لا تستخف بعقلي لأني جميلة: لماذا ننظر إلى أنوثة النساء العالمات بتحيز؟

لا تستخف بعقلي لأني جميلة: لماذا ننظر إلى أنوثة النساء العالمات بتحيز؟

في عام 2015، تعرضت إيزيس فينجر لانتقادات وسخرية لاذعة بعد ظهور وجهها في حملة توظيف بدأتها شركتها. إيزيس مهندسة تعمل في سان فرانسيسكو، وهي أيضاً امرأة جميلة تميزها أنوثة فائقة. ولكن بالنسبة لكثير من الناس، اجتماع تلك السمتين على وجه الخصوص في امرأة واحدة هو أمر غير متوقع - إن لم يكن مستحيلاً.

اتُّهمت شركتها بمحاولة جذب الرجال بواسطة صورة لشابة جميلة ومثيرة، هي حتماً عارضة مدفوعة الأجر، وليست مهندسة تعمل في الشركة. سبب التركيز على حملة التوظيف هذه يعود للتعليقات ولردة الفعل التي لا يمكن تجاهلها لأنها تفضح الذكورية الشوفينية الخفية والراسخة التي لا تزال تقوض الاحتفاء بإنجازات المرأة.


أن تكوني جميلة وناجحة في حياتك المهنية

دشنت إيزيس هاشتاج #ILookLikeAnEngineer (شكلي شكل مهندسة) كرد فعل على السخرية التي لاقتها، وسرعان ما بدأ الهاشتاج بالانتشار على تويتر، مطلقاً حملة على شبكة الإنترنت بدأت منذ عامين واستمرت حتى الآن، ولا تزال تكتسب أنصاراً جدد وتنشر التغريدات كل يوم.

مرفق بهذا الهاشتاج صور لمهندسات من جميع أنحاء العالم رسالتهن أن كل المهندسات يبدين كمهندسات لسبب بسيط: وهو أنهن مؤهلات في هذا الاختصاص ويعملن بتلك المهنة. في الواقع، إن الدلالة الضمنية التي تحملها التعليقات المشككة في قصة إيزيس، هو أن المرأة الذكية لا يمكن أن تكون امرأة جميلة، والاستجابة العارمة لمثل هذه الأفكار الضحلة يدل على مدى تغلغل ذلك التحيز الذي لا يزال متجذراً في ما يسمى بمجتمعنا "الحديث".

أقوال جاهزة

شارك غرد"ارتدي سروالاً فضفاضاً": الأوساط العلمية والأكاديمية وتحفظها على "مظهر" النساء

شارك غردعن التمييز المبطّن تجاه النساء العالمات: الأنوثة ≠ الذكاء

شارك غرددراسة علمية تؤكد تحيز مجتمعاتنا تجاه "مظهر" النساء: إن كنّ جذابات فهن لسن ناجحات

التمييز المبطّن: الأنوثة ≠ الذكاء

ومن المثير للدهشة أن هذا التحيز لا يزال مستشرياً أيضاً في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات التي تتطلب قدراً عالياً من التخصص، حيث عادة ما تدخلها وتمتهنها العقول الأكثر ذكاء ومسابرة. بدءاً من تجربة إيزيس ومن بعض الملاحظات التجريبية، قرر أربعة باحثين مقيمين في الولايات المتحدة إجراء دراسة تفصيلية عن مدى تأثير المظهر الأنثوي على تقبل المجتمع لكون المرأة عالمة.

تقول سارة بانشيفسكي المتحدثة باسم الفريق لرصيف22 إن الأسباب الكامنة وراء اختيارهم البحث في هذا الموضوع كثيرة ومختلفة: "كان هناك العديد من القصص والروايات عن نساء جميلات يتم إخبارهن بأنهن لا "يبدين" كعالمات، ولكن لم يكن هناك أي أدلة تجريبية لهذا، فأردنا إجراء دراسة دقيقة يمكن أن تبين أن المرأة التي تظهر بمظهر أنثوي يقلّ احتمال تصديق المجتمع لكونها عالمة".

وكما أوضح مثال في مقدمة الدراسة، فإن النساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات لا يشعرن بالراحة عند تقديم أنفسهن بطريقة أنثوية نمطية أمام زملائهن. بدءاً من هذه الحالات التجريبية قامت سارة بانشيفسكي وبرناديت بارك وتشارلز إم. جود من جامعة كولورادو بولدر، وجاكوب ويستفال من جامعة تكساس في أوستن، بجمع البيانات وتحليلها.

وأخيراً، في عام 2016 نشروا النتائج المثيرة لدراستهم.

ها هي الطريقة التي أجروا بها تجربتهم الاجتماعية: قدم الباحثون للمشاركين في الدراسة 80 صورة لرجال ونساء يعملون في كليات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في أفضل الجامعات الأمريكية، والذين كان قد تم اختيارهم بهدف الحصول على تمثيل جيد وواقعي للمجموعة المتنوعة من الناس الذين يعملون في مثل هذه البيئة.

لم يعطى المشاركون أية معلومة عن الهدف الحقيقي للتحقيق، بل طلب منهم الحكم على من في الصور وإبداء رأيهم عمّا إذا كانوا يرونهم يتسمون بالأنوثة أو الذكورة، وما إذا كانوا يظنونهم "قريبين إلى القلب" أو جذابين وما إلى ذلك، ومن ثم عليهم تحديد ما إذا كان هؤلاء يبدو عليهن أنهم علماء أو معلمين (والتعليم يعتبر وظيفة نمطية للمرأة).

وكما هو متوقع، أظهرت النتائج أن النساء اللواتي يراهن المشاركين على أنهن أكثر أنوثة كنّ أقل إقناعاً بأنهن عالمات، وتوقع المشاركون أنهن معلمات، وكان هذا الحكم شائعاً بين الرجال والنساء على حد سواء. وكذلك، اعتبر المشاركون كون الرجل جذاباً سمة لا تتوافق مع كونه عالماً، بما أن الجاذبية سمة مشابهة للأنوثة.

إن إثبات شيء لطالما كان جلياً عن طريق دراسة علمية يساعد المجتمع في التعامل مع ذلك التحيز المترسخ. التغيير في السلوك مهم لأن هناك العديد من الآثار العملية الناجمة عن هذا النوع من عدم المساواة بين الجنسين، على حسب ما يذكر الباحثون في الجزء الأخير من دراستهم.

عادة ما يميل الناس إلى البحث عن السياقات التي يشعرون فيها بالراحة والقبول، وإذا ظل التحيز ضد هؤلاء العالمات قوياً، يمكن للعديد من النساء العاملات في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أن يقررن تجنب هذه المجالات لأنها لا توفر أماكن عمل مريحة ومشجعة، ولأن الانضمام إليها يعرض مهنيتهن لاختبار وانتقاد دائم.

كما أن هذه المواقف تولد ضغطاً يمكن أن تؤدي إلى زيادة مستوى التنافس بين النساء أنفسهن، وينعكس سلباً على ضرورة التعاون المشترك من أجل المساواة بين الجنسين.

قد لا يدرك معظم الناس بأن التمسك بفكرة الجمال على أنها شرط وضرورة للمرأة، وعلى أنها تتعارض مع ذكائها وطموحها وتفوقها المهني هو ممارسة تصبّ في التمييز والتحيز، فالكثير ممن يؤمن بها هم أنفسهم من المناصرين لأفكار المساواة.

تراجع في المساواة الجندرية في الولايات المتحدة؟

تواجه في الآونة الأخيرة البلدان التي كانت مهداً للحركات النسوية مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية انحداراً، وعودة لبعض الأفكار المتحيزة ضد النساء، والتي كنا قد ظنناها اندثرت، ومن المؤكد أن وضع العالمات له مكان في دائرة المعارك الاجتماعية المتضررة بسبب هذا الانحدار المقلق. تلاحظ بانشيفسكي أيضا ميل الناس مؤخراً إلى أن يكونوا أكثر تساهلاً وقبولاً إزاء هذه الانتهاكات المضمرة لحقوق المساواة بين الجنسين.

فتقول "في الولايات المتحدة، نرى أنه قد تعالت الأصوات واكتسبت بعض المجموعات الصغيرة الجرأة للتعبير عن التحيز الجنسي والعنصرية، ربما بسبب الرئيس الحالي (ترمب). وأعتقد أن طرد موظف في جوجل بسبب كتابته لبيان يشير فيه إلى أن نقص تمثيل المرأة في الميادين التقنية قد يكون بسبب الاختلافات البيولوجية بين الجنسين، له دلالة هامة".

وتضيف: "يكثر النقاش والقلق حول الثقافات الذكورية في مجالات صناعة التكنولوجيا ووادي السيليكون، ولذلك أشعر أن التمييز الجنسي الفج لا يزال مداناً. المشكلة عند الحديث عن التحيز ضد الأنوثة، واستخدام الأنوثة كدليل على أي مهنة على المرأة أن تمتهنها، هو أن المسألة على الأرجح أكثر دقة من التحيز الجنسي الفئوي، لا يدركه الكثير من الناس، وبالتالي لا يستطيعون السيطرة عليه. ومع ذلك، فإنني آمل أن تحفز هذه المجموعات غالبية الناس في الولايات المتحدة على الوقوف معاً، والاحتجاج بشكل سلمي، وإظهار أننا لا نشجع التحيز الجنسي أو العنصرية".

"ارتدي سروالاً فضفاضاً"

لكن ليس من السهل مواجهة مثل هذه المهام عندما يتعلق الأمر بالفرد. إن كانت بانشيفسكي محظوظة لعملها في مجال علم النفس الاجتماعي حيث يعتبر تمثيل المرأة جيداً ولا تواجه فيه حقاً صعوبات بيئة يهيمن عليها الذكور، فإن هناك العديد من العالمات اللواتي عانين من المعاملة غير المتكافئة، معظمهن في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وغيرها.

في حديث نشرته الجارديان، كتبت فرانشيسكا ستافراكوبولو، أستاذة علوم الكتاب المقدس والأديان القديمة في جامعة إكستر: "في مؤتمر قبل بضع سنوات، اقترحت أستاذة تكبرني أن أرتدي تنانير طويلة أو سراويل أوسع وأن أربط شعري للوراء، لأنه حينها سيكون الحاضرين قادرين على التركيز بشكل أكبر على ما كنت أقوله ... في الجوهر، الرسالة هي نفسها: ما لم ترتدي النساء ملابس متواضعة ومتحفظة، فسوف تبدو بغير مكانها في الأوساط الأكاديمية، لأنها في الأساس، ليس من المألوف أن تكون لها سلطة أكاديمية."

الرجال في مهن كانت تعتبر للنساء فقط

إن تحدي الأدوار التقليدية للمرأة، في البلدان العربية والثقافات الغربية، يشكل خطوة مهمة جداً في المعركة من أجل المساواة بين الجنسين في المجالات العلمية وخارجها. ولكن المسألة لا تتعلق بالنساء وحسب، فإن إحداث تغيير في عقلية الذكور هو نقطة تحول حاسمة.

تقول بانشيفسكي "لطالما فكرنا في كيفية إدماج المرأة في القوى العاملة وخاصة في المجالات التي يهيمن عليها الرجال مثل العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والسياسة، ولكن إلى أن نتمكن من زيادة قبول ودعم الرجال الذين يمتهنون الأدوار النمطية الأنثوية، مثل رعاية الأطفال والتمريض والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، لن نحقق هناك المساواة في مكان العمل،"

وتضيف "يتزايد الاهتمام بكيفية فهم الذكورة وكيفية توسيع تعريفها. وإلى أن نقدّر الأنوثة ونسمح للرجال بالتعامل معها، لا أعتقد أننا سنرى مساواة في العمل أو المنزل أو في أي مكان آخر."

نساء العالم العربي العالمات

بالطبع، على العالم العربي أيضاً أن يقارب هذه القضايا، وربما علينا أن نجد طرقاً تتناسب مع خصوصية مجتمعاتنا في هذا المجال، وممكن أن نستمد بعض الأمثلة في التعامل مع هذه المواضيع، كون الحركات النسوية العربية ظاهرة حديثة الولادة مقارنة بالحقوق والمساواة في الثقافة الغربية.

وتظهر الدراسات أن عدد الطالبات اللواتي ترتدن كليات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في العالم العربي أكثر من عدد الطلاب الذكور، ولكنها تكشف أيضاً أن عدد النساء يتقلص بشكل كبير عندما يتعلق الأمر بمتابعة دراساتهن العليا أو الدكتوراه أو بدء مهنة في هذا المجال.

والمشاكل التي يواجهنها هي تشريعية وثقافية في نفس الوقت: فالقوانين ليست عادلة فيما يخص الأمور الأساسية: كإجازات الأمومة والمرونة في نوبات العمل ورعاية الأطفال، بالإضافة إلى أنه من المتوقع أن تكرس المرأة في البلدان العربية حياتها لأسرتها بشكل أكبر من حياتها المهنية. 

كما تقوض المخاوف التقليدية المتعلقة بسفر النساء وحدهن من فرص المرأة في بناء حياة مهنية في المجال العلمي، حيث أنّ السفر لإتمام تدريب أكاديمي والمشاركة في برامج التبادل لا بدّ منه للنجاح في الحياة المهنية، خاصة في ظل قصور البنية البحثية في معظم البلدان العربية.

قائمة مجلة أربيان بزنس التي تضم أكثر 100 امرأة عربية قوة ونفوذاً، تضم عدداً محدوداً من النساء ذوات التخصصات العلمية، ومعظمهن من لبنان ودول الخليج العربي، حيث يوجد تحرر نسبي للنساء من أدوارهن المألوفة.

أما في البلدان الأخرى والسياقات الاجتماعية الأكثر فقراً، يصعب العثور على نماذج مثل حياة سندي، عالمة الطب السعودية التي تم انتخابها سفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة للعلوم، والدكتورة لمى يوسف، العالمة السورية التي حصدت عدداً من المنح العلمية الأهم والتي تقود أبحاثاً في مجال الخلايا الجذعية، أو آية بدير، المخترعة اللبنانية المعروفة واللتي ظهرت بكثافة على شاشة التلفزيون:

إذا ظهر عدد أكبر من العالمات من خلفيات عربية على وسائل الإعلام، فهل من شأن هذا الأمر أن يساعد في تطوير معاملة أكثر إنصافاً للنساء الناجحات، وكذلك في تأمين احترام وتقدير أكبر في أماكن العمل؟

الالفتات لانجازات النساء والاحتفاء بالعالمات في كل المجالات، وفي كل العصور، سيسهم دون شكّ في طرح هذه الأسئلة، وفي تحدي إحدى أكثر الأفكار المسبقة ترسخاً في ثقافتنا: بأن تكون النساء عظيمات!

التعليقات

المقال التالي