرقين تعرضوا بعضهم لبعض بالنقد والمراجعة.
فنجد الفنان والكاتب الموضوعي كما نجد المخبر والباحث المدفوع بأجندات سياسية أيضاً.
وبالتالي من الأفضل عدم التعامل مع "نقد الاستشراق" على أنه نظرية منجزة لا تقبل النقد وإنما على أنه نقلة مهمة نحو كشف تواطؤ المشروع السياسي الاستعماري مع فئة من المستشرقين، إضافة إلى التوظيف السياسي للفن والأدب في الكثير من المحطات التاريخية الممتدة لتشمل وقتنا الحالي.
لكن هنالك بالضرورة مساحة للجمال في زحمة المشاريع السياسية وانتقاداتها. تلك المحاولات لتعرية الفن والأدب من التوظيفات السياسية قد تمنع رحى حرب الهويات من طحن الذائقة الفنية والجمالية، آخر ما نملك في زمن الانكسارات.

 

عزام القصير

باحث في شؤون الحركات الإسلامية وقضايا التحديث السياسي في العالم العربي، حائز على ماجستير في سياسات الشرق الأوسط من جامعة إكستر، بريطانيا.

التعليقات

المقال التالي