القبور المفقودة وألغازها في تاريخ المسلمين

القبور المفقودة وألغازها في تاريخ المسلمين

لطالما مثل الموت بكل ما يحمله من مهابة وقداسة، لغزاً صعباً وإشكالاً محيراً أمام الإنسان، ولذلك حرص البشر منذ فجر التاريخ الإنساني، على الاهتمام بدفن موتاهم في قبور لائقة، فميزوها وعرفوها ووضعوا عليها الشواهد والدلائل والعلامات للإشارة لمن دفن داخلها.

في هذا المقال، سنعرض لعدد من حالات القبور المفقودة في التاريخ الإسلامي، لنرى كيف أثار هذا التساؤل والشكوك في بعض الأحيان وساعد في إثراء المخيلة التاريخية في أحيان أخرى.

فاطمة الزهراء: القبر المفقود وسردية المظلومية

تُجمع كتب الحديث والتاريخ السنية والشيعية على أنه بعد وفاة الرسول الكريم، قامت ابنته فاطمة الزهراء بطلب ميراثها في فدك وخيبر من أبي بكر بعد استخلافه، وأنّ الخليفة قد رفض ذلك، وبرر موقفه بما سمعه من الرسول من كون الأنبياء لا يورثون، وأن ما يتركونه بعد وفاتهم يكون صدقة.

وكما تذكر العديد من المصادر الشيعية، فإنه قد استمر ذلك الخلاف قائماً حتى توفيت فاطمة بعد ستة أشهر من وفاة أبيها، فقام زوجها علي بن أبي طالب بدفنها ليلاً وصلى عليها سراً، حتى لا يحضر دفنها أبو بكر.

وكانت الأجواء السرية التي دُفنت فيها الزهراء، سبباً في وقوع الخلاف حول الموضع الذي دفنت فيه، حيث يذكر محمد بن علي بابويه القُمي المعروف بالشيخ الصدوق، في كتابه من لا يحضره الفقيه، أنه قد "اختلفت الروايات في موضع قبر فاطمة سيدة نساء العالمين عليها السلام، فمنهم من روى أنها دفنت في البقيع، ومنهم من روى أنها دفنت بين القبر والمنبر... ومنهم من روى أنها دفنت في بيتها، فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد وهذا هو الصحيح عندي".

INSIDE_IslamicGraves_Bikai

والواقع أنّ الجهل بمكان دفن الزهراء، والغموض الذي أحاط بعملية الدفن، قد غذت السرديات الشيعية بمادة ثرية لاستحضار مظلوميتها وقصة حقها المغصوب على مدار التاريخ الإسلامي.

الحسين بن علي: بين الشام والعراق ومصر

يتفق الكثير من المؤرخين من أمثال الطبري والمسعودي وأبو الفرج الأصبهاني على أن جسد الحسين قد تم دفنه في كربلاء، في ساحة المعركة التي شهدت مقتله، حيث يذكر الداوداري على سبيل المثال في كتابه كنز الدرر وجامع الغرر "ووجد في الحسين صلوات الله عليه ثلاثة وثلاثين جرحاً، ودفنه أهل الغاضرية من بني أسد، ودفنوا جميع أصحابه بعد قتلهم بيوم واحد بكربلاء".

INSIDE_IslamicGraves_Husayn1 مرقد الحسين في كربلاء قديماً.

أما رأس الحسين فقد حمله الأمويون معهم إلى الكوفة، فبعث به الوالي إلى الخليفة يزيد بن معاوية في الشام.

وهناك اختلاف عظيم وتضارب كبير في الأقوال والروايات حول مصير الرأس بعد وصولها لدمشق، ويذكر ابن كثير الأراء المختلفة حول مصير رأس الحسين في كتابه البداية والنهاية، فيقول إن الرأي الأول، أن يزيد بعث برأس الحسين إلى المدينة حيث تم دفنها في البقيع، أما الرأي الثاني أنه قد تم الاحتفاظ بالرأس في أحد الخزائن الأموية، حتى توفي يزيد، فأخذت الرأس ودفنت في دمشق.

