من ابتكار الفقراء وقت الشدة: أكلات أصبحت الأشهر على موائدنا

من ابتكار الفقراء وقت الشدة: أكلات أصبحت الأشهر على موائدنا

للطعامِ حكايا مرتبطة بأحوالِ الشعوب الاقتصادية والبيئية والثقافية، وأيّ منعطفٍ في هذا الثالوث سيؤدي إلى تغيير مناخاتِ الأكل وأصنافها، كالهجرة والحروب والحصار الاقتصادي، التي تتسببُ في أفولِ أصنافٍ غذائية أو ظهور أخرى تتحول مع الوقت من وجباتٍ لسدّ الرمق إلى أكلاتٍ وطنية تتغنى بها الشعوب وتتفاخر.

في السطور التالية نعرّج على بعض هذه الوصفات التي بدأت بسبب الفقر وقلة الحال، وبعد ابتكارها تطورت لتكسب شعبية واسعة.

الكُشري، ملك الطعام المصري

"طبق الكشري" من أوائل الأصناف التي تتناولها فورَ وصولك القاهرة وشهرتها تسبق نكهتها، منها مثلاً ما يقدم مطعم "أبوطارق" –الذائع الصيت- كُشري مطهوّ على الطريقة المصرية الصّرفة والتي تقوم على العدس، الأرز، المعكرونة، الحمص، صلصة الطماطم ،البصل، الثوم، الخل.

INSIDE_FoodLeftover_Kushari

مكوناتٌ بسيطة غالبة الوجود في كل منزل، جُمعت مع بعضها في طبق حقق انتشاراً كبيراً في فترة كانت ترزح فيها البلاد تحت وطأة حصار اقتصادي، ذلك أواخر القرن التاسع عشر عندما غرقت مصر في ديونٍ خلقت أزمة غذائية عززها ارتفاع أسعار السلع والعجز عن تلبية احتياجات المواطنين.

أقوال جاهزة

شارك غردمن منّا يعرف أصل الكشري، ذلك الطبق المعروف بـ"ملك المطبخ المصري"؟

شارك غردهل بدأت البيتزا أيام الرومان والفينيقيين 600 قبل الميلاد؟

شارك غردوصفات لذيذة ابتكرتها الشعوب من مكونات بسيطة وقت الفقر والشح

في كتابه "Pot on the Fire: Further Confessions of a Renegade Cook" يؤكد الطاهي ومؤرخ الطبخ الأمريكي جون ثورن أن طبق الكشري قَدِمَ مصر مع جنود الهند الذين أتوا مع الاحتلال الانكليزي خلال الحرب العالمية الثانية وتحول اسمها من خِيشري khichri" إلى "كُشري kushari" وكان وقتها مكونا من الأرز والعدس، ليضيف عليه المصريون ويطورونه وصولاً إلى شكله الحالي.

توزعَ طبق الكشري في أنحاء مصر، على العربات وفي البيوت والمطاعم، ليصبحَ مع مرور الوقت من الأكلات الشعبية الأكثرَ شهرة، في حين يتميز طبقٌ عن آخر في جودة المواد المستخدمة وطريقة سبك صلصة الطماطم التي تضفي على الطبق خصوصيته وسحره.

"ملك الطعام المصري" كما تصفه جريدة الغارديان في مقال لها يشير إلى مطعم "شارع الكشري" في شارع سانت مارتن لين في لندن والذي افتتحته خبيرة التغذية أنيسة الحلو. وحسب تقرير لموقع Culture Trip فقد صُنف "شارع الكشري" من أهم المطاعم النباتية في منطقة كوفنت جاردن في لندن بسبب وجبته الغذائية الرئيسة وماتحويه من قيمة غذائية ونكهة خاصة.

INSIDE_FoodLeftover_KushariLondon

"المجدرة" هي الأكلة التي توازي الكشري في بلاد الشام كما يؤكد الشيف ماجد الصباغ، مضيفاً لرصيف22 أن ثمة بيئات في بلاد الشام تتناول على الإفطار أكلة تُدعى "الكشك"، بينما الغداء يكون "مجدرة"، ليقوم العشاء على أكلة تسمى "الكشكية" وتقدَّم من بقايا الوصفتين السابقتين.

الباييا، البقية عندما تصبح عالمية

طبق من الأرز المُذَهّب بلون الشمس تعلوه أصنافُ الدجاج أو الأسماك أو الخضار، إنها "الباييا" الوصفة الإسبانية التي تجاوزت شهرتها حدود موطنها، وأصبحت طبقاً وطنياً يعبر عن ثقافة الإسبان رغم أنّ جذورها التي تعود إلى القرن الـ19 هي خلاصة امتزاج ثقافات عديدة، ذلك مايؤكده مؤرخ الطعام الإسباني لورد مارس في كتابه Libro De Las Paellas Y Arroces، قائلاً "الباييا خلاصة امتزاج ثقافاتي الرومان الذين قدموا إسبانية مع أوانيهم والعرب الذين أتوا بوصفات وتوابل بقيت حية لقرون من الزمن".

INSIDE_FoodLeftover_Paella

مهد "الباييا" هو إقليم فالنسيا المعروف بزراعة الأرز المُكوِّنُ الرئيسي للطبق الذي يُطهى في مقلاة ذات مقبضين، حسب مايؤكده موقع "FOOD HESTORY" مشيراً إلى مصادر أخرى تقول إن كلمة "باييا" مستقاة من الكلمة العربية "البقية" على اعتبار أن الوصفة كانت تقام على إضافة العبيد بقيةَ طعام الملوك على الأرز ثم يتناولونه، ذلك خلال الحكم الإسلامي في الأندلس.

غالبا ما تُطهى الباييا بأرز البومبا الأكثر شهرة في إسبانيا، في المدن الساحلية يُقدّم مكللاً بأسماك البحر كالمحار وبلح البحر والقريدس، وفي مدن أخرى يُطهى مع الدجاج أو الأرانب أوالسجق، بينما يمكن أن تُكلل أشكال من الباييا بالخضراوات البازلاء والفاصولياء والخرشوف، مع إضافات دائمة كالثوم والفلفل الأحمر.

مع بداية القرن العشرين تجاوز طبق الباييا كونه طعاماً محلياً ليصبحَ أحد وجوه الثقافة الإسبانية، عزّز ذلك السياحة التي جعلت إسبانية وجهة الكثيرين خاصة بعد شهرة الفنانين سلفادور دالي وبابلو بيكاسو والمخرج لويس بونويل، لتصبحَ من أشهر الأكلات المتوسطية في العالم، ذلك حسب مقال في مجلة "SAVEUR" الأمريكية المختصة بالغذاء.

تُطهى الباييا عادة في قدر دائري مسطح يسمح للأرز بالاتصال مع الجزء السفلي، ذلك على نار الموقد أو الحطب، و تقدم على طاولة مستديرة، في حين تُؤكل من مقلاة الطبخ مباشرة.

البيتزا: حكاية شريحة العجين والزيت

قد لا يتصور عشاق البيتزا ورواد مطاعمها أن هذه الوجبة المرتبطة باجتماع الأصدقاء وبهجة المناسبات ابتُكرت كوصفة أُريدَ بها سدّ رمق الفقراء، كان ذلك في مدينة نابولي الإيطالية خلال الاحتلال اليوناني في القرن السادس قبل الميلاد، حسب الكاتب والمؤرخ الأمريكي كارول هيلستوستكي Carol Helstosky الذي يضيف في كتابة "البيتزا تاريخ عالمي" Pizza: A Global History، كانت نابولي واجهة بحرية مزدهرة في إيطاليا لكنها تعج بالفقراء الذي لامأوى لهم، الأمر المُلِحّ لإيجاد طعام غير مكلف ويمكن لعناصره التوفر بسهولة" فكانت شريحة العجين المغطاة بمكونات بسيطة كزيت الزيتون والجبن والطماطم.

INSIDE_FoodLeftover_Pizza

مصادر أخرى تقول إن البيتزا تعود إلى حضارتي الرومان القديمة والفينيق 600 ق.م ووقتها كانت عبارة عن عجينة مشبعة بالزيت والأعشاب تُجفَّف كي يسافر بها البحارة، ذلك مايؤكده الشيف ماجد الصباغ لرصيف22.

بعد حين انتشرت البيتزا على عربات التجول ثم أصبحت وجبةً تقدم في مطاعم نابولي. فيما بعد بات لها أنواع مختلفة لعل أهمها مارغريتا، كابريكسيوسا ، كواترو فروماجي، لكن بيتزا نابولي بقيت هي الأصل، شريحة العجين التي لايزيد قطرها عن 35سم ومخبوزة في فرن حطبي وقد كُلّلت بالطماطم والموتزريلا والتوم وزيت الزيتون والأوريغانو والريحان، لتوثق عام 2010 من قبل الاتحاد الأوربي كطبق إيطالي التقليدي بحسب تقرير نشرته "INTA" الرابطة الدولية للعلامات التجارية.

أما بيتزا مارغريتا فحكايتها تعود لعام 1889 عندما زار الملك أمبرتو الأول مدينة نابولي برفقة زوجته الملكة مارغريتا وقد طلب أنواعاً من البيتزا من بينها المُشكلة من الجبن الأبيض والطماطم الأحمر والريحان الأخضر، وللمصادفة أنها ألوان العلم الإيطالي، ماجعل الملكة مارغريتا تختارها ومن وقتها ارتبط اسمها بها، ذلك مايؤكده مقال نشره موقع "history".

ولايغيب عن أحد أن أمريكا من أكثر دول العالم استهلاكاً لوجبات الطعام السريعة والتي تضمنت البيتزا، يضيف المقال نفسه أن ولاية منهاتن هي مهد أو مطعم بيتزا عام 1905، لتنتشر بعدها سلاسل البيتزا في أنحاء أمريكا ويحقق بعضها العالمية كبيتزا هات ودومينوز اللتين توزعتا في أكثر من 60 دولة، البيتزا الأمريكية أضافت أيضاً من المكونات المحلية كلحم البقر والفطر والبصل والأنناس والدجاج ولحم الخنزير والسجق والكمأة والسلمون ومحار البحر، بحسب المقال. 

الرنجة.. قنبلة السمك المخمر

ربما يختلفُ طبق الرنجة في تكوينه عمّا سبق ذكره من الأصناف، لكنّه يتقاطع معها في ظروف اكتشافه، فهو أيضاً ظهر في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة، ذلك في القرن الـ16 عندما نفذَ الملح من الصيادين في السواحل السويدية، والذي يستخدمونه في حفظ الرنجة مادفعهم لبيع الأسماك التي أوشكت على التعفن للجزر الفنلندية وبعد عام طلب الفنلنديون السمك بذات الطريقة مادفع السويديين للتفكير بتخميره لتكون النتيجة هذه الأكلة التي أصبحت من أشهر الوجبات السويدية حسب تقرير في موقع "surstromming" السويدي.

موقع "swedishfood" يؤكد أن الأسماك المخمرة تعود إلى عهد الرومان والإغريق الذين كانوا يتناولون صلصة شهيرة من أنواع الأسماك المخمرة، مضيفاً أن رائحة الرنجة السويدية وبحسب دراسة يابانية من أكثر الروائح القوية والنفاذة في العالم، وبسبب تلك الرائحة اعتاد السويديون أكلها في الهواء الطلق وليس في المنازل أو المطاعم.

INSIDE_FoodLeftover_Fish

وعن طريقة التخمير يتابع المقال "يوضع السمك في محلول ملحي قوي مدة 20 ساعة ثم يُغسل ويوضع في محلول ملحي أخف، ثم يضغط في علب قصدير لا تفتح قبل 6 أشهر".

تخمير السمك في علب قصدير مضغوطة يجعلها عرضة للتفاعل والانفجار ما منع بعض شركات الطيران من حيازتها خلال السفر، ذلك ماتؤكده جريدة التلغراف البريطانية في تقرير لها، مضيفة أنه رغم ذلك حصلت السويد على امتياز فيه كونه من الأكلات الشعبية والوطنية.

يضيف المقال أن الرنجة تُخَمّر في الربيع لتُأكلَ في موسم الصيف، تحديداً خلال شهر أغسطس ويؤكلُ معها الخبز والبطاطس والبصل، إلى جانب المشروبات الكحولية كالبيرا والويسكي.

ولمن يودُّ الاطلاع على ثقافة الرنجة وتاريخها وطريقة تخميرها ليس أمامه سوى زيارة إلى قرية سكيبسمالم التابعة لبلدية أورنكولدسفيك شمال السويد والتي استضافت متحفاً مخصصاً للرنجة افتُتِح عام 2005 . المتحف يعطي الزوار فرصة لتحسس رائحة الرنجة النفّاذة وتذوق نكهتها أيضاً.

الطعام مرآةُ اقتصادِ الشعوب

يربط الشيف ماجد الصباغ، مؤسس "الجمعية السورية للطهي"، عواملَ ابتكار هذه الأصناف بالعامل الاقتصادي، الذي يترك ظلاله على حالة المجتمع من فقر أو غنى، فالطعام يزدهر بازدهار الشعوب ويأفل بأفولها، مضيفاً لرصيف22 أن أطعمةً كهذه لا ترتبط بظروف الحروب لأن الحرب تلغي أي مساحة للابتكار، فضلاً أنها تُضيّق الخيارات على المواطنين.

ويتابع الصباغ: "يعود انتشار هذه الوصفات إلى تميزها بكونها شعبية، فبدايةً بتناولها عامة الناس بحكم الظرف الاقتصادي، ومع الوقت يتناولها الأغنياء، ثم تصبح من الأكلات الوطنية لارتباطها بثقافات الشعوب، وهي ذات نكهة مميزة وطعم شهي رغم بساطة مكوناتها"، أو ربما بفضل بساطتها ومنبعها.

التعليقات

المقال التالي