الثورة الإسلامية في باهيا البرازيلية عام 1835، لماذا علينا أن نتذكرها اليوم؟

الثورة الإسلامية في باهيا البرازيلية عام 1835، لماذا علينا أن نتذكرها اليوم؟

"البكاء على الأطلال” من أشهر العبارات المتداولة في ثقافاتنا العربية، والمستمدة من تقليد افتتح به شعراء الجاهلية معلّقاتهم، للتعبير عن حسرتهم على زمن مضى، وعلى فقدان حبيب أو حبيبة، بدأت تندثر آثار ديارهم. ولكن بعيداً عن الشعر، يبقى التباكي على الماضي من أكثر الهوايات تداولاً في منطقتنا العربية.

نسمع أحاديث تتساءل عن الحقبة الذهبية للعرب، ولماذا انتهت؟ أو تخمينات عما تسبب بانحدار مكانتنا في العالم، وندخل في نقاشات طويلة عن الإمكانيات المهدورة والضائعة في المنطقة. نسمع الأحاديث في المقاهي والمدارس والصالونات، نتناولها مع فناجين القهوة والشاي ونناقشها دون توقف.

ويبقى بين من يتحدث عن تاريخنا بحسرة وغصة ومن يروي أحداثه بفخر، حقيقة مشتركة: أياً كان موقفنا من الماضي، لا بدّ أنْ نتذكر التاريخ لنفهم حاضرنا بشكل أفضل.

دراسة التاريخ في مواجهة التمميز ضد المسلمين

إنّ دراسة التاريخ الإسلامي مهمة ملحّة في عصر أصبح فيه المسلمون من المجموعات المستهدفة عنصرياً وسياسياً في الإعلام العالمي، فمن خلالها نطور أدوات التعامل مع أزمة الانتماء التي تسببت بها التوجهات السياسية والتنافرات الأيديولوجية في العالم اليوم، ولعل أكثرها إشكالية تلك التي تشهدها القارتان الأوروبية والأمريكية، والتي تمتد جذورها دون شك إلى تاريخ الاستعمار، وعصر "الاستكشاف".

بدأ احتكاك مباشر بين أوروبة وثقافات العالم في ما يعرف بعصر "الاستكشاف"، حيث كانت الدول الأوروبية ناشطة في تجارة الرق في الأمريكيتين ما بين القرن الـ16 والـ19، أو ما سُمّي بالعالم الجديد، إثر "اكتشاف" كريستوفير كولومبوس لقارة جديدة عن طريق الخطأ. 

أقوال جاهزة

شارك غردبين عامي 1820 و1830 وحّد الإسلام الأفارقة في باهيا البرازيلية في ثورتهم لاستعادة حريتهم

شارك غردكيف يمكن لدراسة التاريخ أن تساعد في مواجهة التمميز ضد المسلمين

من السمات الكارثية لعصر الاستعمار، أنّ شعوب تلك الأراضي وتاريخها ولغاتها وحضاراتها الخاصة بها، لم تدخل في حسابات الحملات الأوروبية للسيطرة على أراض وموارد جديدة، حيث تمّ أسر الملايين من الأفارقة، وترحيلهم على متن عابرات إلى بلاد بعيدة عن أرضهم، للعمل في خدمة المستعمرين وتحت إمرتهم.

كيف ظلمت كتابة التاريخ عصر العبودية

قد يبدو تاريخ العبودية بعيداً عن واقعنا اليوم، إلا أننا حقيقة لانزال نلمس آثار هذه الممارسة الوحشية في أمريكا الشمالية والجنوبية حتى اليوم، ونرى انعكاساتها في أشكال عدّة: كالعنصرية وغياب المساواة الاجتماعية والحرمان الاقتصادي للفئات المهمّشة.

ويمكن تحديد توجهين اثنين في مقاربة تاريخ تجارة الرق، أسهما معاً في تغييب التداعيات الخطيرة لتلك التجارة على حياة الشعوب المعاصرة. الأول يعود لتناول العديد من كتب التاريخ تجارة الرقّ التي مارستها الدول الأوروبية لقرون عديدة، على أنها مؤسسة تنتمي إلى الماضي، ولا تعبّر عن واقعنا اليوم.

وفي نفس الوقت، وبالاعتماد على منهج حمّل المستعمرين مسؤولية هذه التواريخ، تمّ رسم العبيد على نحو خاطئ، فصوروا على أنهم ضحايا ظروف عصرهم، وعلى أنهم، كأفراد ومجموعات، قد خضعوا لواقعهم ولم يقاوموا القمع الذي تعرضوا له. 

تظهر نتائج هذين التوجهين جلية في مقاربة تاريخ العبيد المسلمين في الأمريكتَين، فقصصهم نادراً ما تتداولها أقلام المؤرخين، وتختفي هويتهم المسلمة تحت قناع هوية متجانسة، تتجاهل إرادتهم في تحديد مصيرهم، وتقلل من أهمية تجربتهم مع أنّهم قد أثروا في تاريخ القارة الأمريكية بطرق عدة.

ولعل أهم الأحداث التي تشهد على دور الرقيق المسلمين في أمريكا الجنوبية هي الانتفاضات المتكررة التي شهدتها مقاطعة باهيا البرازيلية، والتي أكسبتها شهرة كأكثر مناطق الأمريكيتين شراسة في مقاومة سكانها للعبودية والقمع، وكان من أساسيات هذه الفترة والمحرك الأهم وراء هذه التنظيمات والثورات: الدين الإسلامي.

انتفاضة عام 1835 في مقاطعة باهيا البرازيلية

حصلت البرازيل على استقلالها من البرتغال عام 1822، ولكن تجارة الرق استمرت في البلاد بعد اعتبارها دولة ذات سيادة، حتى أواخر القرن الـ19. شكّلت هذه التجارة الهمجية قرابة الثلث من اقتصاد مقاطعة باهيا، وبحسب المؤرخ محمد شريف أتى أغلبية العبيد من غرب أفريقيا وكان أغلبيتهم مسلمين.

ورغم خضوعهم لمحاولات تبشيرية تدعوهم لاعتناق المسيحية، رفض الكثير منهم الانضمام لديانة ”أسيادهم” الكاثوليك، وبدلاً من ذلك وطدوا علاقات قوية تربطهم ببعض من خلال دينهم المشترك، خاصة في مدينة سلفادور، عاصمة مقاطعة باهيا، التي لازال فيها حتى اليوم أقلية مسلمة ومركز إسلامي ثقافي ومساجد (صورة المقال نموذج منها).

حاول المسلمون في باهيا التمرّد في العامين 1814 و1816 لكن محاولاتهم باءت بالفشل، وهاجمت الشرطة البرتغالية منظمي الثورة وقتلت عدداً منهم. وكان للحادثة تداعيات خطيرة، حيث تلاها قمع عسكري أجبر مسلمي باهيا على الإختباء، فكانت فترة حاسمة لأنهم استثمروها في تنظيم أنفسهم بشكل أفضل.

وفي العقد الثالث للقرن التاسع عشر (1820ــ1830)، أسلم عددٌ كبيرٌ من الأفارقة في باهيا تحت إشراف علماء ورجال دين كان لهم مكانة مرموقة بينهم، كالإمام شيخ دندرا وملام بوبكر أهونا. وأصبحت الديانة الإسلامية عاملاً موحّداً، جمع العبيد الأفارقة رغم أنّ لغاتهم وثقافاتهم كانت مختلفة عن بعضهم البعض.

أصدر ملام بوبكر بياناً رسمياً يدعو فيه جميع المسلمين إلى التمرد على البرازليين، لإستعادة حريتهم، والعودة إلى القارّة الإفريقية. ولكن قبل ستة أشهر من موعد الثورة المخطط لها، ألقي القبض على بوبكر بعدما أشيع خبر التحرك الإسلامي في المنطقة، إلا أنّ حبسه لم يخفف من وتيرة التحرك.

ففي فجر 25 كانون الثاني عام 1835، بدأ الثوار يخروجون من المسجد ويجمعون عبيداً آخرين (مسلمين وغير مسلمين) للمباشرة في تحركاتهم الثورية. لكن الحظ لم يكن حليفهم. فوصلت أخبار الثورة إلى شرطة باهيا، وحشد المحافظ قوات مسلحة لقمع الثورة، وواجه الإفريقيون الثائرون آلافاً من الشرطة المدربة في شوارع باهيا وكانت معركتهم، من بدايتها، خاسرة.

لماذا يجب أن نتذكر ثورة باهيا الإسلامية

رغم أنّ عدداً كبيراً من رواد الثورة تعرضوا للقمع والقتل، ورغم أن منظميها عوقبوا بشدّة، لا نستطيع أن نعتبر الحراك فاشلاً أو بدون جدوى، فقد دفع بالسلطات البرازيلية إلى إصدار قوانين تقضي بترحيل جماعي للأفارقة من البرازيل إلى القارّة الإفريقية، وهو أحد أهم مطالبهم.

ويعتقد فراس الخطيب، صاحب موقع "التاريخ الإسلامي الضائع"، في دراسته عن ثورات باهيا، التي تعتمدها المقالة كمرجع، أنّ العصيان أدّى إلى حركة معارضة لتجارة الرق، وخلق ظروفاً ساعدت في بدء حوار هام عن فظاعة وعيوب هذه الممارسة على المستويين الإنساني والإقتصادي. وأخيراً، إنّ الإسلام الذي بقي موجوداً في باهيا وفي بعض المقاطعات البرازيلية الأخرى، ولو في نطاقٍ ضيقٍ، يعكس أهميّة الدين كعامل تاريخي يوحّد البشر.

إثارة الاهتمام بالثورة الإسلامية في باهيا يخدم ثلاثة أهداف مختلفة: أولاً، تعكس الثورة تاريخاً عن أفراد توحدوا رغم ظروفهم وحاربوا القمع؛ ثانياً، تعلمنا ثورة باهيا أنّ العبيد قاوموا تجارة الرق بشكل فعّال، وأن إرادتهم حققت تغييراً اجتماعياً؛ وأخيراً، تذكرنا ثورة باهيا بأنّ الإسلام في أمريكا الجنوبية ليس جزءاً من تاريخ القارة الحديث فحسب، بل أنّ تطوره ووجوده فيها تشابك مع نسيج القارة الحضاري، ومع تاريخ استعمارها المليء بالتناقضات والتوترات.

المصادر: دراسة عن ثورة باهيا من موقع "التاريخ الإسلامي الضائع"، لفراس الخطيب، مقالة "ثورة العبيد في البرازيل: انتفاضة المسلمين عام 1835 في باهيا" لجواو خوسيه ريس (1993)/ خلفية الثورة: أصول المسلمين العبيد في باهيا" لبول إي لوفجوي (1994). 

ريم جودي

ريم خريجة جامعة جورجتاون متخصصة بالاقتصاد الدولي والشؤون الخارجية، وتتابع دراساتها العليا في الجامعة الأمريكية في بيروت. تهتم ريم بحقوق المرأة، الشباب والسوشل ميديا، وكيفيات تشكيل الهويات الوطنية في البلاد العربية والإسلامية.

التعليقات

المقال التالي