أما الرأي الثالث، فهو رأي للمؤرخ المصري تقي الدين المقريزي، الذي ذكر في كتابه الخطط المقريزية، أن رأس الحسين قد دفنت في مدينة دمشق ثم تم استخراجها وأعيد دفنها في مدينة عسقلان، وبقيت بها حتى بدأت الحروب الصليبية على بلاد الشام، فخاف الفاطميون من استيلاء الصليبيين عليها، فنقلوها إلى مصر ودفنوها بالموضع الذي يوجد بجواره الأن مسجد الحسين المعروف بالقاهرة.

INSIDE_IslamicGraves_Husayn مسجد الإمام الحسين بالقاهرة حيث يظن البعض أن رأس الحسين هناك

عبد الله بن الزبير: هل دُفن في مكة أم المدينة؟

في عام 73هـ/ 692م، حاصر الأمويون بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي مكة، فنصبوا المنجنيق فوق جبل أبي قبيص، وضربوا الحرم بالحجارة والنيران بغية القضاء على عبد الله بن الزبير. ابن الزبير في ذك الوقت، كان خليفة شرعياً بايعه معظم المسلمين في عام 64هـ/ 683م، وكان العقبة الوحيدة الباقية في سبيل استعادة الأمويين للسلطة الكاملة.

وبعد طول قتال ومقاومة، قُتل ابن الزبير، فأمر الحجاج بقطع رأسه وأرسل بها إلى عبد الملك بن مروان في دمشق، أما جسده فتم صلبه في منطقة الحجون التي تقع بالقرب من الحرم المكي.

وتختلف الأقوال فيما يخص مكان دفن جسد ابن الزبير، فبحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء"، فإن الجثة قد بقت على حالها فوق الصليب حتى مر بها عبد الله بن عمر بعد فترة فتألم لحال ابن الزبير، وبعث يطلب من الحجاج أن يتم دفنها، فأمر الحجاج بإنزال الجثة ودفنها في نفس مكان الصليب.

أما الرواية الثانية، فيذكرها ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق"، حيث يقول إن عبد الملك بن مروان قد أرسل يأمر الحجاج بأن يرفق بأسماء بنت أبي بكر وأن يُنزل جثة ابنها من فوق الصليب، فلما أُنزلت الجثة قامت أسماء بتغسيلها وحنطتها وكفنتها، ثم أخذتها معها وسافرت إلى المدينة المنورة، وقامت بدفن الجثة في حجرة زوجة النبي صفية بنت حيي بن أخطب، فلما أُدخلت حجرة صفية في المسجد بعد ذلك أصبح عبد الله بن الزبير مدفوناً بجوار النبي وأبي بكر وعمر. 

أقوال جاهزة

شارك غردكيف شكلت القبور المفقودة وألغازها مادة لإثراء المخيلة التاريخية الإسلامية

شارك غردعمدت السلطات على إخفاء مكان دفن عدد من الشخصيات تخوفاً من أن تصبح قبورهم مقصداً لأتباعهم

سليمان القانوني: المكان السري لدفن القلب والأحشاء

يُعد السلطان العثماني العاشر سليمان بن سليم الأول، والمعروف باسم سليمان القانوني أشهر سلاطين بني عثمان وأكثرهم قوة ونفوذاً في زمنه، حيث دانت له بالطاعة مساحات واسعة من أراضي أفريقيا وأسيا وأوروبا، للدرجة التي وصف بها بكونه سلطان القارات الثلاث.

ورغم كل تلك الشهرة والمكانة التي حظي بها القانوني، فإن نوعاً من التضارب والغموض قد أحاط بمكان دفنه، وذلك رغم مرور أكثر من 450 عام على وفاته.

من المعروف أن سليمان القانوني، كان قد قاد أخر حملة عسكرية له في أوروبا، في عام 1566م، وكان عمره وقتها قد ناهز الحادية والسبعين عاماً. هذه الحملة استهدفت قلعة سيكتوار، التي تقع على بعد 190 كيلومتر جنوب العاصمة المجرية بودابست، فيما يشكل اليوم المنطقة الحدودية بين المجر وكرواتيا.

وبحسب ما تؤكده المصادر التاريخية، فإن سليمان القانوني قد توفي في السابع من شهر سبتمبر، أثناء حصاره القلعة، وكان قبل وفاته قد أوصى بأن يتم دفنه في إسطنبول بجوار جثامين أبائه وأجداده من سلاطين بني عثمان.

ونظراً لطول المسافة بين قلعة سيكتوار وإسطنبول، فقد قام الأطباء الموجودين في الجيش العثماني بشق بطن السلطان المتوفي، حيث أخرجوا منه الأعضاء الداخلية والأحشاء التي ستتعفن حال بقائها في الجسد، وقاموا بتحنيط الجثمان ونقلوه معهم بعد انتهاء الحملة.

INSIDE_IslamicGraves_Suleiman نعش سليمان في ضريحه الملحق بمسجد سليمان القانوني

أما بالنسبة للأعضاء الداخلية والقلب فقد تم دفنها بالقرب من قلعة سيكتوار، وحظي الدفن بمظاهر الاحترام والتبجيل، حيث تم بناء قبر في منطقة الدفن.

في عهد سليم الثاني ابن سليمان، جرى الاهتمام بقبر القانوني، حيث تم إقامة مسجد وزاوية بجوار القبر وظلت تلك المنطقة كمزار مهم للعثمانيين لمدة 150 سنة، حتى ضعفت الدولة العثمانية واستطاعت المجر أن تحظى باستقلالها، فتم هدم المزار وبُنيت على أنقاضه كنيسة كاثوليكية.

ولكن مع ذلك، فقد ظل مكان القبر مجهولاً في العصر الحديث، مما دفع بعدد من البعثات العلمية الاستكشافية للتنقيب في المنطقة المحيطة بالقلعة بغية الوصول لمكان الدفن. وفي سبتمبر من عام 2016م، أعلنت إحدى البعثات التركية المجرية المشتركة، العثور على مكان يشتبه في كونه قبر سليمان القانوني، فيما وصفه نائب رئيس الوزراء التركي حينذاك، بالمكتسب المهم لتاريخ تركيا وتاريخ المجر. 

في العصر الحديث أيضاً: النورسي وقطب

ربما ظن البعض أن مسألة القبور المفقودة، هي أحد سمات العصور الغابرة، وأن الأزمنة الحديثة والمعاصرة لم تشهد أي تجليات لتلك الظاهرة التراثية المتشحة بلباس الغموض والتكتم؛ ولكن في الحقيقة أن تلك الأزمنة قد شهدت بعض النماذج الخاصة بإخفاء القبور عن عمد، وكان الهدف من ذلك في معظم الأحيان لا يخرج عن دائرة الدوافع السياسية البحتة.

المثال الأول من تركيا، ففي مارس من عام 1960م توفى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، والذي كان من كبار الصوفيين الأتراك، وصاحب "رسائل النور" ذائعة الصيت والتي كان لها دور كبير إذكاء الجانب الروحي عند الأتراك في فترة ما بعد سقوط الخلافة العثمانية، وتحويل تركيا لدولة علمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك.

توفي النورسي في مدينة "شانلي أورفا" الواقعة جنوب شرق تركيا، بعد أن قضى ما يقرب من 35 عاماً ما بين السجن والمنفى، وتعرض قبره للنبش على يد فرقة عسكرية من الجيش التركي، حيث خشي القادة العسكريون حينذاك من أن يتحول قبره إلى مزار ديني روحي يتجمع حوله الإسلاميون الأتراك، ولذلك تم نقل رفاته إلى منطقة غير معروفة، وما زال طلابه وتلاميذه يبذلون جهدهم في سبيل الوصول لمكان دفنه.

أما المثال الثاني، فهو المفكر المصري سيد قطب، الذي يُعتبر واحداً من أهم منظري جماعات وحركات الإسلام السياسي السني في العصر الحديث.

INSIDE_IslamicGraves_Qotob
تم القبض على قطب عام 1965م، بتهمة تكوين تنظيم سري يهدف لتغيير نظام الحكم والقيام بعدد من العمليات الإرهابية، وفي أغسطس/آب من 1966م، تم إعدامه مع إثنين من كبار أتباعه، ورغم أن المتبع في الحالات المشابهة، أن تقوم السلطات بتسليم جثامين المتهمين إلى الأهالي عقب تنفيذ الأحكام عليهم، فإن ذلك لم يتم مع قطب ورفاقه، فبحسب ما يذكره الكاتب الأميركي لورانس رايت في كتابه الشهير "البروج المشيدة"، فقد رفضت الحكومة المصرية حينذاك، تسليم جثمان قطب لعائلته خوفاً من أن يتحول قبره إلى ضريح مقدس لأتباعه ومريديه، فظل قبره خفياً مجهولاً حتى لحظة كتابة تلك السطور.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي