"أن نغمس الحبّ بالموت": عن الجمال والفرح في زمن الحروب

"أن نغمس الحبّ بالموت": عن الجمال والفرح في زمن الحروب

بعيداً عن ضجيج المزمجرات العسكرية، وأزيز الحديد والنار وأصوات سيارات الشرطة والإسعاف السريعة المدوية، ودون صور ومقاطع فيديو لملتحين يتم اقتيادهم إلى مراكز الإيقاف ودون فزع أو جزع... هل يمكن إيجاد مساحة للجمال في زمن الإرهاب في أوطاننا؟

ربما تُطرح أمامنا احتمالات كثيرة للإجابة عن هذا السؤال، لكن أم الزين بنشيخة المسكيني، الباحثة التونسية في الفلسفة، أرادت من خلال كتابها الأخير "الفن في زمن الإرهاب" أن تجيب عن هذا التساؤل بالقول إن الفن كفيل بتلك المهمة الأسطورية، كما قالت في حديث لها مع رصيف22. 

أقوال جاهزة

شارك غرديجب أن نعيد ابتكار الحبّ، "لنخلق مجتمعات تليق بنا" دعوة المسكيني للاحفتال بالجمال

شارك غردهل يمكن للفن أن يخلق "صدمة جمالية" توازي صدمة الإرهاب وطغيان منظومة الإنتاج الرأسمالية؟

في مقدمة كتابها "الفن في زمن الإرهاب" الصادر عن دار كلمة التونسية ومنشورات ضفاف في بيروت، تساءلت أم الزين بن شيخة عن مبرر الفنّ في زمن الكارثة، محاكية في عنوان كتابها عنوان رواية غابريال غارسيا ماركيز الشهيرة: "الحب في زمن الكوليرا"، وأشارت إلى أن كلا الرؤيتين يجسدان مقولة الباحث التونسي في الفلسفة فتحي المسكيني الذي وصّف جملة ماركيز على أنها "تغميس للحب في الموت"، كذلك هو حال الفن في زمن الإرهاب.

هل لازلنا قادرين على الفرح؟

صرحت مؤلفة الكتاب أم الزين بنشيخة المسكيني لرصيف22 قائلة: "بالفن نعيد إلى الإنسانية قدرتها على الفرح".

256-350

 

 

ومن خلال هذا الإقرار تضع بنشيخة الفرح في نقيض مباشر مع الإرهاب، وتقرح العكس: لعل النقص المتواتر في القدرة على الفرح بين الناس يدفع البائسين إلى تبني العنف المقدس بشكل يكون معه الضحك (كتعبير عن الفرح) من المحرمات الموجبة لعقاب الذبح.

وأدرجت أم الزين في كتابها أمثلة واقعية عن تناقض الضحك مع الإرهاب. وتقترح بنشيخة في هذا الجزء أن يكون الفرح والضحك "ضحكاً مقدساً" حسب عبارات نيتشه في كتابه "هكذا تحدث زرادشت"، وهو أن يعبر فعلاً عن فرح دون تجاوز لعقائد ومقدسات الآخر لأن في ذلك استثارة للعنف.

وتعطي أم الزين بنشيخة المسكيني أمثلة في أعمال فنية رائدة تاريخياً ساهمت في مراكمة الفهم الثقافي والفني لجوهر الإنسانية الذي لا يمكن أن يعيش في أفق العنف وسوادوية المستقبل التي تسيطر على راهننا، وتقول في تصريحها "إن الفنّ عندما يواجه الإرهاب إنما هو نضال ثقافي طويل الأمد واشتغال عميق على البنى الرمزية للحياة الفردية والمشتركة".

سعادة الإشباع ليست سعادة حقيقية

لم تحصر بنشيخة الإرهاب في شكله "الإسلامي عالي التوتر" حسب تعبير المفكر السوري صادق جلال العظم، بل إن الفكر الفاشي في أوروبا الغربية في بدايات القرن العشرين وإرهاب الزمن الراهن، والحروب الدموية التي تحدث في العالم العربي والتي صورها الرسام تمام عزام على شاكلة "الدمار كعمل فني" (وله لوحة المقالة). كل تلك الأعمال الفنية كانت تصعيداً وإعلاء لضغوطات الإرهاب متعددة الأوجه على الفنان وقد تشكلت في بعد جمالي وفني.

وبهذا تذهب بنشيخة في كتابها إلى أن الفن والجمال أداة لمقاومة يتجاوز عمقها مجرد المعالجة السطحية لظواهر العنف والإرهاب المترسبة في قاع الواقع العربي، وتقول لرصيف22: "الفن في زمن الإرهاب هو إمكانية اختراع نمط من الكينونة الخلاقة التي تليق بنا إن أردنا أن نجعل من أوطاننا أقاليما وجودية صالحة للسكن".

وربطت بنشيخة تلك الإمكانية في كتابها بـ"الحب" الذي وصفته بأنه قيمة أصبحت ضعيفة التداول بين البشر اليوم، وأنّ مجتمعاتنا الإنسانية في هذا الزمن أصبحت مجتمعات شبه طاردة وكارهة للحب لاعتبارات عديدة من بينها الضغط الاقتصادي الرأسمالي المعولم حيث "صار الحب علبة استهلاكية في خضارة كل شيء فيها يستهلك انطلاقاً من المشاعر الشخصية وصولاً إلى الثورات العربية". 

لكن بن شيخة ترسم ملامح التخلص من كل هذا السواد القاتم عبر مقولة الشاعر الفرنسي أرتورومبو الملقب بـ"الملعون" والذي يقول "الحب ينبغي إعادة ابتكاره"، وذلك في عالم لا يشبه العالم الحقيقي والجوهري الذي يبحث عنه الإنسان... عالم السعادة.

عندما لا يكون لدينا سوى الحب

إن عملية إعادة ابتكار الحب وفق ما صرحت به أم الزين بنشيخة المسكيني لرصيف22 تحتاج وبالأساس إلى تعميم حب الجمال والجماليات بين الناس وإعادة توزيع تلك الطاقة المولدة للفن بالعدل بين الجميع.

وتستدعي أم الزين بنشيخة في هذا المستوى القارئ العربي إلى ما يسميه أنطونيو نيغري "أنطولوجيا الرائع" أي ما يخرج عن حدود التخييل والتمثيل والقيس الرياضي داخل الفن وذلك لصناعة صدمة جمالية توازي صدمة الإرهاب وتوحش منظومة الإنتاج الرأسمالية.

وقد جعلت من مقولات بعض الفنانين أرضية لتقريب مفهوم الفن داخل سياق مقاومته للعنف والدم والدمار والإرهاب، مؤكدة أن الجمال ممكن الآن وهو أحد المناسبات المثيرة للفرح "حيث نلتقي بأنفسنا في شكل حواس"، كما تقول بنشيخة، أو كما قال سالفادور دالي "إن الجماهير تفكر بحواسها أولاً"،

ومارلوبونتي أيضاً الذي يهدي الجسد للجمهور قائلاً "إن الرسام إنما يعير جسده إلى العالم" كي يكون ثمة عالم، فأنطولوجيا الرائع لأنطونيو نيغري كأنها بلسم لما سماه جون لوك نانسي "القحولة الأنطولوجية" حيث لا شيء غير سوق كبير لبيع سلع الدولة تحت راية الهراء الديمقراطي.

سيف الدين العامري

صحافي وباحث في أنثروبولوجيا السياسة بالجامعة الإيطالية. متخصص في الأزمات الإنسانية بحوض البحر الأبيض المتوسط. عمل في القسم الفكري لصحيفة العرب اللندنية ومراسلاً لعدد من وسائل الإعلام من بينها موقع Orientxxi فرنسي/عربي، وصحيفة الأخبار اللبنانية.

التعليقات

المقال التالي