تونس والفاروق... كيف يتم إعمال العقل في وجود النص؟

تونس والفاروق... كيف يتم إعمال العقل في وجود النص؟

في خطاب له بمناسبة العيد الوطني للمرأة التونسية تحدث الرئيس القائد السبسي عن ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة، وقال أنّ "الإرث" هو من الأمور الدنيوية التي تركها لنا الله ورسوله الكريم، نديرها وفقاً لما نراه مناسباً لظروفنا اليوم، واختتم كلمته بقوله: "على كل حال هذا رأيي الشخصي"

مقترح الرئيس التونسي أثار انقساماً مجتمعياً في تونس حتى بين العلماء أنفسهم، ففي الوقت الذي أعلن فيه مفتي الديار التونسية تأييده لمقترح الرئيس وأصدر ديـوان الإفـتـاء التـونسي بياناً بارك فيه المقترح واصفاً الرئيس القائد السبسي بأنه أستاذ بحق، كانت هناك أصوات في تونس وغيرها تعترض على مقترح الرئيس وموقف دار الإفتاء، لعل أبرزها الهيئة العلمية لجامع الزيتونة التي شنت هجوماً على الرئيس ومقترحه الذي وصفوه في بيان لهم أنه "طعنٌ صريحٌ في ثوابت الدين".

الأزهر والشؤون التونسية

من جانبه قرر الأزهر المشاركة في الموضوع، واعتبر أن دعوات المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث تظلم المرأة ولا تنصفها، على حد تعبير عباس شومان، وكيل الأزهر الذي أضاف أنّ "المواريث مقسمة بآيات قطعية الدلالة لا تحتمل الاجتهاد".

مشاركة الأزهر أثارت حفيظة التوانسة الذين ردوا عليه بهاشتاج: #يا_أزهر_خليك_في_العسكر

على صعيد آخر يرى البعض أن الخلاف "الفقهي" هذا لا يعدو في الحقيقة كونه مناورة سياسية من "الثعلب العجوز" لسحب البساط من تحت محسن مرزوق، الأمين العام لحركة مشروع تونس، والذي كان يتكئ دوماً على فكرة مبدأ المساواة، وبذلك يكون الرئيس قد أحرق "كارت" مرزوق الأهم قبيل الانتخابات البلدية في 17 ديسمبر/كانون الأول القادم.

وبعيداً عن الدوافع وراء المقترح، أو الإشكالية، هل من حقّ الأزهر التدخل في شؤون بلاد أخرى أم لا؟ ويبقى السؤال الأهم، هل إعمال العقل في الأمور الفقهية المستقرة مطلب حيوي اليوم؟ أم أن ذلك يعدّ طعناً في الدين وثوابته؟

فهل يجوز مناقشة أمور مثل المواريث والزواج؟ وهل يجب النظر فيما إذا كان التصور الشرعي السائد اليوم مناسباً لزماننا أم إن كان يمكن تعديله؟ بمعنى آخر، هل الفقه ثابت أم متطور؟

أبو بكر والفاروق

في النصف الثاني من خلافة أبي بكر الصديق، أتى إليه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وقالا له: يا خليفة رسول الله، إنّ هناك أرضاً سبخة لا منفعة فيها، فهلا أعطيتنا إياها؟ فوافق أبو بكر وأعطاهما الأرض بصفتهما من "المؤلفة قلوبهم"، والمؤلفة قلوبهم هم حديثو العهد بالإسلام من الذين لم يرسخ إيمانهم بعد، وهم أحد مصارف الزكاة المنصوص عليهم في القرآن الكريم، والحكمة من وراء اختصاصهم بذلك النصيب هو "تأليف قلوبهم" أي ترغيبهم في الإسلام.

بعد أنْ وافق الصديق وكتب لهما كتاباً بها، اعترض عمر بن الخطاب حين علم بذلك، وحين قالوا له إنّ ما أخذوه هو نصيبهم الشرعي من الزكاة المنصوص عليه بالقرآن، أجاب عمر أنّ "رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكم والإسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى الإسلام".

يمكن فهم قرار الفاروق كنتيجة لإعمال عقله وتفكره وتدبره، حيث وجد أنّ الهدف الذي من أجله كان الرسول يعطي حديثي العهد بالإسلام جزءاً من الزكاة انتهى وزالت الحاجة إليه، فلم يعد هناك ضرورة لـ"تأليف القلوب"، بعد أن استقرّت الدولة الإسلامية الوليدة، وعليه أوقف أو "عطل" مصرفاً من مصارف الزكاة المنصوص عليه في القرآن الكريم، لانتفاء السبب الذي شرّع من أجله.

يمكن القول أن عمر كان تنويرياً، فهو لم يقف جامداً عند ظاهر النص، بل تجاوزه لأسبابه وعلته، واضعاً في اعتباره الظرف الحالي الذي يعيشه المسلمون، وعليه قرر "تعطيل" العمل به. 

أقوال جاهزة

شارك غردإن كان الصحابة هم قدوة المسلمين اليوم، لماذا لا نتأسى بهم في إعمال العقل في النص؟

شارك غردلماذا يجب اعتبار التعامل مع الواقع ومخاطبة ظروفه من أهم وظائف الفقه

شارك غردهل يحقّ للأزهر التدخل في الشؤون الفقهية لدول أخرى؟

للفاروق أيضاً مواقف أخرى مشابهة، فقد رُوي أن رقيقاً لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل وذبحوها وأكلوها، وقبل أن يعطي عمر حكمه، طلب احضار الجناة وسمع منهم وناقشهم، ثم أمر أن يحضر إليه سيدهم حاطب، وقال له قولته المأثورة "تستعملونهم وتجيعونهم!" وتوعده قائلاً: "لأغرمنك غرامة توجعك"، وفرض عليه ضعف ثمن الناقة، ولم يعاقب السارقين لحاجتهم.

لم يقف عمر رضي الله عنه عند ظاهر النص، بل استخدم عقله في التحليل وطبّق روح الإسلام، مدركاً أنّ العدل هو المقصد الأسمى للدين، وأن مخالفة النص أو تعطيله ممكنة، إذا اقتضت الظروف ذلك، وعليه فقد قام خليفة رسول الله بإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم، ولم يقطع يد السارق المحتاج، ثم عطل الحد تماماً في عام المجاعة، فعلها ولم يطعن أحد في ورعه وحكمته وعدله.

عند عرض قصة عمر وتعطيل سهم المؤلفة قلوبهم، كدليل على جواز إعمال العقل في النص، تجد الكثير من المعارضين له بشده.

ويمكن تقسيم المعارضين إلى 3 أقسام: الأول يشكك في القصة أصلاً، وفريق آخر يقول إن ابن الخطاب أخطأ وهو ما يثير الاستغراب والذهول، إذ كيف لأحد اليوم أن يتصور أنه أكثر علماً وغيرة على الإسلام من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمبشر بالجنة! 

أما الفريق الثالث، وهم الأغلبية، فلا ينكرون القصة ولكنهم يسهبون في شرح الأسباب التي دعت ابن الخطاب لفعل ذلك ويستشهدون بأبيات الشعر، ويقدمون حججاً وأسانيد فقهية للتدليل على أن ما فعله ابن الخطاب لم يخالف النص ولم يفارقه.

والمدهش حقاً، أنّ أنصار الفريق الثالث يتفق كلامهم تماماً مع جوهر ما يقوله الداعون لإعمال العقل، فهم ببساطة يقولون أن ابن الخطاب كان فقيهاً دارساً فكّر وتدبّر وتحرّك، ولكن أليس هذا بالتحديد ما يدعوا إليه المطالبون بإعمال العقل في النص؟

الخلاف الوحيد هو أنهم متمسكون بصياغة سلفية لتصرف الفاروق، هدفها تفريغ الفعل من مضمونه.

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل نستطيع اليوم أن نتأسى بالفاروق، وأنْ نُعمل العقل في وجود نصٍّ صريحٍ، فنتجاوزه أو نعطله، إذا وجدنا أنّ علته قد فارقها الزمان، أو دعت ظروف طارئة لذلك؟ أم أنّ الصحابة كانوا أكثر انفتاحاً واستنارة منا اليوم؟

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي